القرضاوي يجهش بالبكاء على الديب رفيق دربه في الدعوة

alarab
محليات 26 مارس 2012 , 12:00ص
الدوحة - محمد صبره
فاضت عينا العلامة د. يوسف القرضاوي بدموع حارة وهو يتحدث عن أخيه ورفيق دربه الراحل د.عبدالعظيم الديب. وجهش فضيلته بالبكاء وتلعثمت الكلمات على لسانه وهو يعدد مآثر الفقيد ويروي كيف توطدت العلاقة بينهما طوال أكثر من 65 عاما منذ كانا طالبين بالثانوية الأزهرية. حدث ذلك خلال كلمة ألقاها في احتفالية تكريم د.عبدالعظم الديب التي احتضنها مركز قطر الثقافي الإسلامي مساء أمس الأول, بإشراف رابطة تلاميذ القرضاوي. تحدث في الاحتفالية د.علي محيي الدين القرة داغي الأمين العام للاتحادالعالمي لعلماء المسلمين ، ود.خليفة بن جاسم الكواري مدير إدارة الشؤون الإسلامية مستشار وزير الأوقاف، وإسماعيل الكيلاني رئيس توجيه العلوم الشرعية السابق بوزارة التربية والتعليم، والداعية والشاعر عبدالسلام البسيوني, وأكرم كساب أمين رابطة تلاميذ القرضاوي. وشهد جانبا منها خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية حماس. وحضرتها كوكبة من العلماء والدعاة من زملاء وتلاميذ ومحبي فقيد العلم والتراث د.عبدالعظيم الديب في ذكرى مرور عامين على وفاته. وعبر الشيخ القرضاوي عن حزنه لفقدان د.الديب بقوله: «والله إن عبدالعظيم الديب لحبيب إلي، لقد كان آية من آيات الله في إدراك العلم والرسوخ فيه وتقديمه للناس». وقال إن د.الديب كان شيخا وأستاذا ومعلما ومربيا، ولم يكن مجرد عالم محقق للتراث. وشهد بأنه كان شخصية مكتملة، ترفّع عما يجري وراءه الآخرون، ورفض أن يبيع علمه، وأن يفرط في كرامته من أجل الحصول على كسب مادي أو أدبي. وأشار إلى أن الديب كان صاحب منهج متفرد في تحقيق كتب التراث، وذكر أنه تميز بتحقيق أمهات كتب التراث النادرة، وأشار إلى أن أسلوبه في التحقيق كان يخلو من الحشو والإطالة، ويهتم بفهم النص وتوضيح دلالاته. ولفت إلى أن الديب كان يملك أدوات التأليف في الفقه والتاريخ، لكنه انشغل بالتحقيق أكثر من التأليف. وقال إن د.الديب كانت له مفرداته ومصطلحاته اللغوية, ذكر منها جملته المشهورة: «حافظ العصر الكمبيوتر». وأشاد بما كان عليه من صبر ودأب ومثابرة في تحقيق كتب الإمام الجويني، منوها بأنه ظل عاكفا على تحقيق كتاب «نهاية المطلب في دراية المذهب» طوال ربع قرن. وأضاف أن الديب كان محببا لتلاميذه لأنه كان يقدم العلم بحب وعشق. وتمنى لو عاش الشيخ الديب وشهد ثورات الربيع العربي، ورأى بعينيه سقوط أنظمة الظلم والجبروت والطغيان. وأشاد بتبني رابطة تلاميذ القرضاوي لاحتفالية د.الديب باعتباره عالما ومحققا ومجددا من مدرسة الوسطية. واعتبر تخليد ذكرى الديب تكريما للقرضاوي, مشيراً إلى أن «القرضاوي مدرسة ورمز». ودعا الرابطة لأن تخصص الملتقى القادم لتكريم الشيخ عبدالمعز عبدالستار، ووصفه بأنه «أخوه وأستاذه» ويستحق التكريم. عرفان بالجميل واعتبر الشيخ عبدالسلام البسيوني الاحتفالية عرفانا بالجميل وتكريما للعلم والعلماء، وإعلاء لقدر أحد العلماء الذين يستحقون التكريم. وألقى قصيدة شعرية مطولة بعنوان: «اسكن فؤادي» تحدث فيها عن مآثر العلامة الراحل. وقال فيها: نم والدي.. فاللهُ عندك نم سيدي فالحور حولك! نم سيدي فلطالما.. أرهقتَ في سِكة العلياء غيرَك! يبكي الحياء والاحتشامُ وعجزُ غيرِك سيدي يجتازُ بحرك كُرِّمتَ في سِفْر الكرام.. خططتَ سطرَك نحو الفراديس العلا يا سيدي أبرمت أمرك وشددت رحلك فحرمتنا سيدي الأستاذَ ظِلك! أعددت للسفر الطويل خصائلاً.. أيّانَ تُدرَك! قد علمتُ اللهَ حسبَك قد طهر الرحمنُ ذكرك قد عجَّل الرحمن أجرك يا سيدي: إني أتوق لنفحةٍ.. لأشمّ عطرك يا سيدي: إني لأرجو نُهزةً لأضم زهرك يا سيدي: أنى لمثلي سيدي يكفيك شكرَك! قد غَرَّنا يا سيدي ما لم يغرَّك ما أرحم اللهَ العظيمَ! فإن هذا الموتَ أرفق! **** يا سيدي.. كم كان هذا الموتُ أرفق! نم سيدي.. والقلب يدعو باللقا في جنان الخلد.. نرزق زادُنا روح وريحان.. وتسنيم.. وإستبرق نم سيدي فالله أبقى.. وهذي الدارُ عابرةٌ ووعدُ الله أصدق نم سيدي فالله أبقى ووعد الله أصدق رجل بحجم أمة ووصف أكرم كساب، الشيخ الديب بأنه كان رائدا من رواد الفكر الوسطي التجديدي بكتاباته وتحقيقاته وتوجيهاته التربوية والدعوية. وأشار إلى أنه كان رجلاً بحجم أمة، وكان صادقا مع نفسه وربه ودينه وأمته وتلاميذه وأبنائه، وتحلى بالأخلاق الفاضلة والإنسانية العظيمة. وقال إنه كان متفردا في كتاباته ومصطلحاته العلمية, مشيراً إلى قوله يرحمه الله: «إن كان شرع الله صالحا لكل زمان ومكان، فإن كل زمان ومكان لا يصلحان إلا بشرع الله». واقترح على الشيخ القرضاوي أن يكون الشيخ الديب وجهوده الدعوية أحد موضوعات جائزة القرضاوي في الفكر الإسلامي في عامها الثاني. وأثنى على العلاقة الأخوية النادرة التي جمعت بين الشيخين القرضاوي والديب قائلا: «لم أر أحدا يحب أحدا كحب القرضاوي للديب وحب الديب للقرضاوي، كانت علاقتها أخوية تجسد الوفاء بكل معانيه». اهتمامه بقضايا الأمة وكشف إسماعيل الكيلاني عن جوانب تُعرف لأول مرة في حياة الدكتور الديب من خلال معاصرته له في عدة مواقف. قال إن الديب كان سهلا لينا متواضعا يجعل كل من يراه يحبه من أول لقاء، وكان يكره الخلاف ويمقت العنف، ويكف يده ولسانه عن الغيبة، ولا يذكر أحدأً بسوء. ولا يهتم بالأمور المادية، وكان ينفق مما يوفره من راتبه على من يستحقون المساعدة. وشهد بأنه كان مهموما بقضايا الأمة الإسلامية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، وكان يطالب أهل فلسطين بإعادتها لمسارها الصحيح. وروى عنه أنه كان مستبشرا بالنصر على الصهاينة مهما طال الزمن، بشرط أن ينتصر المسلمون على أنفسهم. وأشار إلى شغف الشيخ الديب بالتاريخ الإسلامي وأنه كان يعتبره عرض الأمة الذي يجب حمايته والدفاع عنه. عالم رباني وذكر د.خليفة بن جاسم الكواري أن الدكتور الديب كان عالما ربانيا، وتحدث عن زهده وحيائه لدرجة أنه لم يكن يرفع عينيه في وجه من يحدثه. ووصفه بأنه كان طيب المعشر يألفه الناس من أول لقاء. وأشار إلى غيرته على الأمة الإسلامية وتاريخها، وحبه للتاريخ الإسلامي رغم أنه كان متخصصا في الفقه والأصول. ودعا الكواري المؤسسات العلمية لتحقيق أمنية الشيخ الديب بتنقية التاريخ الإسلامي، معتبرا أن الأمة مخترقة من تاريخها المليء بالروايات والكتابات التي تحتاج إلى تدقيق وتمحيص وتهذيب وتصحيح. خادم للتراث في كلمات قليلة معبره وصف د.علي القرة داغي شيخه وأستاذه عبدالعظيم الديب بأنه «جبل شامخ، أحد أبناء جيل مكافح، عاش في محراب العلم خادما لتراث الأمة». واعتبره نموذجا فريدا في تحقيق كتب التراث الإسلامي وخاصة مؤلفات «إمام الحرمين الجويني»، مشيراً إلى أن تفرده في التحقيق جاء من تعلمه على يد اثنين من أشهر أساتذة التحقيق هما: محمود شاكر, وعبدالسلام هارون. واقترح على رابطة تلاميذ القرضاوي الاهتمام بمنهج الشيخ الديب في التحقيق وكتابة التاريخ. واعترف بأنه استفاد كثيرا من علاقته بالفقيد، مؤكداً أنه لم ير محللا لأحداث التاريخ مثل الشيخ الديب. ووصف مجلس الشيخ الديب بأنه «كان طاهرا من الغيبة والنميمة، ثريا بالكلام في الموضوعات العلمية». ووعد بتنظيم ندوة عن الشيخ الديب ضمن أنشطة الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين. كتابان جديدان وزعت رابطة تلاميذ القرضاوي بالتعاون مع الشركة الحديثة للطباعة ومركز «فنار» كتابين جديدين عن العلامة الراحل د.عبدالعظيم الديب. الكتاب الأول حمل عنوان «من ذكريات العلامة الأصولي المحقق الأستاذ الدكتور عبدالعظيم الديب رحمه الله»، وصدر في طبعة أنيقة تحتوي على «50» صورة نادرة في مراحل حياة الفقيد التي امتدت أكثر من ثمانين عاما. وتسجل الصور جانبا من أنشطة العلامة الراحل في قطر ومصر والسودان وبريطانيا. ويظهر فيها في لقاءات مختلفة مع عدد من العلماء الراحلين والباقين منهم أصحاب الفضيلة د.يوسف القرضاوي، والشيخ محمد الغزالي، والشيخ صلاح أبوإسماعيل، والشيخ عبدالمعز عبدالستار، والمستشار طارق البشري، وراشد الغنوشي ود.أكرم ضياء العمري، وعصام البشير ومحمد رشيد قباني، ومع عدد من وزراء الأوقاف السابقين. وتسجل الصور مشاركة د.الديب في مسيرات ومظاهرات شعبية بالدوحة تأييدا للقضية الفلسطينية، وأداءه لفريضة الحج، وحنانه على أحفاده. وتختم بلقطات مؤثرة للحظات الأخيرة في حياته، عند دفنه بمقبرة أبوهامور عصر السادس من يناير عام 2010. ويحمل الكتاب الثاني عنوان: «عبدالعظيم الديب فقيد الدعوة والتربية والعلم والتحقيق بأقلام محبيه». ويحتوي على «35» مقالا وقصيدة شعرية كتبها علماء ودعاة وشعراء وإعلاميون.