شاب نشأ في عبادة الله تعالى (3)
باب الريان
26 أغسطس 2011 , 12:00ص
الشيخ عبد السلام البسيوني
الشاب قد يرى نفسه، ويعجب بحاله، ويتهاون في واجباته:
ففي الحديث الطويل في البخاري، عن كعب بن مالك رضي الله عنه: لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها إلا في غزوة تبوك، غير أني كنت تخلفت في بدر، ولم يعاتب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدًا تخلف عنها، إنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة، حين تواثقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها، كان من خبري: أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر حين تخلفت عنه في تلك الغزاة، والله ما اجتمعت عندي قبله راحلتان قط، حتى جمعتهما في تلك الغزوة... وتجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه، فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقض شيئًا، فأقول في نفسي: أنا قادر عليه، فلم يزل يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجد، فأصبح رسول صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئًا، فقلت أتجهز بعده بيوم أو يومين ثم ألحقهم، فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز، فرجعت ولم أقض شيئًا، ثم غدوت، ثم رجعت ولم أقض شيئًا، فلم يزل بي حتى أسرعوا، وتفارط الغزو، وهممت أن أرتحل فأدركهم -وليتني فعلت- فلم يقدر لي ذلك، فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم فطفت فيهم، أحزنني أني لا أرى إلا رجلاً مغموصًا عليه النفاق، أو رجلاً ممن عذر الله من الضعفاء، ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك... الحديث.
الشاب مبادر مجازف جريء:
ففي البخاري عن عائشة رضي الله عنها: هاجر ناس إلى الحبشة من المسلمين، وتجهز أبوبكر مهاجرًا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (على رسلك، فإني أرجو أن يؤذن لي). فقال أبو بكر: أو ترجوه بأبي أنت؟ قال: (نعم). فحبس أبوبكر نفسه على النبي صلى الله عليه وسلم لصحبته، وعلف راحلتين كانتا عنده ورقَ السَّمُرِ أربعة أشهر.
فبينا نحن يومًا جلوسا في بيتنا في نحر الظهيرة، فقال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلاً متقنعًا، في ساعة لم يكن يأتينا فيها، قال أبوبكر: فدىً له بأبي وأمي، والله إن جاء به في هذه الساعة لأمر، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذن، فأذن له، فدخل، فقال حين دخل لأبي بكر: (أخرج مَن عندك). قال: إنما هم أهلُك بأبي أنت يا رسول الله. قال: (فإني قد أُذن لي في الخروج). قال: فالصحبة بأبي أنت وأمي يا رسول الله؟ قال: (نعم).
قال: فخذ بأبي أنت يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (بالثمن). قال: فجهزناهما أحث الجهاز، ووضعنا لهما سفرة في جراب، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها، فأوكت به الجراب، ولذلك كانت تسمى ذات النطاقين. ثم لحق النبي صلى الله عليه وسلم وأبوبكر بغار في جبل يقال له ثور، فمكث فيه ثلاث ليال، يبيت عندهما عبدالله بن أبي بكر، وهو غلام شاب لقن ثقف، فيرحل من عندهما سحرا، فيصبح مع قريش بمكة كبائت، فلا يسمع أثرا يكادان به إلا وعاه، حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام، ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر منحة من غنم، فيريحها عليهما حين تذهب ساعة من العشاء، فيبيتان في رسلها حتى ينعق بها عامر بن فهيرة بغلس، يفعل ذلك كل ليلة من تلك الليالي الثلاث.
الشاب أهلٌ للمهمات الجسيمة:
في البخاري، عن زيد بن ثابت رضي الله عنه: أرسل إلي أبوبكر مقتل أهل اليمامة، وعنده عمر، فقال أبوبكر: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحر يوم اليمامة بالناس، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن، فيذهب كثير من القرآن، إلا أن تجمعوه، وإني لأرى أن تجمع القرآن.
قال أبوبكر: قلت لعمر: كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال عمر: هو والله خير، فلم يزل عمر يراجعني فيه حتى شرح الله لذلك صدري، ورأيت الذي رأى عمر. قال زيد بن ثابت: وعمر عنده جالس لا يتكلم، فقال أبوبكر:
إنك رجل شاب عاقل ولا نتهمك، كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فتتبع القرآن فاجمعه. فوالله لو كلفني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن. قلت: كيف تفعلان شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال أبوبكر: هو والله خير، فلم أزل أراجعه حتى شرح الله صدري للذي شرح الله له صدر أبي بكر وعمر، فقمت فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع والأكتاف والعسب، وصدور الرجال، حتى وجدت من سورة التوبة آيتين مع خزيمة الأنصاري لم أجدهما مع أحد غيره: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ} إلى آخرهما. وكانت الصحف التي جمع فيها القرآن عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حتى توفاه الله، ثم عند حفصة بنت عمر.
الشاب سؤول، لقلة الخبرة:
فعن ابن عمر رضي الله عنهما -كما في صحيح دلائل النبوة للوادعي وحسنه- قال: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عاشر عشرة، في مسجد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: أبوبكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وحذيفة وأبوسعيد الخدري ورجل آخر سماه وأنا، فجاء فتى من الأنصار فسلم على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ثم جلس فقال: يا رسول الله أي المؤمنين أفضل؟ قال: أحسنهم خلقًا. قال: أي المؤمنين أكيس؟ قال: أكثرهم للموت ذكرًا، أو أحسنهم له استعدادًا قبل أن ينزل بهم، أو قال ينزل به أولئك الأكياس، ثم سكت الفتى... الحديث.
وفي صحيح سنن ابن ماجه، عن علي رضي الله عنه قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، فقلت: يا رسول الله: تبعثني -وأنا شاب- أقضي بينهم, ولا أدري ما القضاء؟! قال: فضرب بيده في صدري، ثم قال: (اللهم اهد قلبه، وثبت لسانه)، قال: فما شككت بعد في قضاء بين اثنين.