قوم لوط انتكسوا وانعكسوا وقلبوا فِطْرَةَ الله فاستحقوا العذاب
باب الريان
26 أغسطس 2011 , 12:00ص
قصة قوم لوط
قصة قوم لوط كرَّرها القرآن في عددٍ من السُّور، ذُكرت قبل ذلك في سورة الأعراف، وذُكرت في سورة هود، وفي سورة الحِجْر التي معنا، وستُذكر بعد ذلك في عددٍ من السور، لأنها قصَّةٌ غريبةٌ، قصَّةُ قومٍ أدْمنوا الفاحشة، كما قال لهم نبيُّهم لوط: {أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ} [الأعراف:80]، ابتكروا هذه الفاحشة ابتكارًا، فكان عليهم وِزْرها ووزر مَن عملها مِن بعدهم، إنهم ابتكروا هذه الفاحشة، ما حَدَثتْ هذه الفاحشة في قوم من الأقوام قبل هؤلاء قوم لوط، فاحشه إتيان الذكور، أو ما يسمُّونه في عصرنا: (الشذوذ الجنسيّ). والآن لم يعودوا يسمُّونه الشذوذ الجنسي، لأنَّ كلمة الشذوذ هي اسم ذمّ، وهؤلاء لا يريدون أن يذمهم أحد، فأصبحوا يسمُّونهم: (المِثْلِيِّيِن)، أي: الرجل يأتي الرجل، والمرأة تأتى المرأة، قوم لوط قاموا بهذه الفاحشة وأصبحت بينهم، ولم يختلفوا بأن يفعل ذلك بعضهم مع بعض، واستمرؤوا هذه الرذيلة، وتركوا نساءهم اللائي خَلَقهنَّ الله لهم، فجاء عن سيدنا لوط في سورة الشعراء: {أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ * وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ} [الشعراء:165-166].
لقد خلق الله المرأة للرجل: {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ} [البقرة:187]، حتى الخلقة الجسمية مهيَّأة لذلك، ولكن هؤلاء انتكسوا وانعكسوا وارتكسوا، قلبوا فِطْرَةَ الله التي فطر اللهُ الناس عليها، فلذلك استحقوا عذاب الله، {وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ}، فجاء هؤلاء الرسل من الملائكة ليُنْزلوا بهم عذاب الله.
حقيقة المهمَّة التي أُرسل الملائكة من أجلها إلى إبراهيم
{قالوا إنا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ}، أي: أُرْسلنا لهم بالعذاب، فهم بسبب كونهم بلغوا حقيقة الإجرام يستحقون الإهلاك الشامل، واستثنوا لوطًا وآله، فقالوا: {إِلَّا آَلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ}، أي: من الباقين في العذاب، ليست ممَّن كُتبت لهم النجاة، لأنها كانت ضدَّ زوجها سيدنا لوط، وكانت تُعَرِّف القوم بمن يأتي لوطا من الضيوف، كانت نمَّامَة كلما جاء للوط ضَيْفٌ ذهبتْ إلى قومها وأخبرتهم بمجيئهم.
{فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ * قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ}
أتى الملائكة لوطًا عليه السلام في داره، وفي الدار زوجته وأبناؤه، {قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ} قال لوط لهم: أنتم مجهولون بالنسبة إلى لا أعرفكم، ولا أعرف من أيٍّ قوم أنتم؛ وذلك قبل أن يكشفوا القناع عن أنفسهم أنكرهم وما عرفهم، وقال: ما الذي جاء بكم إلى هذا البلد؟ مَنْ يخاطر بنفسه ويأتي بلدًا مثل هذا، فيفترسه أهلها؟! ولا يمكن أن ينجو منهم، أما سمعتم بما يفعلون، أنكرهم و{قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ}.
الوظيفة التي أرسل بها الملائكة
{قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ}
جئناك بعذاب هؤلاء القوم، الذين يشكُّون في نزول العذاب بهم، ويستبعدونه ولا يظنُّون أنَّ نقمة الله تنتظرهم، وأنَّ الله لهم بالمرصاد، وأنَّ الله يُمْهِل ولا يُهْمِل: {قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ}.
{وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ}
أي: بالعذاب المتيقَّن الثابت الذي لا شك فيه، المقرَّر لهم من الله عز وجل {وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} فيما نقوله.
أمر الملائكة بالمسير ليلاً
{فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ}
ثم أمرت الملائكة لوطًا عليه السلام بعد أن هدَّؤوا قلقه، وسكنوا خوفه، أن يترك هذا البلد الظالم أهله، ويهاجر مع المؤمنين من أهل بيته لينجوا من العذاب الذي سينزل بهم، فقال تعالى: {فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ} في جزء من الليل كما قال تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آَلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ} [القمر:34]، فقال له أَسْرِ. والإسراء: هو السَّيْر بالليل، كما قال تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِيِ أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا} [الإسراء:1]، فقال له: أَسْرِ بأهلك في جزء من الليل، بعد منتصف الليل، اخرج من هذا البلد، من هذه القرية التي تعمل الخبائث.
{وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ}، أي: امْشِ خَلْفهم لكي ترى من هناك، ليس أحدٌ قد تخلَّف.
أمير الجماعة يسير في آخرهم
وتلك كانت سنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، فقد كان يمشي خلف الجيش، يحمل المنقطع، ويرى حاجة العاجز، فقال: اتَّبع أدبارهم، كُنْ خَلْفَهم حتى تطمئنَّ أنهم كلَّهم صاروا أمامك.
{وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ}: لا تنظر إلى الخلف، دَع القوم وما ينزل بهم من عذاب، حتى حينما تسمعون الصَّيْحة أو الصَّاعقة لا علاقة لكم بهؤلاء. {وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ}، إلى المكان الذي تُؤْمَرون به، إلى القرية التي ستذهبون إليها، التي ليس فيها عمل السيِّئات.
القضاء المبرم باستئصال قوم لوط في الصباح
{وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأمر أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ}
قضينا إلى لوط ذلك الحُكم الذي قَضَاه الله إليه، وأوحاه إليه مبتوتًا مقْضيَّا لا رجعة فيه: {أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ}، حقَّت عليهم كلمات الله: أنه في الصباح سيقطع دابرهم، أي: آخر من يبقى منهم على قَيْد الحياة، وإن انقطع آخرهم، فقد انقطع أوَّلهم، فالمعنى: فقُطع القوم جميعهم، من أولهم إلى آخر واحد فيهم.
{فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام:45]، سيقطع الأمر {أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ}، حينما يصبح الصباح وتُشرق الشمس ينزل عذابُ الله بهؤلاء، يستقبلون عذابَ الله، الناس تستقبل الصباح بالخير والبركة، وهؤلاء يستقبلهم العذاب، كما قال تعالى في سورة هود: {إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ} [هود:81]، {أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ} في ساعة الصباح والإشراق.
استبشار أهل المدنية بضيوف لوط
{وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ}
وهم أهل مدينة سدوم -وهم قوم لوط- لما أخبروا أنَّ في بيت لوط رجالاً مُرْدًا حسانًا وهم الملائكة. {وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ} يغمرهم الفرح والسرور بما سيلقون. الواو هنا لا تفيد ترتيبًا ولا تعقيبًا، {وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ} طمعًا في نَيْل شهوتهم من الضيوف، جاءوا فرحين، بالغنيمة الجديدة، بالصَّيْد الذي أقبل عليهم.
التَّصدي والدفاع عن ضيوفه
{قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ * وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ}
قال لوط عليه السلام لقومه: إنَّ هؤلاء ضيفي، أي: ضيوفي وحقٌّ على الرجل أن يكرم ضيفه، أي: يا جماعة هؤلاء الناس ضيوف عليّ، نازلون في ضيافتي وحمايتي فلا تفضحوني.
{وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ}، يريد أن يُذكِّرهم بالله، يذكِّرهم بالتقوى، يُذكِّرهم بمكارم الأخلاق، ضَيْفٌ على البلد، وعلى سيد البلد لوط، فيأتي القوم يريدون أن يفترسوهم.
تَسَعُّر شهوة الشذوذ عند قوم لوط
{قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ}
قبل هذا نهيناك، وقلنا: لا تستضف أحدًا يمرُّ بهذا البلد، كلُّ مَنْ يمرُّ بهذا البلد هو حقٌّ لنا، ومَتَاعٌ لنا، لماذا تستضيفهم وتحميهم عندك؟
{قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ}
ثم ذكَّرهم بالطريق الفطري الذي أحله الله لقضاء الشهوة المتقدة في نفوسهم: {قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ} [الحجر:71] ما آمركم به، تزوَّجوا من بناتي كما هي الفطرة الطبيعيَّة، كما هي طبيعة الخلق، وكما هي شريعة الخالق.
وفي سورة هود يقول: {هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ} [هود:78].
ما المراد ببنات لوط؟
هل يريد بناتِه من صُلبه؟ أم يريد بنات أهل البلد؟ فجميعُهنَّ يُعْتَبَرْنَ بناته، لأنه يعتبر بمَثَابة الأب لهم، وتعتبر البنات كلُّهنَّ بناته، هذا محتمل، وهذا محتمل.
وهو يقصد أن يتزوَّجوا من النِّساء، ونَسَبَ البنات له لعلَّهم يستحون، كما يقولُ أحدُنا للغضبان: يا أخي اضربني أنا، خُدْ حَقَّكَ منِّي، فيمكن أن يستحيوا أو يخجلوا، ولكن من هم؟ هؤلاء قوم لا تؤثِّر فيهم موعظة، يخاطبهم: {وَاتَّقُوا اللَّهَ}: هل هم يعرفون الله حتى يتقوه؟ إنَّ هؤلاء أصبحوا عبيد الشهوة، الغريزة أصبحت تستعبدهم وتُسَخِّرهم، وليتهم سخَّروها في منفذ طبيعيّ كما يفعل الناس الأسوياء، وذلك بالزواج من الحرائر، ولكن هكذا مَشَوا في هذا الطريق المعوج.
{لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ}
حلف الله سبحانه بعمر النبي -صلي الله عليه وسلم-:
{لَعَمْرُكَ}: قَسَمٌ بالعُمُر بالحياة، هل هذا خطابٌ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم؟ الأكثرون على أنَّه خطابٌ للنبيِّ.
معنى هذا: أنَّ الله حَلَف بحياة محمد، وهذا لونٌ من التشَّريف والتكريم لم يظفر به نبيٌّ غير محمد، أنَّ الله يقسم بحياته.
وبعضُ المفسِّرين يقول: هذا خطابٌ من الملائكة للوط عليه السلام، قالوا له: لعمرك ماذا تقول لهم؟ هؤلاء لا يلتفتونَ إلى الزواج بالبنات ولا بالنِّساء، هؤلاء انتكست فطرتهم.
مصيبة الإدمان
فما استطاعوا تمييز الخطأ من الصواب. يشير إلى مصيبة الإدمان. الإنسان حينما يُدْمن شيئاً ويداوم عليه. يفْقد عقلة.. يفقد رُشْدَه.. يفْقد إرادته.. يفْقد إنسانيَّته، فهؤلاء فقدوا إنسانيَّتهم، فأصبحوا كالأنعام، بل هم أضلُّ من الأنعام سبيلاً، فالبهائم لا تفعل ما يفعل هؤلاء، لا نجد ثوراً يطأ ثوراً، ولا كلبا يطأ كلباً. لا، ثمَّ لا. الكلب لا يطأ إلا كلبة، والثور لا يطأ إلا بقرة، لكن هؤلاء أصبحوا كالبهائم. بل أضل من الأنعام سبيلا.
ثلاث عقوبات نزلت بقوم لوط
الله تعالى أهلك الأُمم المكذِّبة للأنبياء والمرسلين. كل أمة بنوع من أنواع العذاب. أما قوم لوط فقد أهلكهم الله -عزَّ وجل- بثلاثة أنواع من العذاب. كل واحدة منها تكفي لاستئصالهم:
الجزاء من جنس العمل
{فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ * فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا}
وصحب هذه الصيحة. وهذا الصوت الشديد الهائل القاصف. شيءٌ آخر وعقوبةٌ ثانية. وهي: أنَّ جبريل قلع الأرض بهم. ورفعها إلى السماء. ثم أهوى بها مقلوبة نحو الأسفل. قال تعالى: {فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ} [الحجر:74]، جعل الله عاليها سافلها. وسافلها عاليَها. وقلب بلادهم.
قلبوا الفطرة، وارتكسوا وانتكسوا، فعُوقبوا بمثل عملهم. والجزاءُ من جنس العمل، قَلَبَ الله عليهم قريتهم، وجَعَل عاليَها سافلَهَا.
{وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ}
وزاد على ذلك. شيئًا آخر. وعقوبةً ثالثة. وهي: المطر المتتابع بحجارةٍ من طينٍ مشويٍّ مُسْتَحْجِر. حُمِيَ عليه حتى أصبح سجِّيلاً: {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ}.
في هذه السورة: {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ}، وفي سورة هود: {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ} [هود:82]، كلُّ حَجَرٍ مُعلَّمٍ بعلامة خاصَّة ذاهبٌ إلى صاحبه، فأهلكهم الله جميعاً، حاضرهم وغائبهم. إذ تتبعتهم الحجارة ففرَّقتهم وأهلكتهم. وطهَّرت الأرض من فسقهم رجْسهم.
فعُوقبوا بهذه العقوبات الثلاث، ويمكن أن يكون ما وقع لهم بظاهرة كونيَّة، مثل البركان حين ينفجر، لعلَّه بركان يحملُ بعض الإشعاعات الذريَّة، أو نحوها، فأهلكهم الله عز وجل.
أهلك هذه القرية التي كانت تعمل الخبائث، كما قال القرآن: {إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ} [الأنبياء:74]، قرية اسمها سَدُوم وعاموراء، كما جاء في التوراة، قُلبت هذه القرية وانتهت، قُطِعَ دابر أهلها تماماً، عقوبة من الله لهذا الأمر الذي استحدثوه من دون العالمين.
أوصاف قوم لوط -عليه السلام-
في القرآن
القرآن وصفهم بأسوأ ما يُوصف به البشر على لسان سيِّدنا لوط -عليه السلام- قال: {أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ} [الأعراف:80]. {بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ} [الأعراف:81]، {بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} [النمل:55]. {بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ} [الشعراء: 166]. {رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ} [العنكبوت:30].
وصفهم بالجُرم والإفساد والعدوان والفسوق: {الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ} [الأنبياء:74]. {وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ} [العنكبوت:29]، هذا الأمر جعلهم يقطعون السبيل، اشتغلوا قطَّاع طريق، لا ليأخذوا الأموال، ولكن ليستولوا على الرجال والشباب، وليعملوا هذه الخبائث، والذي أغراهم بالملائكة، أنَّهم جاؤوا في صورة حسان الوجوه، فزادهم هذا إصراراً على الشرِّ، فمن أجل ذلك عاقبهم الله على إجرامهم وإفسادهم وفسوقهم وجَهْلهم وإسرافهم بهذه العقوبة الشديدة.
تقنين الشذوذ الجنسي في عصرنا
وللأسف في عصرنا قامت الحضارة الحديثة، الحضارة الغربيَّة التي يُسمِّيها بعضهم الحضارة الكونيَّة، الحضارة التي تسُودُ الكون، وتسودُ العالم، جاءت هذه الحضارة لتعيد من جديد عادة قوم لوط.
قوم لوط جاؤوا بأن يستغني الذكور بالذكور، فلم تكتف بهذا الحضارة الحديثة، بل جاءت باستغناء الإناث بالإناث، زادوا بالطين بلة، والداء علّة، ثم جعلوا هذا أمراً مقنَّناً.
كان قوم لوط أهل قرية من القرى، مهما فعلوا لن يُؤثِّر ذلك في العالم، ولكنَّ الحضارة الغربية حضارة ممتدة واسعة، تُؤثِّر في أميركا، تُؤثِّر في أوروبا، تُؤثِّر في أستراليا، تُؤثِّر على بلاد كثيرة في العالم، جاءت بهذا الشذوذ الجنسي، بل كما ذكرت من قبل، لم يعودوا الآن يُسمُّونه شذوذاً، بل يُسمُّونه مثليَّة، وسموا هؤلاء الشاذين بالمثليين، الذي يستغني الإنسان بمثله، الرجلُ يستغني بالرجل، والمرأةُ تستغني بالمرأة، وسَنُّوا قوانينَ تبيحُ هذا الأمر، وتقرُّه وتعتبره أمراً مباحاً.
وللأسف أقرَّت هذا أيضاً بعض الكنائس النصرانيَّة، وأصبح يوجد في أوروبا وأميركا بعض القساوسة الذين يعلنون في الصُّحف أو يعلنون في التلفزيونات، القس فلان الفلان يعقد عقود الزواج المثليَّة، يذهب القسيس يبارك هذا الزواج المثلي فيكتبه القسيس، انظروا ماذا حَدَث في هذه الحضارة الغربية، وأصبح هؤلاء لهم سلطان، أصبحوا من الجماعات الضاغطة على السياسة، ولهم في الانتخاب في نفوس الرؤساء في أميركا وفي غيرها من البلدان المكانة الكبيرة، فيخطبون ودَّ هؤلاء المثليين، لأنهم أعداد كبيرة، فمن كان في صفِّه أعداد مثل هؤلاء ربما يكون هو الناجح في الانتخابات، هذا ما حَصَل في الحضارة الغربية التي يَتَباهى بها المتباهون، ويفخر بها المتفاخرون.
ومنذ نحو ثلاث سنوات، كنت في مدينة لندن، أرأس اجتماع المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، وكذلك الاجتماع الأول للجمعيَّة التأسيسية الأولى لإنشاء الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، فقامت عليَّ حملة ضخمة كبيرة، تولَّتها الصُّحف والإذاعة والتلفزيون بقنواتها المختلفة، كانت هذه الحملة من أجل أمرين أساسين:
أمر يتعلق بالقضيَّة الفلسطينيَّة: أني أقول بإباحة العمليات الاستشهادية للفلسطينيين، الذين يُذبحون ويُشَرَّدون وتُغْتَصَب أرضهم وَتُقْتَلع زراعاتهم وأشجارهم، ويُفعل بهم ما يفعل، فمن حقِّهم أن يُدَافعوا عن أنفسهم ولو بالعمليات الاستشهادية.
والأمر الآخر هو أنني أقف موقفاً عدوانياً من الشواذّ، كما سألني مندوب التلفزيون البريطاني في أحد برامجه الشهيرة: إنك تقف موقفاً عدوانياً من هؤلاء الشواذ أو المِثْلِيين وهم يمارسون حقَّهم، أصبح هذا من حقوق الإنسان، يمارسون حقَّهم في الاستمتاع، مالكم تقفون ضدَّ هؤلاء؟
موقفي من الشاذِّين جنسياً
وقلت لمندوب التلفزيون الذي سألني: إنني لست وحدي الذي أقفُ من هؤلاء هذا الموقف؟ إنَّ هذا موقف الأديان الكتابيَّة الكبرى، موقف اليهوديَّة والمسيحيَّة والإسلام، موقف التوراة والإنجيل والقرآن، موقف حاخامات اليهود وآباء النصارى وعلماء الإسلام، بل موقف كل فلسفة أخلاقية، ولو أنَّ الناس استجابوا لهذه النزعة الشهوانيَّة لانقرضت البشريَّة بعد جيل أو جيلين؛ لأنَّ البشريَّة لكي تبقى لا بدَّ أن يظلَّ الزواج الفطري الطبيعي الشرعي، الذي يرتبط فيه الذكر بالأنثى، أو ترتبط فيه الأنثى بالرجل، هذا هو الذي يمكن أن يُنْجب أولاداً (أبناء وبنات)، إنما حين يستكفي الرجل بالرجل والمرأة بالمرأة، ستفنى البشريَّة، لو استجاب الناسُ لهذه النَّزْعة سيفنون لا مَحَالة، فللأسف كيف رأينا البشريَّة قد ضلَّت الطريق، وكيف تلوَّث سُلوكُ الناس، وكيف بَعُدت هذه الحضارة عن منهج الأنبياء، عن منهج رُسُل الله عليهم السلام. وقد ذكرت كتب السماء التوراة والإنجيل عمَّا أصاب سَدُوم وعاموراء، قرية لوط وقوم لوط من عذاب الله -عزَّ وجل- ولكن هؤلاء في وادٍ، وكتب السماء في وادٍ آخر، {فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ * فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ}، عند وقت الشروق أصابهم ما أصابهم.
آيات وعبر للمعتبرين
{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ}
في هذه القصَّة آيات وعبر، للمتوسِّمين: أي: المُتفرِّسين، المتوسِّم هو الذي يعرف بالسِّمة، كما يقال: «اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله» ثم قرأ: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ}، وبعضهم قال: المتوسِّمين أي: المُعْتبرين، وبعضهم قال: الناظرين، وبعضهم قال: المتفكِّرين، كلها في معنى واحد متقارب، فالمتوسِّمون الذين لهم عقول يعتبرون بها، لا تمرُّ عليهم هذه القصص وهم غافلون عنها.
لماذا قصَّ الله علينا القصص؟ للتسلية؟ لا: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} [يوسف:111]، {وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ} [هود:120]، في هذه القصص عبرةٌ لمن يعتبر: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ}.
مكان قرية (سدوم)
{وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ}
القرية التي أصابها عذابُ الله -عزَّ وجل- في طريق واضح سهل مُيسَّر للجميع لم يندثر، ما زال ثابتاً باقياً وما زال ظاهراً، كما قال الله في سورة الصَّافَّات: {وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [الصافات:137، 138]، هذه القرى وأنتم ذاهبون إلى الشام من المدينة -في المملكة الأردنية حالياً-، تمرُّون عليها في الطريق، انظروا واعتبروا يا أُولي الأبصار: {وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ}.
ذنب آل لوط في المجتمع المُلوَّث
هذه قصَّة لوط وقومه، الذين سَخروا من لوط، وقالوا: {أَخْرِجُوا آَلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} [النمل:56]، أصبح لوط هو المذنب، هو المُتَّهم بالجريمة، إنه يتطهَّر، الطهارة أصبحت تهمة في هذا المجتمع، إنهم أناس يَتَطهَّرون، وللأسف أصبح المجتمع مجتمع قوم لوط كلهم تقريباً على هذا الحال إلا بيت لوط، كما قال تعالى: {فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [الذاريات:36].
امرأة لوط
حتى امرأة لوط، لم تَفْلت من هذا السُّوء -والعياذ بالله- وهذا من أقدار الله، أن ترى المرأة الكافرة تحت رجل مؤمن، وترى المرأة المؤمنة تحت رجل كافر: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ} [التحريم:10]، أما المرأة الأخرى فهي امرأة فرعون، كانت مؤمنة تحت رجل كافر، {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آَمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [التحريم:11].
آية للمؤمنين
{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ}
هل هي آيةٌ للمتوسِّمين وآية للمؤمنين؟ هذا تأكيدٌ على أنَّ في هذه القصة عبرة، وأنَّ فيها تبصرة، وأنَّ فيها تذكرة، فيها آية للمؤمنين الذين صدَّقوا الله والأنبياء والرسل، كما أنها آيات للمتوسِّمين، هذا توثيق وتأكيد للآية السابقة: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ}.
إرسال شعيب إلى أصحاب الأيْكَة
{وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ * فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ * وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ * وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ * وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ * فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ * فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [سورة الحجر آية: 78-84]
ذكرت السورة قصَّة أخرى بإيجاز، قصَّة أصحاب الأْيكة: {وَإِنْ كَانَ