

وصفت الدكتورة لارا خالد الناقدة الأدبية اللبنانية، أزمة فيروس كورونا «كوفيد - 19» التي تضرب العالم حالياً للعام الثاني على التوالي، بأنها الصاعقة التي ضربت قيم الحضارة الإنسانية.
وأكدت أن هذه الأزمة الوبائية فتحت منافذ جديدة للوعي الكوني وفي مختلف المجالات، وأنها أنقذت الإنسانية من غفوتها، وشكّلت محوراً جديداً لحوار الحضارات.
وقالت: «إن العالم وجد نفسه أمام كابوس، استدعى الوقوف صفاً واحداً، ويداً بيد، لاتخاذ التدابير الوقائية لوقف انتشاره وتكاثره»، لافتة إلى أن الوباء كان بمثابة الفرصة لإعادة النظر في العلاقات الدولية، وجعلها أكثر توازناً.
جاء ذلك في معرض ردها على سؤال خلال جلسة مبادرة «الناقدات وما يقاربن» الهادفة لتعزيز ثقافة النقد لدى المؤلفين والمجتمع عامة، والتابعة للملتقى القطري للمؤلفين، حول حوارية الفن والأدب في عزلة «كورونا» ودورها في إطلاق إبداعات جديدة.
وخلال الجلسة التي قدمها وأدارها الدكتور عبد الحق بلعابد، أستاذ قضايا الأدب ومناهج الدراسات النقدية والمقارنة بجامعة قطر، تحت عنوان «الدراسات البينية وحوارية الفنون».. وأكدت د. لارا، وهي مستشارة سابقة في وزارة الثقافة اللبنانية، وأستاذ بالمعهد العالي للموسيقى، وعضو جمعية «الصداقة اللبنانية الصينية»، أن الوباء حمل إيجابيات كثيرة منها خلق وعي ثقافي جديد، وإثارة قضايا فكرية في مختلف المجالات والميادين، ومنها الأدب والفن والموسيقي وغيرها، وقالت في هذا السياق: «إن الأزمة أنتجت أعمالاً أدبية وموسيقية وإبداعية من وحي حالة العزلة الناجمة عنها».
وأضافت: حدث انفتاح نسبي عالمياً في التعامل الرقمي، الذي شكل جسراً للحوار بين الثقافات المتعددة، وأوضحت أن الوباء قد يكون محفزاً للتطور العلمي والفني، وأن من إيجابياته ما حدث من تداخل في العلوم والفنون المعتمدة على دراسات العلوم البينية.
ونصحت د. لارا الباحثين الجدد في الدراسات البينية النقدية، بأن يدرسوا الموضوع مثار البحث بطريقة عمودية -على حد وصفها- وحل الإشكاليات المحددة واختيار المنهج والموضوع، والاعتماد على عدة اختصاصات ضرورية ومهمة للاستفادة منها في منهج الدراسات البينية.
وقالت د. لارا خالد خلال الجلسة: إن أول ما يواجه المتخصصين في التعريف بالمناهج النقدية هو مفهوم المنهج نظراً لاتساع حقول المعرفة الإنسانية، وأنه لم تكن توجد في القرن السابع عشر الميلادي، المناهج بصورتها الحالية، وكانت مجموعة من القواعد العامة الموضوعة من أجل الوصول إلى المعرفة والحقيقة.
وأضافت أن القرن التاسع عشر الميلادي شهد ظهور بعض العلوم، وتعددت المناهج والمدارس القائمة، واعتمدت على قواعد نظرية تنطلق من التراث الفكري ومن الواقع.
وأكدت د. لارا -صاحبة المؤلفات المهمة في مجال النقد الأدبي مثل «تحليل الإبداع»، و»الموسيقى والدين في الوطن العربي».. وغيرها- أن قضية البحث عن منهج فاعل هي الأساس في كل العلوم الإنسانية والمعرفية، وأن كل علم يرتبط بالمنهجية المتبعة.
وأوضحت أن المنهج عبارة عن تصورات ومفاهيم وأدوات إجرائية وتحليلية، لكنها أشارت في الوقت نفسه إلى أن الانشغال بالمنهج وصل أحياناً إلى الهوس والانبهار لدى بعض النقاد بالمخالفة للمنطق العلمي، لافتة إلى أنه مهما بلغت قوة المنهج فإنه لا يستطيع صياغة قواعد نهائية، وأن النتائج التي يتوصل إليها في جميع الحالات «نسبية».
وأشارت إلى أن كل منهج يقدم تعريفاً خاصاً بالأدب، وأن المدراس النقدية الأدبية قائمة على التعارض والتباين، وأن من مظاهر خصوصية المنهج النقدي القابلية للتطور والامتداد وبناء تصورات مختلفة.
وأكدت أنه لا يوجد منهج محدد يتحتم الأخذ به بصورة مطلقة، وأن منهج العلوم البينية من المناهج الجديدة في المجال النقدي، ويعتمد على الحرية في التحليل والنقد وتداخل العلوم.
وقالت: «في تطبيق هذا المنهج يمكن الاعتماد على مناهج عديدة تتداخل لحل إشكالية معينة، ومنها المنهج التفكيكي»، لافتة إلى أن منهج العلوم البينية بمثابة الثورة على المناهج التقليدية، وأنه يحاول كشف تناقضات النص، من أجل زعزعة وهم المعنى الذي يخلص إليه الناقد على حساب فائض المعنى المتدفق من النص.
وأوضحت في هذا السياق أن العلوم البينية منهج متكامل مفتوح ويعتمد على تداخل العلوم، ويسمح بالاستعانة بالمنهجين السابقين ومناهج نقدية أخرى، لافتة إلى أن التداخل في العلوم بدأ مع العصور القديمة، لكنه لم يجد طريقه في الإبداع والتحليل والتأليف والدراسات.
وأشارت إلى أن منهج العلوم البينية بات مطلباً أساسياً في طرق التفكير وإنتاج المعرفة، وأنها تكتسب أهمية كبيرة نتيجة العولمة وتفاعل الحضارات الحديثة.
وأكدت د. لارا مجدداً أن الدراسات والعلوم البينية تفتح أفقاً للحوار والتسامح، وأنها تهدف إلى دمج الإبداع والمعرفة في طرق التفكير، خاصة أنه لا يوجد المنهج الكامل الذي يفتقر إليه النص.
وحول مقاربة منهجية الدراسات البينية بين العلوم والفنون، أكدت د. لارا، ضرورة أن يكون الناقد والمحلل متخصصاً في العلوم المختارة، وضربت في هذا السياق مثالاً توضيحياً بالقول: «إن الفنون تتداخل لتعطي المتلقي سحراً نادراً وجوده، على غرار إبداع «ألف ليلة وليلة» الذي جرى تأليفه منذ العصور القديمة، لكنه يتضمن في داخل القصص علوماً وفنوناً متنوعة أثرت شكلاً ومضموناً في الأدب والفن العربي.