«القرض الحسن» من أركان الإسلام الجماعية
محليات
26 سبتمبر 2011 , 12:00ص
الدوحة - عامر غرايبة
قال الأستاذ الدكتور علي محيي الدين القره داغي إن المصطلح القرآني (إقراض الله قرضاً حسناً) الذي أمر به الله تعالى مرة وجعله شرطاً لكفارة السيئات ولدخول الجنة مرة ثانية، ليس أمراً يدور حول الندب والاستحباب، وإنما هو ركن من أركان الإسلام الجماعية، وهو بذلك في دائرة الفرائض والواجبات.
وقدم القره داغي محاضرة بعنوان «الإطار الشرعي للوقف ومقاصده العامة.. دارسة فقهية تأصيلية» في ورشة العمل التدريبية الإقليمية التي تقيمها الإدارة العامة للأوقاف تحت عنوان «إدارة واستثمار أموال ممتلكات الوقف»، وبدأ القره داغي محاضرته بتوطئة فيها تعريف للوقف في اللغة والاصطلاح، ومن ثم تناول مشروعية الوقف في سياحة فقهية تطرق فيها لأصل الوقف عند جماهير الفقهاء.
ولخص القره داغي علاقة الوقف بالقرض الحسن في أن القرض الحسن الوارد في القرآن فسره جمهور الفقهاء بأنه ما يشمل جميع أبواب البر والإحسان، وقال: إن الصحابة استجابوا لهذه الآية من خلال الوقف، وأشار إلى أن القرض الحسن هنا، هو في مجال الأموال فقط بدليل أن الصحابة حينما سمعوا آية في القرض الحسن، بادروا إلى مزيد من الإنفاق في سبيل الله.
وأوضح القره داغي أن الناس حينما نزلت الآية (من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرة والله يقبض ويبسط وإليه ترجعون)، انقسموا إلى ثلاث فرق، الأولى من اليهود والمنافقين قالوا: «إن رب محمد فقير يحتاج إلينا، ونحن أغنياء»، فرد عليهم الله تعالى: (لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء سنكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حق ونقول ذوقوا عذاب الحريق)، أما الفرقة الثانية فقد آثرت الشح والبخل، قال ابن العربي: «وقدمت الرغبة في المال، فما أنفقت في سبيل الله، ولا فكت أسيراً ولا أعانت أحداً تكاسلاً عن الطاعة وركوناً إلى هذه الدار»، وبادرت الفرقة الثالثة إلى الامتثال، وآثرت الآخرة على الدنيا.
الخلاصة في المراد بـ (إقراض الله قرضاً حسناً)
وبيَّن القره داغي أن مما يلفت بشكل كبير هو أن القرآن الكريم كرر هذا المصطلح دون تغيير في جميع الآيات التي ورد فيها، مع تغيير الفعل، فهذه المعالم إن دلت على شيء فإنما تدل على أن القرآن الكريم يريد من الناحية المنهجية والتربوية غرس هذا المصطلح في نفوس المسلمين وجعله مثل مصطلح الجهاد في سبيل الله.
وخلص إلى أنه يتبين مما ذكر أن هذا المصطلح القرآني (إقراض الله قرضاً حسناً) الذي أمر به مرة وجعله شرطاً لكفارة السيئات ولدخول الجنة مرة ثانية، ووصف به المؤمنين الصادقين مرة ثالثة، ووضع له أجراً كبيراً مضاعفاً، وذكر بعد الأركان والواجبات؛ يتبين أنه ليس أمراً يدور حول الندب والاستحباب، وإنما هو ركن من أركان الإسلام الجماعية، وهو بذلك في دائرة الفرائض والواجبات، لكنها فرائض خاصة على مستوى الأمة والحق العام للمجتمع وهي ما يسمى بفروض الكفاية، وفي ضوء هذا فإن القرض الحسن يدل بوضوح على أن الدولة والأمة والمجتمع يجب أن تنظم أمورها وتحميها من الأعداء والأمراض في الداخل والخارج، فكما أن عليها الأخذ بجميع الوسائل لحماية الأمة من العدو الخارجي بمختلف صنوفه وأنواعه من خلال وسيلة الجهاد في سبيل الله، فكذلك يجب عليها حماية الداخل من الأمراض الداخلية والاجتماعية من خلال الأمر والطلب من الأمة بـ (إقراض الله قرضاً حسناً).
الوقف ومؤسسات المجتمع الأهلي
ظهر مصطلح المجتمع المدني أو الأهلي في العقود الأخيرة للدلالة على المؤسسات الأهلية غير الحكومية ودورها في خدمة المجتمع في مختلف مجالات الحياة وفي خدمة الإنسان من حيث حقوقه وحماية كرامته.
ويقول القره داغي إن مؤسسات المجتمع الأهلي تسعى جاهدة خارج إطار الدولة ومؤسساتها لتحقيق المقاصد الضرورية والحاجية للإنسان والمجتمع، وذلك من خلال حماية الإنسان وحريته الدينية وحماية النفس والعرض والمال وغيرها من المقاصد المعتبرة، بالإضافة إلى تحقيق العدل وحماية ممتلكات الشعب من خلال المؤسسات الرقابية والإعلامية.
ومما لا شك فيه أن الوقف الذي حرض عليه الإسلام وطبقه الرسول (صلى الله عليه وسلم) يدخل في هذا الإطار التكافلي، ثم إن الوقف تنوعت أشكاله وتعددت مصادره وموارده ومصارفه وشملت مؤسساته مختلف مجالات الحياة ونذكر منها: أوقاف ضخمة على المساجد والجوامع وعلى رأسها الوقف على المساجد الثلاثة، المسجد الحرام، مسجد الرسول (صلى الله عليه وسلم)، المسجد الأقصى، أوقاف عظيمة على المدارس والجامعات بدءاً من المحاضر والكتاتيب والمدارس الملحقة بالمساجد ومراكز تحفيظ القرآن الكريم والسنة المطهرة إلى الجامعات والمدارس النظامية، وأوقاف خاصة بالفقراء والمساكين.
وقدم القره داغي خلال هذا العرض 24 من أنواع الأوقاف الأهلية بما فيها وقف جميع الأراضي المفتوحة في عصر عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) وقفا على الدولة والأجيال القادمة والذي اعتبره القره داغي أعظم وقف في تاريخ البشرية، وقال إن المؤرخين اتفقوا على أن سيدنا عمر (رضي الله عنه) لما فتح العراق والشام والبلاد الأخرى لم يوزع الأراضي المفتوحة على الفاتحين وإنما جعل ريعها وما ينتج منها من خراج لصالح الدولة والأجيال اللاحقة.
وأشار إلى أن الفقهاء اختلفوا في الأراضي المفتوحة عنوة هل هي وقف أم لا، وأورد خلال المحاضرة رأي جمهور الفقهاء، وتضمنت المحاضرة آثار الأوقاف للنهوض بالأمة وتحقيق رقيها وحضارتها والدور العظيم للوقف في نشر الدعوة على مر التاريخ القديم والمعاصر وأثرها في التنمية الشاملة للأمة والمجتمع وبناء حياة اجتماعية مستقرة.
وأورد القره داغي خلال المحاضرة دور الوقف الاقتصادي؛ حيث إن الوقف يمثل نسبة كبيرة من الموارد المالية للأمة الإسلامية، لاسيَّما في العصور المزدهرة للحضارة الإسلامية، وأشار إلى أن الموارد الوقفية (أصلاً وغلة ومنفعة) كانت تمثل بين 60 و%75 من الموارد، وأوضح كيفية ربط الأوقاف بالاقتصاد، وأشار إلى أن الأوقاف كانت مرتبطة بالاقتصاد في الحضارة الإسلامية وكانت أداة فعالة للتنمية الاقتصادية وللتفعيل الحضاري والإبداع العلمي، وقال إنه يمكن إعادة هذا الدور الاقتصادي الكبير للأوقاف من خلال، إعادة الموقوفات التي أخذت ظلماً، ووضع خطة استراتيجية لتطوير الأوقاف كماً وكيفاً، وإعادة الاعتبار للوقف بوصفه نظاماً حضارياً دفع الأمة إلى الأمام والتعمق في فهم أسس تفعيل الوقف.
وفي المبحث الثاني تناول القره داغي مقاصد الوقف في الشريعة الغراء، وقدم تعريفاً للمقاصد ومقاصد الوقف، وقال إن هنالك مقاصد عامة ومقاصد خاصة، وأشار إلى أن من المقاصد العامة للوقف: تحقيق العبودية لله تعالى في مجال المال، وتحقيق رسالة الإنسان التي كلفه بها الله تعالى وهي رسالة الاستخلاف في الأرض، وتحقيق التنمية الشاملة للإنسان، وتأمين مورد مالي ثابت لحاضر الأمة الإسلامية ومستقبلها، وإعادة توزيع الثروة وتداولها بين الفقراء والأغنياء، وتحقيق مبدأ التكافل الإسلامي المنشود، حماية الملهوفين والمحتاجين من الذل والانكسار، وتحقيق مبدأ الإيثار في الأمة وتربيتها على ذلك.
أما المقاصد الخاصة فيقول القره داغي إن لكل وقف مقاصده الخاصة، ولكن تسمح طبيعة البحث للخوض في تفاصيلها، ولكن منها الوقف على الجهاد في سبيل الله والوقف على المشروعات الصحية.