علاج نبوي للهموم والأحزان
الصفحات المتخصصة
26 أبريل 2013 , 12:00ص
الشيخ أبو إسحاق الحويني
أخرج الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه من حديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خط خطا مربعا، وخط خطا في الوسط خارجا منه، وخط خططا صغارا إلى هذا الذي في الوسط من جانبه الذي في الوسط، وقال: «هذا الإنسان، وهذا أجله محيط به -أو قد أحاط به- وهذا الذي هو خارج أمله، وهذه الخطط الصغار الأعراض، فإن أخطأه هذا نهشه هذا، وإن أخطأه هذا نهشه هذا».
فهذا يبين لنا أن المرء من يوم أن يولد إلى يوم أن يموت وهو عرضة للمصائب والأنكاد قال تعالى «لقد خلقنا الإنسان في كبد» فإذا كانت الحياة كذلك فلا بد من دواء.
وقد تعددت الأدوية النبوية والقرآنية ومن أحسنها ما رواه ابن حبان وأحمد في مسنده من حديث عبدالله بن مسعود أن النبي صلي الله عليه وآله وسلم قال: «ما أصاب عبدا قط هم ولا حزن فقال اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك ماض فيّ حكمك عدل فيّ قضاؤك أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي وغمي، إلا أذهب الله همه وأبدله مكانه فرحا» قالوا أفلا نتعلمهن يا رسول الله قال «بلى ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن».
«ما أصاب عبدا هم ولا حزن» ما من إنسان إلا أصيب أو ينتظر مصيبة كلنا هذا الرجل إما مصاب حقيقة أو هو ينتظر مصيبة لأن الله عز وجل قال «لقد خلقنا الإنسان في كبد» وفي معاناة وفي مشقة, فالذي يتصور أنه من يوم أن يولد إلى أن يموت لن يبتلى فقد ظن باطلا وقد ظن عجزا ومن دخل الحرب وهو يظن أنه لن يصاب فقد ظن عجزا.
فما دمنا جميعا هذا الرجل فقد سن لنا النبي صلى الله عليه وسلم دعاء ندعوه يشتمل على التوحيد وعلى العبودية «إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك» أي أنا عريق في العبودية أنا عريق في النسب ضارب الجذور في العبودية، أنا عبد وأبي عبد وأمي أمة وكان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يكثر من ذكر هذا البيت في جلوسه وقيامه ومشيه وسفره وترحاله كان يقول «أنا المكدي وابن المكدي .. كذلك كان أبي وجدي» كلنا خدام للملك ومماليك، أنا المكدي أي أعمل بالأجرة وكذلك كان أبي وجدي أيضا خادمون للملك.
«ناصيتي بيدك» والناصية هو الشعر الذي في مقدمة الرأس، الناصية التي يتجه المرء بها إذا أخذ إنسان بناصية إنسان لا يستطيع أن يمشي يبقى الإنسان مسلوب الإرادة والإشارة، إلى الناصية التفكير وهي الموجه فإذا أخذ بالقدم لا يستطيع المرء السير كما قال الله تبارك وتعالي «والتفت الساق بالساق إلى ربك يومئذ المساق» التفت الساق بالساق يعني رجلا متعسر الخطو إلى الله كالرجل الذي يمشي فالتفت ساقه فيسقط على الأرض فنحن نرى كل الموتى الساق بجانب الساق إنما معنى التفت الساق أن هذا الرجل متعسر الخطو إلى الله.
«أنا عبدك وابن عبدك وابن أمتك» فلا يتصور أن يكون له اختيار مع الله «ما كان لهم الخيرة».
«عدل في قضاؤك أسالك بكل اسم هو لك» إذن نزه الله عز وجل قبل أن يسأل، اعترف بالعبودية والذل وخلع حوله وقوته وأثبت العجز الكامل لنفسه وأثبت أن الله حكيم لا يفعل الشيء إلا بحكمة وقبل أن يسأل قدم بالثناء على الله ثناء وشفاعة بكل اسم هو لك والأسماء والصفات أعظم الأبواب لزيادة الإيمان.