لا يجوز للمسلم أن يعبس في وجه فقير معرضاً عنه لغني
باب الريان
26 يوليو 2012 , 12:00ص
حلقات يعدها للنشر : محمد صبره
تنفرد «العرب» بنشر تفسير (جزء عم) آخر ما كتبه العلامة د. يوسف القرضاوي حول معاني القرآن الكريم. ونسبح طوال الشهر الكريم مع بيان معاني ودلالات الجزء الثلاثين من كلام رب العالمين.
التفسير الذي نقدمه لقرائنا حصرياً لم ينشر ولم يذع من قبل، ويأتي استكمالاً لانفرادنا في العام الماضي بنشر تفسير القرضاوي لسورتي إبراهيم والحجر.
وتم الاتفاق مع فضيلته على نشر التفسير طوال شهر رمضان القادم. ويتميز التفسير -الذي ينشر لأول مرة- بالموسوعية والعصرية في شرح آيات القرآن، حيث يوضح المعاني ودلالاتها والعبر والعظات والأحكام المستفادة منها، بأسلوب سهل مبسط.
ويبدأ فضيلته في هذه الحلقات بتفسير سورة «النبأ» ثم «النازعات» و»عبس»، ويستكمل تفسير باقي سور الجزء الثلاثين حتى سورة «الناس» آخر سور المصحف الشريف في الترتيب.
سورة عبس
بسم الله الرحمن الرحيم
{عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى * أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى * وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى * فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى * كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ * فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ * مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ * قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ * كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ * فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا * مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ * فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ * يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ * أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ}
{عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى}
سبب النزول:
السورة مكية بالإجماع.
وقد ذكر غير واحد من مفسري السلف: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان يخاطب بعض عظماء قريش، وقيل: إنهم أكثر من واحد، وقد طمع في إسلامه، ولعل بإسلامه يسلم آخرون، فبينما هو يخاطبه، ويعرض عليه دعوته ويناجيه، إذ أقبل ابن أم مكتوم، وكان ممن أسلم قديما، وله حظوة عند رسول الله، فجعل يسأل الرسول عن شيء ويلح عليه أن يجيبه، وود النبي صلى الله عليه وسلم أن يكف ساعته تلك، ليتمكن من مخاطبة ذلك الرجل المشرك، طمعا ورغبة في هدايته، وعبس في وجه ابن أم مكتوم، وأعرض عنه، وأقبل على الآخر، فأنزل الله تعالى ما أنزل في هذه السورة الكريمة، التي تعاتب رسوله الكريم بكل صراحة، بادئة بقوله تعالى:{عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى}.
والعبوس: تقطيب الوجه واربداده عند كراهية أمر، والتولي: الإعراض.
والعابس والمتولي هنا هو الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، ذكره الله تعالى بصيغة الغائب، ولم يذكره بصيغة المخاطب فيقول له: عبست وتوليت، رفقا به وتعظيما له، وحفاظا عليه، وإن كان بعض المفسرين اعتبر ذلك مبالغة في العتب؛ لأن في ذلك بعض الإعراض.
وقالت عائشة رضي الله عنها، لو كان محمد صلى الله عليه وسلم، كاتما شيئا من آيات ربه، التي أنزلت عليه، لكتم هذه الآيات: {عَبَسَ وَتَوَلَّى...}، {لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ...} [التحريم:1]، {وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ} [الأحزاب:37]».
وقد روي عن سفيان الثوري أنه قال: «كان النبي بعد ذلك إذا رأى ابن أم مكتوم، قال: مرحبا بمن عاتبني فيه ربي. وبسط له رداءه». وقال أنس بن مالك: «رأيت ابن أم مكتوم يوم القادسية وعليه درع، ومعه راية سوداء، واستخلفه النبي صلى الله عليه وسلم على المدينة مرتين».
لمَ هذا العتاب الشديد على رسول الله صلى الله عليه وسلم، من أجل هذا المسلم القديم الإسلام، الذي اعتمد النبي الكريم على قوة إسلامه، وقدم إيمانه، وطمع في إسلام الكبراء، أمثال الوليد بن المغيرة، وعتبة بن ربيعة، وأخيه شيبة، وأمية بن خلف، وأمثالهم؟
كأن ما فعله النبي الكريم يوهم تقديم الأغنياء على الفقراء، والكبراء على المستضعفين، وبهذا تنكسر قلوب هؤلاء في مقابلة أولئك المستكبرين، والله تعالى لا يحب ذلك، وقد قال تعالى لرسوله: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف:28].
إن كل ما يوهم ترجيح الدنيا على الدين مرفوض بالكلية في نظر القرآن.
لقد أراد الله تبارك وتعالى أن يقول قولا فاصلا في هذا الأمر، حتى لا يرتاب فيه مرتاب، ولا يشكك فيه مشكك، وهو أن الإسلام لا يعنى بهؤلاء الناس الذين يسمونهم الكبار، والطبقات الراقية، والعلية في المجتمع، من أصحاب المال والجاه، والثراء والقوة والأتباع، وإن خيرا منهم وأزكى عند الله تعالى، وعند الصالحين من عباده، أولئك المؤمنون الصالحون الأبرار، وإن كانوا من المستضعفين والفقراء، الذين لا يملكون مالا ولا منزلة ولا أتباعا، إنما يعتزون بإيمانهم بالله، وصلتهم بالله، وخشيتهم لله، ورجائهم في الله، وتوكلهم على الله.
وكان هذا البيان القرآني القوي هو العدة التي يعتد بها في هذه المعركة التي نصر الله فيها الرجل الأعمى -وهكذا سماه القرآن ليظهر لنا ضعفه- على الأغنياء والكبراء، الذين قال منهم من قال: {لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} [الزخرف:31]. فإن العظمة عندهم إنما تقاس بما يملك الإنسان من الذهب والفضة والأموال.
{أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى}
لمَ عبس محمد وتولى؟ بأي سبب؟ إن ذلك كان بسبب أن جاءه الأعمى، وذِكْره بـ (الأعمى) ليس تحقيراً له؛ بل كأنه قيل: إنه بسبب عماه استحق مزيداً من الرفق والرأفة، فكيف بك يا محمد أن تخصه بالغلظة؟
{وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى}
أي شيء يجعلك يا محمد داريا بحاله، لعله قدم إليك ليتعلم منك وينتفع بعلمك، ويتزكى ويتطهر من الجهل أو الإثم بما يُلقّن منك، أو يتذكر ويتعظ فتنفعه ذكراك، أي: موعظتك فيكون له نصيب في بعض الطاعات، وبالجملة فلعل ذلك العلم الذي ينفعه منك يطهره عن بعض ما لا ينبغي، وهو الجهل والمعصية، أو يشغله ببعض ما ينبغي وهو الطاعة والخير.
{أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى}
أما من استغنى بالمال، ورأى نفسه مستغنيا عن الناس بما لديه من ثروة، وهذا من أسباب الطغيان، إذا رأى نفسه مستغنيا بما لديه عن غيره، كما قال الله تعالى: {كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى} [العلق:6-7]. إذا رأى نفسه استغنى، لأدى به ذلك إلى الطغيان.
والمراد هنا: من استغنى بالمال والثراء، عن الإيمان وعما عندك من العلم والمعرفة التي ينطوي عليها القرآن.
{فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى}: تتعرض له، وتقترب منه، وتهتم به، وتميل إليه، وتقبل عليه، وعلى إرشاده وإصلاحه. وفيه تنفير له عليه السلام من مصاحبة هؤلاء، لأن الإقبال على المدبر عنك ليس من كريم الشيم.
{وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى * فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى}
والموقف المقابل لهذا، معاكس ومغاير تماما لما ينبغي أن يكون، ذلك أن من جاءك يسعى، أي جاء في همة وسرعة، وليس في ثقل وبطء، وهو متصف بالخشية، وإذا ذكرت الخشية فإنما يراد بها خشية الله وحده، ولكن القرآن هنا لا يذكر المخشي، وهو معروف، وهو الله سبحانه وتعالى، لأنه نزل الفعل المتعدي منزل الفعل اللازم، بمعنى أن الخشية أصبحت صفة ثابتة لازمة له، معروفة به.
من جاءك بهذه الصورة، وهذه السيرة، فأنت عنه تلهى، أي: تتشاغل وتتغافل عنه، مهتما بشأن الصناديد.
وفي تقديم ضميره عليه الصلاة والسلام على الفعل في قوله: {فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى} وفي قوله قبل ذلك: {فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى}: تنبيه على أن مناط الإنكار خصوصيته صلى الله عليه وسلم، أي: مثلك يا محمد خصوصا لا ينبغي أن يتصدى للمستغنين، ويتلهى عن الفقير الطالب للخير، وبذلك يتعلم المسلم أنه لا يجوز أن يعبس في وجه فقير قط، ولا يتصدى معرضًا عنه لغني قط.
{كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ}
كلا: ردع له عليه الصلاة والسلام عما عوتب لأجله من التصدي لمن استغنى، والإعراض عمن جاء يسعى وهو يخشى.
إنها تذكرة: إشارة إلى آيات القرآن، التي نزلت في هذه السورة، وفي غيرها، فهي موعظة أي موعظة، تذكر من ينسى، وتنبه من يغفل، وتعلم من يجهل، يجب أن يتعظ بها ويعمل بموجبها، والجملة تعليل للردع، ببيان علو رتبة القرآن العظيم، الذي أعرض عنه، الذين تصدى لهم الرسول وعني بشأنهم.
{فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ}
أي من كانت عنده مشيئة وإرادة في ذكر هذا القرآن، وقد قلنا: إنه مراد في قوله: {إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ}، وإنما أنث الضمير لتأنيث الخبر، فمن شاء رعى القرآن واتعظ به، ومن رغب عنه، كما فعل المستغني، فلا حاجة إلى الاهتمام بأمره، وفي سورة المدثر: {كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ} [المدثر:54-55].
سأل الفخر الرازي هنا سؤالا عن كيفية اتصال هذه الآية بما قبلها، وجعل جوابه من وجهين:
الأول: كأنه قيل: هذا التأديب الذي أوحيته إليك، وعرفته لك، في إجلال الفقراء، وعدم الالتفات إلى أهل الدنيا، أُثبت في اللوح المحفوظ، الذي وكّل بحفظه أكابر الملائكة.
الثاني: كأنه قيل: هذا القرآن قد بلغ في العظمة إلى هذا الحد العظيم، فأي حاجة إلى أن يقبله هؤلاء الكفار، فسواء قبلوه أو لم يقبلوه، فلا تلتفت إليهم، ولا تشغل قلبك بهم، وإياك أن تعرض عمن آمن به، تطييبا لقلب أرباب الدنيا.
{فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ * مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ}
هذا القرآن الكريم في صحف مكرمة عند الله الكريم الذي أنزلها وكرمها، وهي مكرمة كذلك لما فيها من العلم والهداية والحكمة، وهي مكرمة لأن الله تعالى صانها وحفظها من كل ما يدنسها أو يضيعها.
وهي (مرفوعة) بمعنى أنها رفيعة القدر عند الله تعالى. كما أنها مرفوعة ومحفوظة من الشبه والتناقض، كما قال تعالى: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء:82].
وهي مع رفعتها مطهرة، أي: مصونة من كل أذى، أو دنس، بحيث لا ينالها الكفار.
{بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ}:
من هم هؤلاء السفرة؟ إنهم الملائكة الذين جعلهم الله سبحانه سفراء بينه وبين رسله، فهم بررة لم يتدنسوا بمعصية، وهم الكرام الكاتبون لأعمال العباد في الأسفار، التي هي الكتب، وأحدهم: (سافر)، كقولك كاتب وكتبة، والسفير: الرسول والمصلح بين القوم، ويجمع على سفراء، مثل: فقيه وفقهاء. وقال بعض المفسرين: (السفرة): أصحاب النبي، وقال الإمام ابن العربي: لقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سفرة كراما بررة، ولكن ليسوا هم بمرادين بهذه الآية، ولا قاربوا المرادين بها، بل هي لفظة مخصوصة بالملائكة عند الإطلاق، ولا يشاركهم فيها سواهم، ولا يدخل في متناولها غيرهم، واستدل لذلك بالحديث المروي في الصحيحين عن عائشة، وسيأتي ذكره قريبا.
{كِرَامٍ بَرَرَةٍ}
أي كرام على ربهم، كما أنهم كرام عن المعاصي والمدنسات، يرفعون أنفسهم عنها، ويقدمون منافع غيرهم على منافع أنفسهم.
و(بررة): جمع بار، يقال: برٌّ، وبارٌّ إذا كان أهلا للصدق، ومنه: «بر فلان في يمينه» أي: صدق، وفلان يبر خالقه ويتبرره، أي: يطيعه، فمعنى (بررة): مطيعون لله تعالى صادقون لله في أعمالهم.
وفي سورة الواقعة قال الله تعالى عن القرآن:{إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} [الواقعة:77-79]. وهؤلاء الملائكة المطهرون هنا هم الكرام البررة في سورتنا.
قال ابن كثير في شرح {كِرَامٍ بَرَرَةٍ}: «أي خلْقهم كريم حسن شريف، وأخلاقهم وأفعالهم بارة طاهرة كاملة، ومن هنا ينبغي لحامل القرآن أن يكون في أفعاله وأقواله على السداد والرشاد، وذكر حديث الإمام أحمد عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة، الكرام البررة، والذي يقرؤه وهو عليه شاق، له أجران».. أخرجه الجماعة.
{قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ}:
دعاء على هذا الإنسان، جنس الإنسان، لا شخص معين، كما قال بعض المفسرين، معتمدا على ما قيل من سبب النزول، الذي لم يأت به دليل صحيح، وما يدل على ذلك، أن الله تعالى ذم المشركين لاستكبارهم بأموالهم، وترفعهم على غيرهم، فوجب أن يعم الحكم بسبب عموم العلة.
كما أنه تعالى زيف طريقتهم بسبب حقارة حال الإنسان في الابتداء والانتهاء، على ما قال: {مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ} وعموم هذا الزجر يقتضي عموم الحكم.
وأيضاً فإن حمل اللفظ على هذا الوجه أكثر فائدة، واللفظ محتمل له، فوجب حمله عليه، كما قال الرازي.
والدعاء على الإنسان بالقتل من أشنع دعوات العرب؛ لأن القتل غاية شدائد الدنيا.
و{مَا أَكْفَرَهُ} يحتمل وجهين
إما أن تكون (ما تعجبية)، أي: ما أشد كفره، وما أقبح كفره بالله خالقه ورازقه، وكفره بنعمه التي يسبغها عليه ظاهرة وباطنة، فهو سبحانه يعجب من إفراط الإنسان في كفران نعم الله مع معرفته بكثرة إحسان الله إليه، كما قال تعالى: {إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} [إبراهيم:34].
وقوله: {مَا أَكْفَرَهُ} تنبيه على أنواع القبائح والمنكرات التي يقترفها الإنسان الكفور.
والوجه الثاني: أن تكون (ما) استفهامية، فكأن الآية تقول: أي شيء دعا الإنسان إلى الكفر بربه وبنعمته؟ فهو استفهام توبيخ.
ولقد ذكر العلماء هنا: أن لكل مخلوق محدث ثلاث مراتب أو محطات في وجوده، ولكني أراها أربعة: الأولى والوسطى والآخرة والأخرى، وأنه تعالى ذكر هذه الأربعة للإنسان بلغة موجزة معجزة، في هذا الجزء (جزء عم)، الذي تميز بقصار الآيات، وقصار السور، بل الأقصر.
المحطة الأولى: خلقه من نطفة.
فالمرتبة أو المحطة الأولى تتمثل في قوله تعالى: {مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ} وهو استفهام، وغرضه زيادة التقرير في التحقير، كما قال الرازي، ثم أجاب عن ذلك الاستفهام بقوله: {مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ}، ولا شك أن النطفة -وهي ماء الرجل الذي يلقح بويضة المرأة- شيء حقير مهين، في حجمه الذي لا يرى إلا بالمجهر، وفي مظهره الخارج من مجرى البول، ولذا قال تعالى: {أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ} [المرسلات:20].
وليس الغرض من هذا تحقير الإنسان، فما بهذا جاء القرآن الذي كرّم الإنسان غاية التكريم، ولكن الغرض منه أن يذكر الإنسان أن من كان أصله من مثل هذا الماء المهين، فإن التكبر والتجبر لا يكون لائقاً به.
قال الحسن: «كيف يتكبر من خرج من سبيل البول مرتين»، يعني: مرة حين كان نطفة، ومرة عند الولادة.
ولكن ما معنى التقدير هنا في قوله: {فَقَدَّرَهُ}؟ بعضهم قال: قدره أطوارا: نطفة ثم علقة ثم مضغة، ثم تُكسى العظام لحما إلى آخر ما هو معلوم من خلق الإنسان.
ومنهم من قال: قدره على الاستواء المطلوب، الذي يتم به الخلق، كما قال تعالى: {الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى} [الأعلى:2].
وقال تعالى على لسان الصاحب المؤمن: {أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا} [الكهف:37].
كما يحتمل أن يكون التقدير هنا: قدر لكل عضو ولكل مفصل، وكل عصب، وكل خلية، ما يستحق من الإعداد والإمداد، بالكمية والكيفية، بالقدر اللائق بمصلحته، وتمام خلقته، كما قال تعالى: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} [الفرقان:2]. وقال عز وجل: {الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} [طه:50].
المحطة الثانية: تيسير السبيل
ثم ذكر ربنا جل وعلا المحطة أو المرتبة الثانية، وهي الوسطى في وجود الإنسان، وهي المتمثلة في قوله تعالى: {ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَه}، وهذه هي المرتبة الوسطى وهي المرتبة المهمة، التي يقرر الإنسان فيها مصير نفسه، بما يختاره من طريق، وما يهتدي إليه من منهج، وما يتخذه من دين، فما معنى تيسير السبيل هنا؟
قال بعضهم: المراد تسهيل خروجه من بطن أمه، قالوا: إنه كان رأس المولود في بطن أمه من فوق، ورجلاه من تحت، فإذا جاء وقت الخروج انقلب، فمن الذي أعطاه ذلك الإلهام إلا الله؟
ومما يؤكد ذلك أن خروجه حيًّا من ذلك المنفذ الضيق من أعجب العجائب.
وهذا يمكن أن يكون جزءا من تيسير السبيل، ولكنه ليس كل المطلوب، يمثل المرحلة الوسطى على أهميتها وقدرها.
ومن هنا نقل الرازي عن المفسر المعروف أبي القاسم الأصبهاني: إن المراد من هذه الآية هو المراد من قوله تعالى: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} [البلد:10].
فهو يتناول التمييز بين كل خير وشر يتعلق بالدنيا، وبين كل خير وشر يتعلق بالدين، أي: جعلناه متمكناً من سبيل الخير والشر.
والتيسير يدخل فيه الإقدار والتعريف والعقل وبعثة الأنبياء، وإنزال الكتب.
وهذا معنى كبير مهم، وهو داخل في قوله تعالى: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ} [الإنسان:3]. وهو ما جاء عن عدد من مفسري السلف، مثل: مجاهد الذي قال: يسره لطريق الخير والشر، أي بين له ذلك، بدليل {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ}، وقاله الحسن وعطاء، بل ابن عباس أيضا في رواية أبي صالح عنه.
المحطة الثالثة: الإماتة والإقبار
{ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ}
هذه هي المحطة الثالثة والأخيرة في الحياة الدنيا: أن كل حي ينتهي إلى الموت: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} [آل عمران:185].
ومَا المالُ والأهْلُونَ إلاَّ وَديعَة ٌ *** وَلابُدَّ يَوْمًا أنْ تُرَدَّ الوَدائِعُ
وبعد الحياة يكون الموت أو الإماتة، كما هو تعبير القرآن، فالإنسان يُمات في أجله المقدور، الذي لا يستأخر عنه ولا يستقدم، {إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [نوح:4]. {وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا} [المنافقون:11].
ولكن من فضل الله على الإنسان: أنه كما قدر عليه أن يُميته وينهي أجله، قدر على أن يٌقبره، أي: يجعل له قبرا يدفن فيه، ومعنى {فَأَقْبَرَهُ}: أي يجعل له قبراً يُوارى فيه، إكراما له، ولم يجعله مما يلقى على وجه الأرض، تأكله الطير والسباع والعوافي.
يتبع غداً إن شاء الله...