العلاقات الدولية في حالة السلم والحرب

alarab
باب الريان 26 يوليو 2013 , 12:00ص
? د. علي محيي الدين القرة داغي
أولاً: في حالة السلم يحرص الإسلام كل الحرص على الحفاظ على الأمن والأمان والسلام، وعلى العهود والمواثيق التي تمت بين دولة الإسلام، أو المسلمين، وبين غيرهم دولاً وأفراداً، فجاءت مجموعة من النصوص الصريحة تأمر بالوفاء بالعهود والعقود والمواثيق، قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود)، وقال تعالى: (وأوفوا بالعهد إن العهد كان عنه مسؤولاً)، وجعل الوفاء بالعهود والمواثيق من صفات المؤمنين، ونقضها من صفات الكفرة والمنافقين، قال تعالى في وصف المؤمنين المصلحين: (والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون)، بل إن القرآن الكريم لا يجيز للدولة المسلمة نقض العهد مع دولة غير إسلامية بينها عهود ومواثيق ما دامت لم تنقض عهدها. وقد تضمنت الآيات العشرون (55–75) من سورة الأنفال التي هي من أواخر السور التي نزلت على الرسول الكريم صورة واضحة للعلاقات الخارجية بين الدولة المسلمة وما حولها من الدول والطوائف والمعسكرات، حيث تقرر إمكان إقامة عهود تعايش بين المعسكرات المختلفة ما أمكن أن تصان هذه العهود من النكث بها مع إعطاء هذه العهود الاحترام الكامل والجدية الحقيقة، وذلك من خلال المفاهيم الآتية: 1 - وجوب صون العهود والمواثيق من النقض والنكوث، حيث سمى الناكثين بشر الدواب، وأن شرّ الدواب هم الذين نقضوا عهودهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. 2 - وأن الدولة المسلمة التي لها عهد مع أناس آخرين إذا خافت من خيانتهم فإنها تنبذ إليهم عهدهم، وتخبرهم بذلك، ولا تخونهم، لأن الله تعالى لا يحب الخائنين، فالإسلام يريد من العهد الصيانة، ومن العقد الحفاظ عليه، ومن المواثيق الالتزام بها، فإذا وجد المقابل لا يحافظ على عهد، ولا يفي بعقده بل من طبعه الخيانة والمكر، فإن المسلمين لا يجوز لهم أن يقابلوا خيانتهم بخيانة، ونقضهم بنقض، بل يصارحونهم، ولذلك يرتفع الإسلام بالبشرية إلى آفاق من الشرف والاستقامة، ويرتقي بهم إلى آفاق الأمن والطمأنينة والاستقرار، وعدم الخوف من الإغارة والخيانة. 3 - ضرورة إعداد القوة حتى لا يطمع الأعداء في الدولة الإسلامية، وهذه تسمى في الوقت الحاضر نظرية القوة الرادعة. 4 - وأنهم إذا جنحوا للسلم فعلى الدولة الإسلامية أن تختار خيار السلام مع التوكل على الله: (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم). وقد شدد القرآن الكريم في ضرورة الأخذ بالسلام العادل والجنوح له حتى ولو مع الخوف من الخيانة، قال تعالى: (وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين). 5 - ضرورة توفير الهيبة لهذا الدين، والإرادة القوية، والاستعداد الدائم المستمر لحماية الأمة، لا للاعتداء لأن الله لا يحب المعتدين. 6 - ضرورة التأكيد على مبدأ الموالاة في مقابل موالاة الكافرين بعضهم لبعض، فلا ينبغي للأمة المسلمة أن تبقى متفرقة ممزقة، وعدوها متحد يرميها من قوس واحدة، وأن الفتنة كل الفتنة هي أن لا يستوعب المسلمون قضية الولاء (إلاّ تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير). 7 - هؤلاء الذين لا يستطيع أحد أن يطمئن إلى عهدهم وجوارهم وشرورهم، جزاؤهم تخويفهم، والضرب على أيديهم بشدة حتى يتركوا هذا الصنيع الفاحش. 8 - وجوب قيام العلاقات على الصراحة وحماية العهود والمواثيق، ونبذ الخيانة، والميكافيلية، يقول سيد قطب: (إن الإسلام يريد للبشرية أن ترتفع، ويريد للبشرية أن تعف، فلا تبيح الغدر في سبيل الغلب، وهو يكافح لأسمى الغايات وأشرف المقاصد، ولا يسمح للغاية الشريفة أن تستخدم الوسيلة الخسيسة، إن الإسلام يكره الخيانة، ويحتقر الخائنين الذين ينقضون العهود، ومن ثم لا يحب للمسلمين أن يخونوا أمانة العهد في سبيل غاية مهما تكن شريفة، إن النفس الإنسانية وحدة لا تتجزأ، ومتى استحلت لنفسها وسيلة خسيسة فلا يمكن أن تظل محافظة على غاية شريفة، وليس مسلماً كاملاً من يبرر الوسيلة بالغاية، فهذا المبدأ غريب على الحس الإسلامي والحساسية الإسلامية). 9 - من دلائل حفاظ المسلمين على عهودهم مع غيرهم أن بعض المسلمين الذين لم ينضموا إلى الدولة الإسلامية لو استنصروا بها في الدين فعليها النصرة، على شرط ألا يخل هذا بعهد من عهود المسلمين مع المعسكر الآخر حتى ولو كان هذا المعسكر معتدياً على أولئك الأفراد في دينهم وعقيدتهم، قال تعالى: (وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلاّ على قوم بينكم وبينهم ميثاق). في حالة الحرب: من المعلوم أن الحرب المشروعة في الإسلام هي الجهاد في سبيل الله، وهو لأجل إعلاء كلمة الله، وليس لأجل أي غرض دنيوي، ولذلك فهو ديني أخلاقي في نظر الإسلام، وهو في حقيقته دفاع -بمعناه الواسع- عن الدين، والوطن، وإذا حدث فقد وضع الإسلام قواعد عملية كثيرة تخفف من آثاره وتحدد بإنصاف ما يقتضيه الموقف الدفاعي البحت، فنهى عن قتل المرأة، والراهب في معبده، والفلاح في مزرعته، قال تعالى: (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم) ونهى عن الاعتداء حتى في حالة الحرب وأثناء الحرب فقال تعالى: (ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين)، وذلك من خلال الإجراءات الآتية: 1 - تصديق من يعلن إسلامه ولو كان في ساحة القتال وهو منهزم وقد قتل من المسلمين، حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله وأن محمداً رسول الله، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلاّ بحق الإيمان، وحسابهم على الله)، وقد قال تعالى: (ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً تبتغون عرضاً من الحياة الدنيا)، وبقبول المقاتل مسلماً يعصم دماء ذريته الصغار أيضاً. 2 - عدم جواز قتل الرسل والرهائن مهما كانت طبيعة الدولة التي أرسلتهم، فقد روى الحاكم وصححه، وأبو داود بسندهما عن نعيم بن مسعود قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لرسوليْ مسيلمة حين قرأ كتاب مسيلمة: ما تقولان أنتما؟ قالا نقول كما قال، فقال صلى الله عليه وسلم: (لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما). 3 - عدم قتل النساء والأطفال وكبار السن والرهبان والفلاحين والعمال والحراثين، ونحوهم ممن لم يشاركوا في القتال، قال تعالى: (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا). وقد ترجم الإمام مسلم في صحيحه: باب تحريم قتل النساء والصبيان في الحرب، ثم روى بسنده عن عبدالله أن امرأة وجدت في بعض مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم مقتولة فأنكر صلى الله عليه وسلم قتل النساء والصبيان. وروى أبو داود بسنده أن رسول الله قال: (لا تقتلوا فانياً ولا طفلاً صغيراً)، وروى أحمد بسنده عن ابن عباس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعث جيوشه قال: (اخرجوا بسم الله.. ولا تقتلوا الولدان ولا أصحاب الصوامع)، وجاء في وصية أبي بكر ليزيد بن أبي سفيان: (إنك ستجد قوماً حبسوا أنفسهم لله تعالى فذرهم وما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم له)، وروى ابن ماجه بسنده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تقتلوا ذرية ولا عسيفاً) أي أجيراً. 4 - كراهة قتل الوالدين وذوي الأرحام إلاّ في حالة الضرورة أو الحاجة وهذا رأي الحنفية والشافعية والزيدية وذلك للأدلة المعتبرة، أما الوالدان فلقوله تعالى: (وصاحبهما في الدنيا معروفا) وذكر الإمام محمد بن حسن الشيباني في كتابه العظيم أن (حنظلة بن أبي عامر وعبدالله بن عبدالله بن أبي سلول استأذنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتل أبويهما فنهاهما)، ثم ذكر بعض روايات قتل الابن أباه في الحرب وسكت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، مما يدل على أن الابن لا يقصد قتل أبيه، ولكن إذا اقتضته الضرورة، أو الحاجة فلا يأثم بقتله.