مصر المصغرة.. ربّان عبيط ورقص وضجيج وأم كلثوم!

alarab
منوعات 26 سبتمبر 2014 , 07:54ص
قبل أيام من بدء العام الدراسي، قررت أن أصطحب الأسرة في رحلة نيلية إلى القناطر الخيرية. وهي لمن لا يعرفها مدينة تبعد عن القاهرة نحو 20 كيلومترا. عندها يتفرع النيل إلى فرعين: «رشيد» و»دمياط»، وفيها وضع محمد علي باشا، باني مصر الحديثة، أولى لبنات نهضة زراعية كبيرة بإنشائه قناطر تحجز المياه، لتصّريفها حسب احتياجات الفلاحين، بعدما شق مئات الترع الكبيرة والصغيرة، من بينها «الرياح التوفيقي» و»الرياح المنوفي» وهما أكثر اتساعا من أنهار عالمية شهيرة، فما بالك بالنيل نفسه.
النيل ساحر من داخله، بعيدا عن تلوث القاهرة وصخبها. لكن يبدو أن «الدوشة» أصبحت في جينات المصريين، لا يهدأ لهم بال إلا في الضجيج، لو اختفى الضجيج لخلقوه بصوتهم المرتفع.
الأوتوبيس النهري الذي كنا فيه هو «مصر مصغرة» بداية من الربان «القائد» وانتهاء بالركاب «الشعب»، ومرورا بحالة الأوتوبيس نفسه، ونوعية الضيوف من الدول العربية الذين تواجدوا.
الأوتوبيس متسخ، «الشعب» يلقي القمامة على أرضيته، أو في النيل. أما الربان فحكايته حكاية، حالته بائسة مثل حال غالبية الشعب، يظن نفسه قائد «تيتانيك»، لم أستطع أن أمسك نفسي من الضحك من طريقة جلوسه على مقعد القيادة، لا يجلس مثل الإنسان الطبيعي، لكنه رفع المقعد إلى أعلى مستوى، ولم تكن رجلاه على الأرض، بل رفعهما ووضعهما على كابينة القيادة، ليصبح «المقود» بين فخذيه!
الركاب معظمهم غلابة، فتيات يرقصن على أصوات أغان سوقية مبتذلة، تبثها سماعات ضخمة. نفس المناظر ونفس الأجساد تهتز بنفس الطريقة التي أضحكت العالم أمام لجان «الانتخابات الرئاسية الراقصة» التي شهدتها المحروسة 2014، وأضحت نكتة تسجل ضمن غرائب وعجائب مصر.
صوت السماعات لا يطاق، مرتفع بشكل يقض مضاجع التماسيح في بحيرة فيكتوريا، حيث منبع النيل في قلب إفريقيا. شكوت لسيادة الربان، من الصوت المزعج، وطلبت أن يخفضه، فقال وهو جالس نفس جلسته الفريدة من نوعها: «والله ما قدر.. الركاب كده هيزعلوا.. وأنا مقدرش على زعلهم كلهم.. اصبر بس وربنا يسهلها».
إنها نفس معاني عبارات قائد «المركب الكبير»، لم ينقصه سوى مصطلحات: «انتوا ناسيين انكوا نور عينينا ولا إيه»، «لو أطول أجيب لكم حته من السما مش هتأخر»، «غلبكم بيوجعني»، «أنا مش قادر أديك»، «مفييييش»، «هتاكلوا المركب يعني»، «يا رب حضرتك تساعدنا»، «اصبروا عليا سنتين»، «هتشوفوا البتاعة دي قد الدنيا».
بالقرب من الراقصات البائسات، أتى رجلان من دولة عربية، يبدو من تصرفاتهما أنهما من نفس فصيلة الداعمين والممولين لإجهاض حلم «المركب» في الديمقراطية وعزل ربانه الحقيقي وخطفه. يشترون الجميع بدولارات الحرام، ركبوا ودلدلوا رجليهم بعدما انبطح أمامهم مرتزقة تافهون، جلس الرجلان بجانب حلبة الرقص، يصفقان وعيونهم تندب فيها رصاصة. تتفحص الأجساد من فوق لتحت، أحدهم طلب تصوير الرقص عبر هاتفه، رفضت الفتيات، لكنه لم ييأس ودخل في وصلات كلامية معهن.
وسط ذلك طلع شخصان، طلبا تذاكر الرحلة للاطلاع عليها. ثم طلبا قيمة تذاكر إضافية، تماما مثلما طلبت منا الحكومة شراء شهادات القناة الجديدة «عشان خاطر ماسر». الناس سألوهما عن السبب؟! فأجابا لـ»دخول المرسى». ثم اتضح أنهما نصبا علينا وأنهما يعملان في كافتيريا بالمدينة، فالتذاكر كانت لدخول الكافيتريا، لقد صعدا المركب مقابل عمولة لـ»سيادة الربان» الذي لم تنزل قدماه أبداً عن احتضان المقود!
منع الضجيج الاستمتاع بمنظر المياه الرائع، ونسمات الهواء النقية التي تذكرك بهواء شمال إيران الساحر. قلت نحاول تعويض ما حرمنا منه الضجيج، بالتجوال وسط حدائق القناطر الخلابة، لكن أينما تكون في مصر يطاردك هادم اللذات ومفرق الجماعات. التف حولنا سائقو «الحناطير» كل يعرض خدماته، حصارهم خانق، سحناتهم مخيفة، أحدهم طاردنا واستعمل سلاح الترغيب والترهيب والتسول، لما أعيته الحيل استمر في المطاردة، خاف الأولاد فقررنا عدم التجوال في الحدائق، جلسنا في الكافيتريا، ظل واقفا عند مدخلها ينتظرنا!
في الكافيتيريا، وجدنا هدوءا نسبيا، جلسنا على ضفة النيل الجميل المهموم الذي لو بيده لطلب الهجرة من مصر، حيث يهان فيها مثلما يهان أجمل من أنجبت من نخبتها وأشرافها، صوت أم كلثوم يصدح في المكان، فرصة أن نهرب معها إلى عالم خيالي من الحب والخير والجمال، لا نجده في واقع «جلف» يسيطر عليه سفاحون قساة القلوب منعدمو الضمير ومعدومو الذوق.
غناء كوكب الشرق، يرتقي بالأحاسيس والمشاعر، يجعل إنسانيتك تسمو، مسكين من يحرم نفسه منها بناء على كلمة من «برهامي» حبيب الانقلاب، كثير من مواقف حياتي تحمل ذكريات مخلوطة بأنغام صوتها. في حب المراهقة البريء: «القمر من فرحنا حينور أكتر.. والنجوم حتبان لنا أجمل وأكبر.. والشجر قبل الربيع حنشوفه أخضر». وفي التجربة الفاشلة: «بعد الود اللي راعيتهولك.. بعد الحب اللي وهبتولك.. بعد العمر اللي أنا عشتولك.. فيه إيه تاني أقدمهولك؟!!». وعندما تنسى هموم الدنيا التي زادت بفعل «المسهوك» اللي ما يتسمى، وتكون مع الحبيب تناجيان القمر مع «الست» ونغمات بليغ حمدي: «يا حبيبي.. يا حبيبي.. إيه أجمل م الليل واتنين زينا عاشقين.. تايهين.. ما احناش حاسين العمر ثواني ولا سنين.. حاسين إننا بنحب وبس نحب وبس.. عايشين لليل والحب وبس.. يا حبيبي الحب حياتنا وبيتنا وقوتنا.. للناس دنيتهم واحنا لينا دنيتنا».
ولما تشعر أن المسافة بينك وبين الملاك الطاهر طويلة يقطعها بحار وصحاري وحدود، تنادي: «غريب على باب الرجاء طريح.. يناديك موصول الجوى وينوح.. يهون عذاب الجسم والروح سالم.. فكيف وروح المستهام جروح.. وأهواك لكني أخاف وأستحي إذا ما قلت قلبي في هواك جريح». حتى في لحظات التجلي الصوفية تحاصرك: «عرفت الهوى من عرفت هواك.. وأغلقت قلبي عمن عداك.. وقمت أنا جيبك يا من ترى خفايا القلوب ولسنا نراك.. أحبك حبين.. حب الهوى وحبا لأنك أهل لذاك.. فأما الذي هو حب الهوى فشغلي بذكرك عمن سواك.. وأما الذي أنت أهل له فكشفك لي الحجب حتى أراك».
أشعر بالملل في مصر، وما يجري فيها. ويا أيها المجتمع المثالي الذي أحلم به، أناشدك مع أم كلثوم: «أنا في انتظارك.. ملّيت»!!

• shrief.abdelghany@gmail.com
? @shrief_ghany