باب الريان
26 يوليو 2012 , 12:00ص
د. سعيد بن محمدالبديوي
قال تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5)}.
إن هذه الآية من أعظم ما يدل على فضل الكتب وقيمتها، فإن النبي صلى الله عليه وسلم مأمور بقراءة العلم والمقصود هنا القرآن، والعلم تارة يكون في الأذهان، وتارة يكون في اللسان، وتارة يكون في الكتابة بالبنان، فهو إما ذهني أو لفظي أو رسمي، والرسمي يستلزمهما من غير عكس، فلهذا قال تعالى: { اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5)} وفي الأثر عن عمر بن الخطاب: «قيدوا العلم بالكتابة».
ومن شرف الكتاب وعلو منزلته أن جعل الله القرآن في كتاب وأنزله على نبيه، وكذلك سائر الكتب قال تعالى: { الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2)}، وقال تعالى { لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (1) رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (2) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (3)}، وقال تعالى: { وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ...}، وقال تعالى: { وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (105)}، وقال تعالى: { إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (18) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (19)}.
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: «لما فتح الله عز وجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة قام في الناس، فحمد الله وأثنى عليه».. فذكر خطبة للنبي صلى الله عليه وسلم قال: «فقام أبوشاه - رجل من أهل اليمن - فقال: اكتبوا لي يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اكتبوا لأبي شاه، قال الوليد: فقلت للأوزاعي: ما قوله: اكتبوا لي يا رسول الله؟ قال: هذه الخطبة التي سمعها من رسول الله صلى الله عليه وسلم».
والكتب تستمد شرفها مما كتب فيها، فأفضل الكتب كتب العلم، لأنها سبب لحفظه، وقد قال تعالى في حق الأنبياء وأهل العلم: {بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ}.
ولذلك كانت كتب العلم أعظم قيمة مما ينفق فيها من الذهب والفضة، وقد فسر غير واحد من السلف قوله تعالى: {وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا} بأن الكنز كان صحف علم خبأها لهما أبوهما.
بل إن قيمة كتاب العلم الشرعي أعظم من أي كنز دنيوي، فبه يحفظ العلم، وينشر، بل إن الكتاب قد يكون أعظم نفعاً من صاحبه، لأن نسخه تتعدد، فيوجد في كل مكان، وزمان، بخلاف صاحبه فلا يوجد إلا في مكان واحد وزمان واحد، وبذلك شاهدنا ما غاب عنا من سير الأوائل، وأدركنا ما بعد منا من أخبار الأفاضل.
ثم إن الكتاب نفعه حاضر، وضره مأمون، ينشط بنشاط قارئه فينبسط إليه، ويمل بملله فينقبض عنه، فهو صديق مطاوع، وعالم متواضع، لا يكلف صاحبه، ولا يغتابه، ولا ينم حديثه، ولا يكذب عليه، ولا يجامله، ولا يُطريه، ولا يفشي سره، وصدق القائل:
نعم المحدث والرفيق كتابُ
لا مفشياً للسر إن أودعته
تلهو به إن خانك الأصحابُ
وتُنال منه حكمةٌ وصوابُ
وقد كان أهل العلم قديماً وحديثاً يحرصون أشد الحرص على اقتناء الكتب لشدة شغفهم بها، فيبذلون فيها الغالي والنفيس.
قال بعض العلماء: «من لم تكن نفقته التي تخرج في الكتب ألذ عنده من إنفاق عُشَّاق القِيان، والمُسْتهترين بالبنيان، لم يبلغ في العلم مبلغاً رضيّاً، وليس ينتفع بإنفاقه حتى يُؤْثر اتخاذ الكتب إيثار الأعرابيِّ فرسَه باللبن على عِياله، وحتى يُؤمِّل في العلم ما يؤمِّل الأعرابيُّ في فرسِه».
وعذل بعض العلماء في كثرة شراء الكتب، فقال:
وقائلة أنفقت في الكتب ما حوت ***
يمينك من مال فقلت دعيني
لعلي أرى فيها كتابا يدلني ***
لأخذ كتابي آمناً بيميني
وقال أحد العلماء: تذاكرنا المنتزهات يوماً وابن دريد حاضر، فقال بعضهم: أنزه الأماكن غوطة دمشق، وقال آخرون: بل نهر الأبلة، وذكر آخرون أشياء أخرى، فقال ابن دريد: هذه منتزهات العيون فأين أنتم عن متنزهات القلوب؟ قلنا: وما هي يا أبا بكر؟ قال: ((عيون الأخبار)) للقتيبي، وعدد كتباً ثم أنشأ يقول:
ومن تك نزهته قينة ***
وكأس تُحَثُّ وكأس تصب
فنزهتنا واستراحتنا ***
تلاقي العيون ودرس الكتب
وقال ابن طاهر المقدسي: «بلت الدم في طلب الحديث مرتين، مرة ببغداد، ومرة بمكة، كنت أمشي حافياً في الحر فلحقني ذلك، وما ركبت دابة قط في طلب الحديث، وكنت أحمل كتبي على ظهري، وما سألت في حال الطلب أحداً، كنت أعيش على ما يأتي».
وبعث أحمد بن محمد بن شجاع غلاماً من غلمانه إلى أبي عبدالله بن الأعرابي صاحب الغريب -يسأله المجيء إليه، فعاد إليه الغلام، فقال: قد سألته ذلك، فقال: عندي قوم من الأعراب، فإذا قضيت أربي منهم أتيت، قال الغلام: وما رأيت عنده أحداً، إلا أن بين يديه كتباً ينظر فيها، فينظر في هذا مرة وفي هذا مرة، ثم ما شعرنا حتى جاء، فقال له ابن شجاع: يا أبا عبدالله! سبحان الله العظيم، تخلفت عنا وحرمتنا الأنس بك، ولقد قال لي الغلام: إنه ما رأى عندك أحداً، وقلت: أنا مع قوم من الأعراب، فإذا قضيت أربي معهم أتيت، فقال ابن الأعرابي:
لنا جلساء ما نمل حديثهم ***
ألباء مأمونون غيباً ومشهدا
يفيدوننا من علمهم علم ما مضى ***
وعقلا وتأديبا ورأيا مسددا
بلا فتنة تخشى ولا سوء عشرة ***
ولا يتقى منهم لسانا ولا يدا
فإن قلت: أموات فلا أنت كاذب ***
وإن قلت: أحياء فلست مفندا
وقال ابنة أخت لزبير بن بكار لامرأته: خالي خير رجل لأهله، لا يتخذ ضرة ولا يشتري جارية، فقالت امرأته: والله لهذه الكتب أشد علي من ثلاث ضرائر.
وذكر الخطيب أنه خاطب إسماعيل بن أحمد بن عبدالله الضرير في قراءة كتاب صحيح البخاري، وكان الضرير قد سمعه من الكشميهني عن الفربزي عن البخاري قال الخطيب: فأجابني إلى ذلك، فقرأت جميعه عليه في ثلاثة مجالس، اثنان منها في ليلتين، كنت أبتدئ بالقراءة وقت صلاة المغرب، وأقطعها عند صلاة الفجر، وقبل أن أقرأ المجلس الثالث عبر الشيخ إلى الجانب الشرقي مع القافلة ونزل الجزيرة بسوق يحيى، فمضيت إليه مع طائفة من أصحابنا -كانوا حضروا قراءتي عليه في الليلتين الماضيتين- وقرأت عليه في الجزيرة من ضحوة النهار إلى المغرب، ثم من المغرب إلى وقت طلوع الفجر، ففرغت من الكتاب، ورحل الشيخ في صبيحة تلك الليلة مع القافلة».
قال الذهبي: «هذا شيء لا أعلم أحداً في زماننا يستطيعه». وعندما سأل السخاوي شيخه ابن حجر هل وقع له استيفاء يوم كامل في القراءة مثل ما وقع للخطيب، فقال: «لا، ولكن قراءتي الصحيح في عشرة مجالس لو كانت متوالية لنقصت عن هذه الأيام، ولكن أين الثريا من الثرى، فإن الخطيب -رحمه الله- قراءته في غاية من الصحة والجودة والإفادة وإبلاغ السامعين».
وقد وقع لنا قراءة صحيح البخاري في أربع وعشرين مجلساً، في ثمانية أيام، كل يوم ثلاثة مجالس، مجلس من بعد العصر حتى المغرب والمجلس الثاني من المغرب حتى العشاء والمجلس الثالث من العشاء حتى نهاية ثلث الليل الأول.
فقلت في ذلك السماع أبياتاً أذكر بعضها فأقول:
حدا بنا الشوق إلى الكويتِ ***
فخف كل سابقٍ كميتِ
نبغي بها التشنيف للأسماعِ ***
بخرد السماع والإسماع
فذاك فيها يُثلِجُ الصدورا ***
تعود منه باكياً مسرورا
فيها شعور قط لا يجارى ***
هل أنت في ترمذ أو بخارى
خلت كأني بين سادة الورى ***
نبينا وصحبه والكبرا
كثابت والنخعي والزهري ***
ومالك وشعبة والثوري
فيها سمعنا جامع البخاري ***
ذاك الذي ليس له مباري
من لم يغب عن حفظه إسنادُ ***
وأذعنت بذا له بغدادُ
وكان الابتداء عصرَ الجمعةِ ***
لجمعةٍ أخرى انتهاءُ الختمةِ
في سنة أغلت سماعَ الجامعِ ***
بما حوى سماعُها من جامعِ
يومَ ثمانٍ من جمادى الآخرة ***
بعد العشاءِ قد ختمنا آخره