القرآن برأ المرأة من تهمة شقاء البشرية
باب الريان
26 يوليو 2014 , 09:34ص
الدرس السابع والعشرون
??
??قصة آدم في سورة طه:
??ختمنا سورة طه، وسورة الأنبياء، من سور القرآن المكية، ولنا وقفة فيما ذكرته سورة (طه)، من قصة آدم عليه السلام، وقصة آدم أبي الأنبياء تكررت في القرآن في عدة سور، في سورة البقرة، وفي سورة الأعراف، وفي سورة الحجر، وفي سورة الإسراء، وفي سورة الكهف، وفي سورة طه، وفي سورة ص، هذه على ما أذكر السور التي قصت قصة الإنسان الأول أبي البشرية آدم عليه السلام.
??ولكن تتميز سورة طه بأسلوب خاص في معالجة القصة، إذ كان التركيز فيها على آدم، السور الأخرى كان التركيز على آدم وزوجه، {وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ * فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ} [البقرة: 35-36]، وهكذا وجدنا التركيز في هاتين الآيتين على آدم وزوجه.
??ولكن هنا في سورة طه كان المحور هو آدم عليه السلام، مما يدل على أنه هو الأساس في القصة وأن زوجه كانت تابعة له، حتى إنها لما أكلت من الشجرة أكلت تبعا لزوجها، وهذا يخالف ما ذكرته التوراة من أنها حمَّلتْ حواء قصة شقاء البشرية؛ لأنها هي التي وسوست لآدم أن يأكل من الشجرة، وأغرته بالأكل فاستمع لها وأكل من الشجرة، ولذلك الناس يقولون: المرأة هي سبب شقاء البشرية، هي التي أخرجت الإنسان من الجنة.
??الأمر بخلاف ما يقولون. القرآن يؤكد في كل السور أن الذي وسوس لآدم هو إبليس لعنه الله، هو الذي وسوس لآدم، وأن المرأة أكلت تبعا لآدم، ولم تكن هي البادئة، ولا الموحية، ولا شيئا من ذلك، هنا القرآن يقول: {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى} [طه: 122-121]، فبرأ القرآن هنا المرأة مما اتهمتها به التوراة، وحمَّلها مَن حمَّلها الوزر، وما لاقته البشرية من الشقاء والعناء والحروب وغير ذلك.
??القرآن كما قلنا يوجه الأمر لآدم، حتى أول القصة يقول: {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا} [طه: 115]، فهو الأساس، عهدنا إليه ألا يأكل من الشجرة، يأكل من الجنة ما شاء الله له أن يأكل، {وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا}، هي شجرة واحدة فقط هي التي نهاه الله تعالى عن الأكل منها، ولكن آدم نسي هذا النهي، لم ينتبه له، لم يضعه نصب عينيه، ولا في بؤرة شعوره وذاكرته، نسي، غلب عليه نسيان البشر، وغلب عليه ضعف الإرادة، أمام إغراء الشيطان، لذلك قال الله تعالى: {قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا}.
??
??بين معصية آدم ومعصية إبليس
??
??والإنسان حينما يقع في الخطيئة من أجل نسيان أو خطأ، هذه تعدّ خطيئة صغيرة، بمجرد أن يقول: أستغفر الله وأتوب إلى الله تمحى، إنما الخطيئة الكبيرة والكبرى هي التي تنشأ من إباء وتمرد، من رفض لشرع الله وأمر الله، وهذا شأن إبليس، ولذلك قال بعدها: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى} [طه: 116] يعني: رفض حكم الله، قال: {أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} [الأعراف: 12].
??فرق بين الأمرين، بين أن يقع الإنسان في المعصية نتيجة الضعف البشري، نتيجة نسيان وغفلة عن الأمر ولم يستحضره فوقع في المعصية، وبين من يقول: لا، أنا لا أطيعك، لذلك قال الله تعالى: {أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 34].
??معصية آدم من معاصي الجوارح، معصية البطن، شهوة البطن، حب الأكل، إنما معصية إبليس من معاصي القلوب، وفرق بين معاصي القلوب، ومعاصي الجوارح، وكذلك طاعات القلوب، وطاعات الجوارح.
??ومن أجل ذلك تاب آدم ولم يتب إبليس، آدم قال: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف: 23]، {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [طه: 37]، إنما إبليس عاند، وركب رأسه، ووقف يتحدى الجبروت الإلهي، والكبرياء الإلهي، ويقول: {فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} [ص: 82]، {لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} [الأعراف: 16- 17]، تحدٍ، ولذلك فرق كبير بين من نسي ولم يكن لديه عزم على المعصية، {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا} وبين من أبى واستكبر، {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى}.
??
??هل كان إبليس من الملائكة أم كان من الجن؟
??
??بعض العلماء قال: إنه كان من الملائكة، حتى إن بعضهم قال: كانوا يسمونه طاووس الملائكة، ولذلك لما صدر الأمر للملائكة بالسجود صدر الأمر إليه، ولكن المحققين من العلماء قالوا: لم يكن من الملائكة، ولكن كان من ضمن الملائكة، عايش الملائكة وعاشرهم حتى أصبح واحدًا منهم، كما قال المثل: من عاشر القوم أربعين يومًا صار منهم، وهذا عاش معهم آلاف السنين فأصبح واحدًا منهم، فحينما يصدر الأمر إليهم يصدر إليه.
??ولكن الواقع أنه من الجنّ، ولذلك قال: {خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ} [الأعراف: 12]، والملائكة خلقوا من نور، وهو خلق من نار، قال تعالى: {وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ} [الحجر: 25]، والقرآن قال في سورة الكهف: {إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} [الكهف: 50]، فالأمر واضح.
??ثم إن الملائكة {لَا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6]، فهم مفطورون على الطاعة، {يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ} [الأنبياء: 20]، لكن إبليس أبى واستكبر.
??
??لماذا ربط الله تعالى الشقاء في الأرض بآدم دون حواء؟
??
??{فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى} [طه: 117]، حذَّرنا آدم بعدما تمرّد على السجود له، وأبى أن يطيع أمر الله في تكريم آدم والسجود له، تكريما وتشريفا كما أراد الله، حذرنا من هذا العدو المتربص به وبذريته، {فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى}، احذر هذا العدو، لأنه لك بالمرصاد، {فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى}.
??لماذا لم يقل فتشقيان؟ بعض العلماء قال: لأن الشقاء معصوب برأس الرجل، الذي يسعى ويكدح ويتعب هو الرجل، والبعض يريد أن يأخذ من هذا أن المرأة لا تعمل، وهذا في الحقيقة تكلُّف في الاستدلال، لأن قد يكون هذا من باب الاكتفاء، {فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى}، يعني فتشقى أنت وزوجتك، طالما خرجتما من الجنة فقد خرجتما من دار الرفاهية والراحة، ولذلك لما قال له: {إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى * وأنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى} [طه: 118-119]، هل هذا له فقط؟ طبعا لا، بل المرأة أيضا الشيء نفسه، كلاهما سيتعرّض لذلك.
??{فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى}، فاحذر أن يتسبّب في إخراجكما من الجنة فتشقى أنت وتشقى زوجتك بشقائك فاحترس أن تخرج من الدنيا فتكدح وتعمل.
??
??في الجنة جميع الحاجات مضمونة
??
??إن لك في الجنة أن لا يخلو باطنك ولا ظاهرك مما يحفظه، ولا يتعرض باطنك لحرارة العطش، ولا ظاهرك لحرارة الشمس. فكل المطالب والحاجات في الجنة متوافرة من المأكل: {إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا}. والملبس: {وَلَا تَعْرَى} والمشرب: {لَا تَظْمَأُ فِيهَا}. والمأوى: {وَلَا تَضْحَى}، أي: لا تتعرض لضحوة الشمس وحرارتها، لأن عندك غرفاً، وعندك ظلال وارفة تستظل فيها، والجنة {أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا} [الرعد: 35].
??هناك خلاف حول الجنة التي كان فيها آدم وزوجه، هل هذه الجنة التي كان فيها هي جنة المأوى التي أعدها الله للمتقين؟ أم هي جنة بمعنى حديقة عظيمة، فيها من الخيرات ما فيها، مثل: {إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ} [القلم: 17]، {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ} [الكهف: 32]، يعني جنة حديقة عامرة مليئة بالفواكه وكل شيء؟ هذا محتمل، ولكن لا يترتب عليه حكم على كل حال.
??
??الإنسان وغريزة حب الخلود
??
??{فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى} [طه: 117-120]، هناك شجرة لو أكلتَ منها ستَخْلُد، وتكون من الخالدين، ولا يعتريك موت، والإنسان عنده غريزة حب الخلود، أن يبقى ويعيش، هذه غريزة كامنة في الإنسان، إبليس استغل هذه الغريزة عند آدم، وقال له: {هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى}.
??لذلك كثير من الناس الآن يحاولون البحث عن أمور تؤخر الشيخوخة ما أمكن حتى تطول أعمارهم، هذه طبيعة البشر.
??ظلّ إبليس وراء آدم وحواء ودلهما بغرور، وما زال يغريهما بالحلف والترغيب حتى أسقطهما في المعصية، {وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ} [الأعراف: 21]، حلف إبليس بالأيمان. وآدم من طيبته صدَّق إبليس، ما ظنّ أنه سيحلف بالله كاذبا، كما في المثل: قالوا للحرامي: احلف. قال: جاءك الفرج، يحلف وما يهمه شيء، المهم ظلَّ يغريه حتى أكل من الشجرة.
??{فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ} [طه: 121]، أكل آدم وتبعته زوجته حواء من الشجرة، فظهرت لهما عوراتهما وشرعا يغطيانها من ورق الجنة.
??أقول: إن حواء كان عندها ذوق، لم ترض أن يأكل زوجها وهي لا تشاركه، أكلت معه لتفتح له شهيته، {فَأَكَلَا مِنْهَا}، أكل وأكلتْ معه، تبعا له، {فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ} [طه: 121]، بدأت تنكشف العورة، كأن الأكل هذا أظهر الآدمية مباشرةً، وانكشفت العورات، ورأيا ما يسوءهما انكشافه.
??نسبة المعصية لآدم
??
??{وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى} [طه: 121-122]، {وَعَصَى آدَمُ}، وعصى آدم ربَّه بسبب طاعته لإبليس وابتعد عن الصواب. نسب المعصية لآدم لأنه هو الأساس والمرأة أكلت تبعا له، {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى}، ثم بعدما أسرع آدم إلى الندم والتوبة قرّبه ربه إلى رضاه وتاب عليه وهداه إلى الصواب.
??الإنسان فيه ضعف، ولذلك ليس عجيبا أن يقع في المعصية، لأنه ليس مثل الملائكة، الملائكة مفطورة على الطاعة، أما الإنسان فلا، {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} [الشمس:8]، لكن ربنا أعطاه هذه الممْحاة، يمحى بها هذه المعصية، يغسل بها نفسه من الخطيئة، وهي التوبة، {فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى}، {قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف: 32]، {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 37].
??
??إبطال مزاعم النصارى
??
??ولذلك لا مجال لما يقوله النصارى: من أن خطيئة آدم ورثتها ذريّته، وأن كل مولود يولد وفي عنقه خطيئة أبيه آدم، هذا في المنطق الإسلامي مرفوض، مرفوض لأمرين أساسيين، الأمر الأول: أن أحدا لا يحمل خطيئة أحد، {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الزمر: 7]، {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} [المدثر: 38]، {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} [البقرة: 286]، {وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164]، كل إنسان مُعلق من عرقوبه كما يقولون، فكيف يحمل الإنسان وزراً لم يره، ولم يشاهده ولم يحضره، لا هو ولا أبوه ولا جده ولا جد جده، آلاف السنين الله أعلم بها، عشرات الآلاف، مئات الآلاف، لا ندري، ما عندنا هذا.
??التوراة تحاول أن تجعل الأيام من آدم أياما معدودة كأنها سبعة آلاف سنه أو كذا، ليس عندنا كلام من هذا، ويقولون: آدم كان ستين ذراعا، وظلت الخليقة تنقص وتنقص حتى صارت كم مليون سنة، ما نعرف الله أعلم، المهم كيف يحمل الإنسان وزر هذه الخطيئة القديمة جدا، هل العدالة الإلهية تقبل هذا! الله العدل لا يمكن أن يحمل البشر خطيئة لا يد لهم فيها، ولا شاركوا فيها لا من قريب ولا من بعيد، ولا حضروها، ولا رأوها، فهذا مستحيل.
??الأمر الثاني: لو فُرض أن الخطيئة هذه خطيئة، فقد انتهت، انتهت بتوبة آدم، وهذه خطيئة صغيرة، شخص أكل من الشجرة، فليست من الخطايا الكبرى، فقد انتهت على كل حال بالتوبة، {ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى}، ثم هبط آدم من الجنة هو وزوجه، وبيَّن لهما ربُّنا الطريق والمنهج الذي يجب أن يسيرا عليه، هما وذريتهما من بعدهما.
??
??السعادة في الدنيا والآخرة في اتباع
??هدى الله
??
??{قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى} [طه: 123]، اهبطا منها، من جنة الراحة إلى أرض الشقاء حال كون كلٍّ منكما عدوا للآخر.
??اخضعوا لسنني في الأرض، ولكن هناك منهج أنتما ملزمان به، حينما يأتيكم هدى من الله، عن طريق أنبيائي ورسلي، {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى} من اتبع هدى الله فلا يمكن أن يضل في فكره، ولا يشقى في حياته، فهو مستقيم الفكر، مستقيم السلوك، سعيد في حياته، بعيد عن الشقاء، لأن منهج الله ليس من ورائه إلا السعادة في الدنيا قبل الآخرة.
??وليست السعادة في الآخرة فقط، بل حتى في الدنيا أيضا، يسعد ويحيا الحياة الطيبة، كما قال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} [النحل: 97]، {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} [الأعراف: 96]، {وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [الطلاق: 2-3]، {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا} [الجن: 16]، {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ} [المائدة: 66].
??{فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى} من اتبع هدى الله لا يضل ولا يشقى، بل يهتدي ويسعد.
??
??عاقبة المعرضين عن الهداية
??
??{وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} [طه: 124]، من أعرض عن هذا الهُدى الإلهي، عن المنهج الرباني، واتَّبع الهوى، واتَّخذ الشياطين أولياء من دون الله، لن يكون من وراء ذلك إلا الشقاء في الدنيا والآخرة، في الدنيا المعيشة الضنك، القلق النفسي والخوف: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا}، معيشة ضيقة، تضيق عليه الأرض بما رحبت، حتى وإن كان يملك المال، والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة، والخيل المسوَّمة، والحرْث، حتى مع هذا لن يكون سعيدا، لأن السعادة أول ما تنبع، تنبع من النفس، وهذا لا يمكن أن تثمر نفسه إلا شقاء.
??نرى الآن الناس في بلاد الغرب وفي أميركا التي تملك من القوى العلمية والتكنولوجية ما تملك، وقد استطاع الإنسان أن يصل إلى القمر، وأن يغزو المريخ وغير ذلك، ولكنه لم يستطع أن يسعد على سطح الأرض، يعيشون عصر القلق والاكتئاب، والهموم، والغموم، واليأس، هؤلاء ليسوا سعداء، لأنهم أعرضوا عن ذكر الله، قد يكون الإنسان فقيرا لا يملك إلا قوت يومه ولكنه سعيد، النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «مَنْ أَصْبَحَ آمِنًا فِي سِرْبِهِ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا بحَذَافَيرَهَا»، فالله تعالى بقسطه وعدله جعل الرَّوْح والفرح والراحة النفسية في الرضا واليقين، وجعل الهمَّ والغم والحَزَن في السخط والشك.
??فهؤلاء الذين أعرضوا عن ذكر ربهم أشقياء وإن ملكوا ما ملكوا، {قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى} [طه: 125- 126]، كما نسيت آياتي وتركتها وأعرضت عنها، نتركك الآن وليس لك أي اعتبار في الآخرة، {وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى} [طه: 127]. ومثل ذلك الجزاء الموافق للجناية نجزي كل من أسرف في الشهوات وأعرض عن آيات ربه.
??نسأل الله أن يهدينا صراطه المستقيم، وأن يهدينا بهداه، وأن يرزقنا الحياة الطيبة، فلا نضل ولا نشقى، إنه سميع قريب. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً.