الجمعة 11 رمضان / 23 أبريل 2021
 / 
07:21 م بتوقيت الدوحة

المربية.. هل أصبحت في كفة الأم عند الطفل؟

هبة فتحي

الجمعة 26 مارس 2021

الأمومة تكريم وتشريف للأنثى، فقد حباها الله بهذا الدور، وقيل فيها الكثير والكثير من الشعر والنثر والأحاديث النبوية الشريفة، وهذا كله بناء على ما تقدمه لوليدها بداية من كونه مجرد نطفة في رحمها، إلى أن يصبح إنساناً كامل الأهلية، وعلى مدار هذه الرحلة الطويلة تبذل الأم من صحتها ووقتها وجهدها دون شكوى، ولكن هل أصبحت كل الأمهات ممن حملن ووضعن يدركن معنى وقيمة هذه الرحلة ودورهن فيها؟ أم أصبحن يلقين بها على عاتق أخريات؟
وجود المربية ضروري في كثير من الحالات، فالأمهات يخرجن للعمل لتحسين معيشة أبنائهن، وبالتالي وجود المربية مهم لا محالة.. ولكن هل بعد عودة هذه الأم للمنزل تعوّض طفلها بالحنان والرعاية أم تجد لنفسها مبرراً للتخاذل؟
وثمة شريحة أخرى من الأمهات اختصرن أدوارهن في الحمل والإنجاب، وألقين بباقي محطات حياة الطفل على عاتق المربية؛ لتتفرغ الأم لنفسها وحياتها.
فهل هذه الشريحة تنازلت عن دور الأمومة من منطلق الأنانية أم الجهل بطبيعة المطلوب منها؟ 
استطلعنا القضية مع متخصصين، وربات بيوت.. وخرجنا بهذه الحصيلة من الآراء:

 

د. شوكت طلافحة الخبير التربوي: التعلّق بالمربيات يسبّب شرخاً نفسياً كبيراً بين الأمّ وأبنائها

«الأمومة هي المهمة الأسمى للمرأة، إذ بها تبنى الأجيال، وتحصن الأسر، وتحفظ البيوت من المزالق الاجتماعية والأخلاقية والسلوكية».. بهذه العبارة بدأ الخبير التربوي الدكتور شوكت طلافحة حديثه.
وأضاف: الأمومة رسالة سامية، ومهنة عظيمة لمن أخذها بحقها، ولما كانت على تلك الدرجة العالية من الأهمية، فلا بد أن نوليها اهتماماً كبيراً، وأن نرصد كل المؤثرات التي تتدخل بشكل أو بآخر في وظيفة الأم الأسمى، وتؤثر بالتالي على جودة المخرجات الاجتماعية والسلوكية للأبناء.
ونوه طلافحة بأن انشغال المرأة عن واجب التربية، أحد أهم تلك المؤثرات التي تواجه الأسر، سواء كان الانشغال بداعي الوظيفة، أو بترتيب الأولويات عند الأم، وصولاً للانشغالات الإلكترونية، والتي بدأت تسرق وقت الأم المخصص لأبنائها، الأمر الذي أدى إلى تفويض مهمة التربية جزئياً أو كلياً للخادمات والمربيات في بعض الأسر، أو ترك الأطفال يواجهون تربية الأجهزة الإلكترونية، بما فيها من ألعاب ومحتوى مشكلاته أكثر من فوائده.
وأكد أن تخلي الأم عن دورها التربوي للأبناء وإلقاءه على المربية سينتج أجيالاً يعانون من مشكلات تربوية عديدة لعل أبرزها غياب التوجيه الديني والقيمي التأسيسي للأطفال، وتراجع المخزون اللغوي لدى الأطفال؛ لأن الأم هي المصدر الأساسي لإكساب الطفل اللغة، وكلما انشغلت عنه تراجعت لغته، بل وأصبح لديه خليط مشوه من لغة الأم والخادمة والإنترنت، وكذلك اكتساب الأطفال عادات وسلوكيات إما تتعارض مع الهوية، أو تتصادم مع الدين في بعض الأحيان.
وأكد وجود شرخ نفسي عميق بين الأم وولدها بسبب تعلقه بالخادمة أو المربية أكثر من الأم.
وشدّد الخبير التربوي على أن كل هذه النتائج السابق ذكرها تحتّم علينا أن نكثر من توجيه الأمهات وتدريبهن على مهارات الأمومة والتربية، لنسهم في بناء جيل قوي ومنتج.
وتابع قائلاً: «حتى نقترب من الواقع فإننا نقدّر أهمية عمل المرأة والظروف الحياتية أو الشخصية التي تدفعها إليه، فضلاً عن حاجتنا الماسة في بعض المهن لوجود النساء، ولذا فليس المطلوب البقاء في البيوت وترك الوظائف، لكن المطلوب هو التركيز في المهام بين الخادمة التي تتولى التنظيف والترتيب، ولا تُعطى أبداً مهمات تربوية، وبين دور الأم الحقيقي، التي يكفيها أن تعطي أبناءها ساعتين مركزتين كل يوم، تتفقد تعليمهم وتسمع لشكواهم، وتتابع الاحتياجات، جنباً إلى جنب مع زوجها، الذي يتوجب عليه كذلك بذل كل السبل في تعزيز عملية التربية، والإسهام المباشر فيها، لا أن يلقي بكامل المسؤولية على المرأة وحدها.

شيخة المهندي أمّ لثلاثة أبناء: رأيت أطفالاً يبكون في وجود أمهاتهم إذا غابت المُساعِدة!

قالت شيخة المهندي أم لثلاثة أبناء: إنها راضية عما بذلته من أجل تربية أبنائها بعيداً عن دور المساعدة المنزلية، مقارنة بما يُتبع الآن لدى الكثير من الأسر، مؤكدة أنها تولت جميع المهام التربوية ورعاية الأطفال حتى التحقوا بالمدرسة، مشددة أنه على الرغم من وظيفتها لم تترك أبناءها خلال أوقات دوامها لدى المساعدة، إلا تحت إشراف والدتها أو والدة الزوج.
وتابعت قائلة: «لم أعتمد على المساعدة حتى في تجهيز الطعام، كنت أجهز وجباتهم للتأكد من صحتها ونظافتها، وأترك لها مهام التنظيف فقط، أما كل ما يخص أبنائي فهو مسؤوليتي لحين قدرتهم على التعبير عن أنفسهم واحتياجاتهم واعتمادهم على أنفسهم، حتى ولو بشكل جزئي حتى خلال التنزه، أتواجد وأتابع عند تكليفها بمراقبتهم في منطقة الألعاب المفتوحة، على عكس ما نراه الآن أن بعض الأمهات تترك الأطفال لدى السائق والخادمة، والذهاب للمجمعات التجارية للتنزه دون الأم». 
وعن تقييمها لما يحدث في المجتمع في هذا الصدد، أردفت: «حتى مهام التعليم عن بُعد، بعض الأمهات تركتها للمساعدة المنزلية حالياً، فأصبحت الخادمة تقوم بتدريس الأبناء وهذا أخطر؛ لأن كثيراً منهم ليسوا على المستوى الثقافي والتعليمي المناسب لهذه المهمة، ورأيت بعيني تعلقاً شديداً من بعض الأطفال بالمساعدات والأم موجودة لدرجة البكاء، مما تسبب في إحراج الأم أمامنا».

إليازي الكواري مدير مركز لذوي الاحتياجات الخاصة: بعض الأمهات يختصرن أدوارهن في «الحمل والإنجاب» فقط

قالت إليازي الكواري مدير المركز الثقافي والاجتماعي لذوي الاحتياجات الخاصة: إن قرار الأمهات بترك أطفالهن في كنف المساعدة المنزلية لتلقي التربية والرعاية قرار يعتمد على مدى ثقافة الأم وتحملها للمسؤولية، والشاهد أن عدداً كبيراً من القطريات أو ممن تتمتع بمستوى معيشي مرتفع، ولديها أكثر من مساعدة في المنزل تتولى رعاية أبنائها رعاية كاملة من حيث الاعتناء بنظافتهم الشخصية وملابسهم ومأكلهم ومشربهم، وبالتالي إلقاء دور الأمومة على عاتق المربيات قرار من الأم في الأصل.
وعن فئة الأمهات اللاتي يقصّرن في حق أطفالهن أكدت إليازي الكواري أن الغالبية يستبدلن أدوار الأمومة بكل أنانية، فتُسخّر حياتها لنفسها فقط فتلتقي بصديقاتها، تسافر، تذهب إلى الحفلات والتجمعات، هذه الفئة اختصرت دورها كأم في الحمل والإنجاب فقط، مشيرة إلى أن نوعية هذه الأمهات لن تجني من أبنائها بعد الكبر سوى القسوة والإهمال؛ لأنها لم تشبعهم من الحنان والرعاية التي تخلق الرابط القوي بينهم.
وفيما يتعلق بنقطة رجوع الأمهات المقصّرات في حق أطفالهن، نوهت بأن الأم تدرك ذلك عندما ترى وتشعر بمدى تعلق الأطفال بالمربية مقارنة بها، وقالت: «أرى أطفال متشبثين بالمربيات أكثر من أمهاتهم، وأتعجب عندما يسألون عن المربية لدرجة تصل حد البكاء، ويشاركونها لحظاتهم أكثر من الأم، وفي هذه الحالة تُصدم الأم بهذا التعلق، وتكون نقطة التحول لنمط التربية وتستفيق لدورها الحقيقي».
وعن تجربة الأستاذة إليازي في تربيتها لبناتها، أوضحت: «لديّ ابنتان وهما في المرحلة الجامعية حالياً، وكنت أعمل وهما في سن صغيرة، وحينها كانتا تحت إشراف والدتي عندما أذهب للدوام، وعند عودتي أعوضهما بالوقت والحنان والرعاية، وحصدت ذلك ولله الحمد، هما الآن صديقتاي والرابط بيننا قوي جداً، أخصص لهما وقتاً يومياً بعيداً عن مشاغل الحياة والعمل وكل شيء، وهذا هو الدور الحقيقي لأي أم، أن تكون قريبة وأن تترك بصمتها في جميع مراحلهم العمرية، فأنا شخصياً لديّ غيرة شديدة في حال رأيت تعلّق بناتي بأي أحد غيري».

د. هلا السعيد المستشارة الأسرية تروي تجربة خاصة: لو تركت ابنتي للمربية ما اكتشفت موهبتها رغم إعاقتها السمعية

قالت الدكتورة هلا السعيد مديرة مركز الدوحة العالمي للتوحد: إن دور المساعدة المنزلية في الأسرة تخطى تنظيف المنزل وإعداد الطعام؛ ليشمل الاهتمام بالأطفال، مشيرة إلى أن هذا الأمر أصبح واقعاً يرفض الاعتراف به أغلب الأهالي.
ولفتت د. هلا إلى أن الأم تدعم نمو أبنائها البدني والعقلي والنفسي، ومنحهم مشاعر الحب والحنان التي تُكسبهم السعادة والشعور بالأمان، وتُساهم بشكل أساسي في دمجهم مع محيطهم الأسري والاجتماعي وتكوين شخصياتهم، ويكون الأبناء أكثر تعلّقاً بأمهاتهم خلال فترة الطفولة المبكرة الممتدة من الشهر التاسع من عمر الطفل حتى عمر السنة والنصف، ففي حال عزل الأبناء عن أمهم خلال هذه الفترة لمدة ثلاثة إلى خمسة أشهر، فإن ذلك يؤثّر سلباً على نموهم البدني والعاطفي والاجتماعي واللغوي.
وتساءلت الدكتورة هلا باعتبارها دكتورة نفسية ومستشارة أسرية، عن مفهوم دور الأم لدى الجيل الجديد، وهل ما زالت هذه الفئة من الأمهات مؤمنة بدورها على شاكلة أمهاتنا، من منح الأطفال الحنان والرعاية الكاملة؟ مؤكدة أن أغلب الأسر في مجتمعاتنا العربية بصفة عامة والخليجية بصفة خاصة، تعتمد اعتماداً كلياً على الخادمات في البيوت لإدارة الشؤون المنزلية حتى تربية الأطفال والتكفل بهم في غياب دور الأمهات الأساسي، إما بسبب انشغال المرأة بعملها أو تهاون منها في أداء دورها وواجبها نحو تربية الأبناء، وظاهرة تولي الخدم تربية الأطفال هي ظاهرة من الظواهر الاجتماعية التي أصبحت مخاطرها تهدد كيان الأسرة، وتؤثر سلبياً على تنشئة الجيل المستقبلي.
ورأت أن على الأم التوضيح للمساعدة أن العمل المطلوب منها هو المهام المنزلية، أما حاجات الأولاد وخدماتهم المباشرة، فهي من مهمة الأم، بمعنى آخر أنه ليس على الخادمة أن تساعد الأبناء مثلاً بارتداء الثياب، والتحضير للخروج إلى المدرسة، ومراقبة تغذيتهم، فيما الأم لا تزال نائمة، كما أنه ليس على الخادمة أن تستقبل الأولاد لدى عودتهم من المدرسة، في الوقت الذي يحتاجون فيه إلى بسمة من أمهم تستقبلهم بها عند باب المنزل.
وختمت د. هلا حديثها مؤكدة أنها تقوم على جميع أمور وشؤون ابنتها من ذوي الإعاقة السمعية منذ ولادتها حتى الآن، بعد أن بلغت 27 سنة، ولا تسمح لأي مساعدة بالقيام بهذا الدور؛ لأنها لن تكون في مثل مستوى حنانها وعطفها على ابنتها في ظل هذه الظروف الخاصة، قائلة: «لو تركت ابنتي للخادمة ما كنت اكتشفت موهبتها فهي الفنانة التشكيلية دانيا طارق، التي أثبتت إصرارها رغم إعاقتها».

غادة حامد أم لخمسة أطفال: دور المُساعِدة يجب أن يقتصر على المهام المنزلية.. ولا تتدخل في عملية التربية

قالت غادة حامد أم لخمسة أطفال: إن دور المساعدة لا بد أن ينحصر في تنظيف البيت ومساعدة الأم في المهام المنزلية، ولا تتدخل إطلاقاً في عملية التربية؛ لأن المربية أو المساعدة ثقافتها مختلفة وقيمها الدينية كذلك، وبالتالي عملية التربية لا بد أن تقوم بها الأم حتى يتشبع الطفل بحنان الأم ورعايتها، مشيرة إلى أنها ترجّح عدم خروج الأم إلى العمل قبل بلوغ الطفل 3 سنوات حسب ما أوصى المتخصصين، وبعدها ينضم إلى الحضانة ليندمج اجتماعياً أكثر؛ لأن هذا العمر الذي تتحدد فيه شخصية الطفل وقيمه التربوية والثقافية. 
وأشارت إلى أن هناك فرقاً كبيراً بين المساعدة التي تقوم بالأعمال المنزلية، والمربية التي يكون لها باع في تربية الأطفال بناء على ثقافة وعلم ودراسة، فتساهم في تعليم الطفل وتوجيهه، وتعتبر في هذه الحالة مدرّسة مقيمة معهم في المنزل، ولا علاقة لها بالأعمال المنزلية، معتبرة أنه حتى في هذه الحالة لا بد أن تحرص الأم على عدم ترك الطفل معها لمدة طويلة، وهي خارج المنزل.
وعن تجربتها، قالت: «كنت حريصة على عدم ترك أطفالي مع مربية حتى خلال فترة اجتياز دراسة الماجستير والدكتوراة، فكنت قادرة على التوفيق بين رعايتهم وبين دراستي؛ لأن دوري كأم يتفوق على أي دور آخر؛ لأن رسالتي الأولى هي الأمومة، والحمد لله وُفقت في تربية أبنائي وتحفيظهم أجزاء من القرآن الكريم، ولم أُقصّر في حقهم».

نورا محمد أم لطفلة وموظفة: وجود المُساعِدة بحياة طفلتي أمر واقع.. وبعدما أعود من عملي ينتهي دورها

قالت نورا محمد أم لطفلة: إنها تعمل موظفة وتضطر لترك ابنتها للمساعدة، نظراً لأنها مغتربة وليس لديها أي فرد من عائلتها في الدوحة، وبالتالي أصبحت المساعدة أمراً واقعاً في ظل ظروف كثير من الناس. 
ونوهت بأن عمر ابنتها سنة، وأنها حريصة على رعايتها فور عودتها للمنزل، وتنحي دور المساعدة تماماً لتعويض الطفلة عن وقت غيابها خلال أوقات عملها، مشيرة إلى أن تعلق الأطفال يحدث ولكن في حالات معروفة، وهو تخلي الأم بشكل كامل عن رعاية أبنائها فيحصلون على مشاعر الحنان من مصدر آخر، وهذا ما نفت حدوثه معها، معتبرة أن وجود الأب والأم وتناوبهما على رعاية الأطفال يساهم في الحد من تأثير الخادمة أو المساعدة على الطفل؛ لأنه يعي جيداً المصدر الحقيقي للرعاية والحنان، والطفل ذكي جداً ويستطيع التفريق. 
وشددت على أن أيام الإجازات هي ملك الطفلة ويقتصر دور المساعدة فقط على القيام بمهام أخرى بعيدة عن رعاية ابنتها، فتتقاسم الوقت بينها وبين الأب حتى تتشبع الطفلة بما يجب منهم من مشاعر، ورأت أنه يجب على كل أم التحدث مع طفلها بعد بلوغه السن المناسب عن طبيعة عمل المساعدة؛ لتوعيته بما يقبله وما لا يقبله منها، وحتى يفهم كذلك أن دورها لا ينوب أبداً عن دور أمه، حتى ينشأ بشكل سوي ولا يشعر أن هذا كان تقصيراً من أبويه مع مرور الوقت.

 

_
_
  • العشاء

    7:30 م
...