بدر الهدى: الصلاة مفزع التائبين ونور المتعبدين
قطر اليوم
26 يوليو 2014 , 07:19ص
وتابع : أما في رمضان فكان يجتهد فيه ما لا يجتهد في غيره فإذا دخلت العشر الأواخر أحيا ليله وأيقظ أهله وشد المئزر. رواه البخاري ،(من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه) رواه البخاري، مبيناً أن ربنا ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل، فيقول: أنا الملك من الذي يدعوني فأستجب له؟ من الذي يسألني فأعطيه، من الذي يستغفرني فأغفر له) رواه البخاري، وفي حديث عمرو بن عبسة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل الآخر فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن) الترمذي، بل (إن في الليل ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله شيئا إلا أعطاه الله إياه وذلك كل ليلة) رواه مسلم.
وبين أن لصلاة الليل عند الصالحين أسرارها وللأذكار في نفوسهم حلاوتها، وللمناجاة عندهم لذتها، يقول أبوسليمان الداراني رحمه الله: (أهل الليل في ليلهم ألذ من أهل اللهو في لهوهم، ولولا الليل لما أحببت البقاء في الدنيا، ولما حضرت بن عمر رضي الله عنهما الوفاة قال: (ما آسى على شيء من الدنيا إلا عن ظمأ الهواجر ومكابدة الليل) بن سعد. وقيام الليل انقطاع عن صخب الحياة واتصال بالكريم الأكرم جل وعلا وتلقي فيوضه ومنحه، والأنس به والتعرض لنفحاته والخلوة إليه. ولهذا قال قتادة رحمه الله: (ما سهر الليل بالطاعة منافق).
وأردف: عباد لله الصالحون (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ - فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) السجدة 16-17.
وأشار بدر الهدى إلى المؤمنين ، بالقول: لقد تعددت مقاصدهم واختلفت مطالبهم وتنوعت غاياتهم والليل هو منهلهم وموردهم (قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ) البقرة60، فهذا محب يتنعم بالمناجاة، وذلك محسن يزداد في الدرجات ويسارع في الخيرات ويجد في المنافسات وآخر خائف يتضرع في طلب العفو ويبكي على الخطيئة والذنب وراج يلح في سؤاله ويصر على مطلوبه، وعاص مقصر يطلب النجاة ويعتذر عن التقصير وسوء العمل، كلهم يدعون ربهم ويرجونه خوفا وطمعا فأنعم عليهم مولاهم فأعطاهم واستخلصهم واصطفاهم وقليل ما هم اكتفوا من الليل بسير النوم مشتغلين بالصلاة والقرآن، والذكر والصوم تلكم هي همم القوم وتأملوا هذه الآيات العظيمة (وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً)الإنسان26-27، الليل ميدان ذوي الهمم العالية من أصحاب العبادات والدعوات، هو الزاد الصالح لرحلة الحياة، أما الذين يحبون العاجلة فصغار الهمم صغيرو المطالب يغرقون في العاجلة (وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً) وفي هذا يقول بعض السلف: (كيف يرجو النجاة من سوء الحساب من ينام الليل ويلهو بالنهار).
وذكر أنه بضعف النفوس عن قيام الليل تقسو القلوب وتجف الدموع وتستحكم الغفلة، ذكر رجل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقيل: ما زال نائما حتى أصبح ، قال صلى الله عليه وسلم: (ذاك رجل بال الشيطان في أذنه) متفق عليه، وإذا أظلم الليل نامت قلوب الغافلين وماتت أرواح اللاهين من لم يكن له ورد من الليل فقد فرط في حق نفسه تفريطا كبيرا وأهمل إهمالا عظيما أي حرمان أعظم ممن تهيأ مناجاة مولاه والخلوة به ثم لا يبادر ولا يبالي، ما منعه إلا التهاون والكسل، وما حرمه إلا النوم وضعف الهمة، ناهيك بأقوام يسهرون على ما حرم الله ويقطعون ليلهم في معاصي الله ويهلكون ساعاتهم بانتهاك حرمات الله، فشتان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، لقد عشتم حتى رأيتم أجيالا من المسلمين تقطع ليلها فتسهر على العبث واللهو في قنوات ماجنة وغناء ساقط، وتمتع هابط، لماذا تشكو بعض البيوت من ضعف الهمم عن قيام الليل، وتخلو منازل من المتهجدين المتعبدين؟ قيل لابن مسعود رضي الله عنه: ما نستطيع قيام الليل! قال: (أقعدتكم ذنوبكم). وقال رجل لأحد الصالحين: لا أستطيع قيام الليل فصف لي في ذلك دواء فقال:(لا تعصه بالنهار وهو يقيمك بين يديه في الليل)، فاجتهد -حفظك الله- أن تصلي ما تيسر من الليل اجتهد أن تصلي التراويح وصل ما تيسر من الليل والقليل من صلاة الليل كثير واصبر على ذلك وداوم عليه فبالصبر والمداومة والإخلاص تنال من ربك التثبيت والمعونة، واعلم أن دقائق الليل غالية ولا ترخصها بالغفلة والتواني والتسويف، ومن أرخص الدقائق الغالية ثقلت عليه المغارم وضاقت عليه المسالك وكان أمره فرطاً، ولا تنس - حفظك الله- أهلك فأيقظهم لا ليلتفوا حول مسلسل هابط أو منظر خالع ولكن ليقفوا بين يدي خالقهم تائبين منيبين يغسلون خطيئاتهم بدموع نادمة وقلوب باكية لعلها أن تمحو الذنوب، ففي الحديث:(رحم الله رجلا قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته فصلت فإن أبت نضح في وجهها الماء، ورحمت امرأة قامت من الليل فصلت ثم أيقظت زوجها فإن أبى نضحت في وجهه الماء) أخرجه أحمد.
وبين أن وقت صلاة الليل ممتد من بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر، ومن كل الليل صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم واستقر ورده في السحر(أحب الصلاة إلى الله صلاة داود كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه) رواه البخاري. وفي المأثور من أحوال السلف منهم من يصلي الليل كله ومنهم من يصلي نصفه، ومنهم ثلثه، ومنهم خمسه، ومنهم سدسه، ومنهم من يصلي ركعات معدودات و(من أيقظ أهله وصليا ركعتين كتبا من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات) أبوداود).
ومن الآداب التي ينبغي رعايتها في صلاة الليل وقيامه أن يصلي ما كتب له مثنى يسلم بعد كل ركعتين ويستحب أن يطيل القراءة والركوع والسجود، ويقرأ ويتدبر ويجتهد في الذكر والدعاء ويكثر ولا يشق على نفسه، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (عليكم بما تطيقون فوالله لا يمل الله حتى تملوا).
وختم بدر الهدى حديثه، بأن مما يحث الهمة ويبعث القوة أن تعلم أنك في أيام فاضلة وأوقات شريفة في شهر مبارك، المغبون من فرط فيه، والخاسر من لم ينافس فيه، هو ميدان التسابق لقيام الليل وساحات التنافس للركع السجود، هذه الأيام من أرجى الأيام فليست قيمة الأيام بساعاتها ولا قدر الليالي بطولها وعددها فإن قيمة الأوقات بما تحمله من خير للبشر وسعادة للنفوس.نصح الداعية الإسلامي محمد بدر الهدى، المؤمنين بتقوى الله والتوبة من الذنوب والاستغفار في حال الخطأ، مشيراً إلى أن قيام الليل هو دأب الصالحين، حيث قال وهب بن منبه رحمه الله : «قيام الليل يشرف به الوضيع ويعز به الذليل وصيام النهار يقطع عن صاحبه الشهوات فليس للمؤمن راحة دون الجنة»، كما قال ابن عباس رضي الله عنهما:» من أحب أن يهون الله عليه طول الوقوف يوم القيامة فليره الله في ظلمة الله ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه».
وقال بدر الهدى، خلال محاضرة في برنامج «الوعظ في موائد الرحمن» للجاليات الناطقة بغير العربية بمركز عبدالله بن زيد آل محمود الثقافي الإسلامي : إن مناسبة الزمان الشريف الذي يعيشه المسلمون اليوم هذه الأيام تستدعي الحديث عن أهم العبادات في الإسلام ، وأعظمها اتصالا بالله سبحانه وتعالى، تلكم هي العبادة التي يفزع إليها نبينا صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر، وقرة عينه إذا ضاقت عليه المسالك، وهي الصلاة عمود الإسلام، وهي بإذن الله مفزع التائبين وملجأ الخائفين، ونور المتعبدين، وبضاعة المتاجرين، تجلو صدأ القلوب بأنوارها ، وتزيل حجب الغفلات بأذكارها، وتنير الوجوه بأسرارها وآثارها، ومن كان أقوى إيمانا كان أحسن صلاة، وأطول قنوتا، وأعظم يقينا، مبيناً أن «كل بن آدم خطاء، ولا عصمة له من الخطأ، ولكن الخير كل الخير فيمن إذا أخطأ تاب وأناب واستغفر».
وأضاف بدر الهدى : «تأتي صلاة الليل والتهجد في الأسحار ليتجلي هذا الاتصال بالله العلي الأعلى، في صورة من التعبد بهية بهيجة، فقد صح في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أفضل الصلاة بعد الصلاة المفروضة صلاة الليل) أخرجه مسلم.
ولقد حكى الإجماع على ذلك غير واحد من أهل العلم والقدوة الأولى والأسوة العظمى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم كان يقوم من الليل حتى تفطرت قدماه الشريفتان (مخرج في الصحيحين).