باب الريان
26 يوليو 2013 , 12:00ص
? الشيخ رضا أحمد تمام السمان
نتكلم اليوم إن شاء الله تعالى عن الإعجاز الصوتي في القرآن، فالمولى عز وجل أودع في كتابه غرر البلاغة ودرر البيان، تحدى بعه قوما ملكوا ناصية الفصاحة وفنون الكلام، فبهرتهم حركاته وسكناته وسلاسة ألفاظه وإحكام أساليبه حتى قال أحدهم (والله إن للقول الذي يقول لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإنه لمثمر أعلاه مغدق أسفله وإنه ليعلو ولا يعلى عليه وإنه ليحطم ما تحته). قراءته لا تزيد القارئ إلا حلاوة، وترديده لا يزيد التالي له إلا محبة، ولا يزال غضا طريا وبحرا زاخرا باللؤلؤ والدرر. رحب المدى عميق الأغوار مهما قرأه المسلم وأعاده فسيظفر في كل مرة منه بعجائب من عجائبه التي لا تنقضي. فالصوت القرآني قد وجد حظه من الاهتمام متمثلا في هذا التراث الضخم من مؤلفات علم التجويد، فهناك علاقة بين الإظهار في علم التجويد والمعنى. قال الله تعالى حاكيا ما قاله رسله لأقوامهم كل على حدة (يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره)، فالإظهار في موضعين: الأول نون ساكنة بعدها همز في (من إله)، والثاني تنوين بعده غين في (إله غيره)، ومعنى (ما لكم من إله غيره)، أي ليس لكم رب سواه، والجملة بيان للعبادة التي أمرهم بها، أي أفردوه بالعبادة دون غيره، إذ ليس غيره لكم بإله، فمعنى الآية واضح كل الوضوح بيّن كل البيان، فكل ما في الكون يدل بجلاء على أنه ليس له إله غيره سبحانه. قال سبحانه على لسان نوح عليه السلام لقومه: (إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم)، فالإظهار في موضعين ميم ساكنة بعدها عين في (عليكم عذاب)، وتنوين بعده عين في (يوم عظيم)، ومعنى الآية: إعلان نوح عليه السلام لقومه أنه يخاف عليهم عذاب القيامة أو يوم الطوفان، وهذا الأمر واضح ظاهر، فإن كان اليوم يوم الطوفان فهو ظاهر، وإن كان المقصود يوم القيامة فعظم ذلك اليوم أشد وضوحا.
وهناك علاقة بين الإدغام والمعنى، فمعنى الإدغام هو إدخال الشيء في الشيء، ومنه قوله تعالى في قول قوم نوح لنوح عليه السلام (إنا لنراك في ضلال مبين)، الإدغام في موضع واحد هو التنوين بعده ميم في (ضلال مبين)، ومعنى الآية أنهم أدخلوا نوحا عليه السلام في الضلال، وأن هذا الضلال متمكن منه، وزاد حرف (في) الذي يفيد الظرفية، والمعنى الإحاطة، فهي مجازية تعبيرا عن تمكن وصف الضلال منه حتى كأنه محيط به من جوانبه إحاطة الظرف بالمظروف. وكذلك قول نوح عليه السلام رادا على قومه (يا قوم ليس بي ضلالة ولكني رسول من رب العالمين)، الإدغام في تنوين بعده واو في (ضلالة ولكني)، وتنوين بعده ميم في (رسول من)، ونون ساكنة بعدها راء في (من رب)، فالاستدراك لتأكيد نفي الضلالة لأن كونه رسولا من الله مبلغا لرسالته في معنى كونه على الصراط المستقيم، فكان الغاية القصوى من الهدى، فهناك تداخل في معنى الجملتين مع بعضهما لإفادة أنه رسول من الله، فكونه ليس به ضلالة فهو رسول، وكونه رسول إذا ليس به ضلالة، فهو تداخل للمعنى يتناسب معه الإدغام. أما في (رسول من رب العالمين)، فاختيار طريق الإضافة في تعريف المرسل لما توحي به من تفخيم المضاف من وجوب طاعته على جميع الناس تعريضا بقوله إذا عصوه، فهذا الإدغام أدخل طاعة الرسول في طاعة الله لأن من أطاع الرسول فقد أطاع الله ومن عصى الرسول فقد عصى الله.
? شيخ القراءات والإجازات بمركز عبدالله عبدالغني
سند في القراءات العشر وسند في السنة الشريفة