باب الريان
26 أغسطس 2011 , 12:00ص
هالة عطا
يقول معاوية: دخل أصحاب أبي الدرداء عليه في مرض الموت، فقالوا له: مما تشتكي رحمك الله؟ قال: أشتكي ذنوبي، قالوا له: وماذا تشتهي؟ قال: أشتهي الجنة، قالوا: أفلا ندعو إليك طبيبًا؟ قال: الطبيب هو الذي أضجعني، (وَالَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ*إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ) [المعارج: 27-28].
جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه الشهيد الطيار، قطعت يمينه، فأمسك الراية بشماله، فلما قطعت شماله احتضن الراية بعضديه، فتكسرت الرماح عليه وهو يبتسم، ويقول:
يا حبـذا الجنة واقترابها * طيبة بارد شرابـها
والروم روم قد دنا عذابها * كافرة بعيدة أنسابها
وشيخ الإسلام ابن تيمية مات وهو يقرأ القرآن، ختم القرآن أكثر من ثمانين مرة، فلما وصل إلى قول الله (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ*فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ) [القمر: 54-55] جلس ولفظ الشهادتين، وفاضت روحه إلى بارئها.
وعمر بن عبدالعزيز الزاهد العابد المجاهد الورع عندما حضرته الوفاة قال لمن حوله: اخرجوا، فإني أرى وجوهًا ليست وجوه إنس ولا جن، وقرأ قبل الوفاة: (تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) [القصص: 83].
كان الحسن البصري يبكي بكاءً شديدًا، فقيل له: لم تبكي؟ قال: أخاف أن أكون في أم الكتاب شقيًّا! وعند الاحتضار بكى، فقيل له: لم تبكي؟ قال: نفيسة ضعيفة، وأمر هؤول، وإنا لله وإنا إليه راجعون! ثم أغشي عليه، فأيقظوه، فأفاق وقال: رحمكم الله، لقد نبهتموني من جنات وعيون ومقام كريم، أيقظتموني، وأنا في إغماءتي دخلت الجنة، ورأيتها رحمكم الله، ثم لفظ الشهادتين، وفاضت روحه (تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) [القصص: 83].
ولما حضرت الوفاة معاذ بن جبل كان يقول: أعوذ بالله من ليلة صباحها إلى الله، ثم يقول: مرحبا بالموت زائرا، اللهم إني كنت أخافك، وأنا اليوم أرجوك.
ولما حضرت أبا هريرة الوفاة -وهو طالب العلم الزاهد العابد، الذي لم يشبع ليلة، وكان يتبع النبي صلى الله عليه وسلم ليسمع العلم، يقول عن نفسه: لقد رأيتني يوما أتلوى في الطرق، يحسب المار بي أنني مجنون، وما بي إلا الجوع- لما حضرته الوفاة بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: بُعد السفر، وقلة الزاد، وضعف اليقين، والخوف من الوقوع من الصراط في النار (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) [آل عمران:185]، نعم، كل نفس ذائقة هذا اليوم:
يَا غَافِلاً عَنِ الْعَمَل * قَدْ غَرَّهُ طُولُ الأَجَل
الْمَوْتُ يَأْتِي بَغْتَةً * وَالْقَبْرُ صُنْدُوقُ الْعَمَل
والعماد المقدسي وهو رجل صالح، يقول عنه ابن قدامة -رحمه الله–: «والله ما أعلم أنه عصى الله معصية واحدة!»، إن الرجل إذا استقام، وصلح ظاهره، وباطنه، لا تسوء خاتمته أبدا، إنما تسوء خاتمة من أقدم على الكبائر، أو فسد عقله، ودينه، هذا من تسوء خاتمته، أما من أصلح ظاهره وباطنه، فإن الله تعالى يثبته، لقد قال العماد المقدسي عن نفسه عندما حضرته الوفاة: يا حي يا قيوم، يا حي يا قيوم، لا إله إلا أنت برحمتك أستغيث، برحمتك أستغيث، ثم اتجه إلى القبلة، وقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ) [فصلت:30]، فهؤلاء الصالحون وأمثالهم تتنزل عليهم الملائكة عند الموت؛ لتذهب عنهم الخوف مما هم مقبلون عليه من الموت وما بعده، وتطمئنهم على ما تركوا في الدنيا من أهل أو مال أو ولد، وتبشرهم بدخول الجنة التي وعدهم الله بها.
لا يمكن أن يستوي من يستمع للقرآن، ويحفظ القرآن، ويتلذذ بالقرآن، بمن يسمع الموسيقى والغناء، ويحفظ الغناء ويتلذذ بالغناء، (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ) [القلم:35]، لا يمكن أن يساوي الله تعالى بين من يقوم في الصباح الباكر إلى بيت الله ليصلي ركعتين لله، ومن يقوم على الغناء والطرب، ويقوم لعمله وتجارته من غير صلاة، لا يصلي الفجر في جماعة، ولا يصلي الظهر في جماعة، ولا يعرف ذكر الله.
لا يظنَّنَّ أحدٌ أنه سيساوى بين هذا وذاك؟ لا يستوي من ينفق أمواله في الربا ومن ينفق أمواله في الصدقات، لا يستوي هذا وذاك؟ (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ) [ص:28]، أبداً لا يستوون في حكم الله، من يفتح محلاته التجارية ومعارضه وتجارته في الحرام ليفسد في بلاد الله، وليفسد الحرث والنسل، فهذا لا يجعله الله كمن يمشي في الناس يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويدعو إلى الله تعالى، ويصرف أمواله على الحلال.