أعادت صياغة الهوية على أساس العقيدة لا القبيلة.. «وآمنهم من خوف»: «السيرة النبوية» نموذج لوحدة الأمة والتماسك المجتمعي

alarab
الملاحق 26 فبراير 2026 , 01:28ص
حامد سليمان

تناولت الجلسة الثانية من جلسات برنامج «وآمنهم من خوف»، والذي تنظمه وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، «السيرة النبوية كنموذج لوحدة الأمة وبناء التماسك المجتمعي»، وذلك في جامع الإمام محمد بن عبد الوهاب.
قدم الجلسة الشيخ معاذ يوسف القاسمي، وشارك بها عدد من العلماء من بينهم فضيلة الشيخ الدكتور نواف فهد العتيبي- أكاديمي وداعية إسلامي، إمام وخطيب بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية (قطر)، وفضيلة الشيخ الدكتور محمد عبدالكريم- أكاديمي وداعية إسلامي، وفضيلة الشيخ الدكتور عزيز البطيوي- أستاذ التعليم العالي بكلية الشريعة بجامعة قطر وبجامعة ابن زهر (المغرب)، فضيلة الشيخ الدكتور رمضان خميس- أستاذ التفسير وعلوم القرآن بكلية الشريعة في جامعة قطر.
أكد الدكتور محمد عبدالكريم، الأستاذ بكلية الشريعة في كلية الدراسات الإسلامية بجامعة الكويت، أن السيرة النبوية تُبرز منهجًا متكاملًا في بناء المجتمع، قائمًا على أسس واضحة ومرجعية عليا ضابطة، أسهمت في إرساء دعائم التماسك والاستقرار في الدولة الناشئة.
وأوضح أن النبي ﷺ حرص، لا سيما في المرحلة المكية، على ترسيخ العقيدة وتوحيد المرجعية قبل الشروع في أي بناء سياسي أو تنظيمي، مؤكدًا أن بناء الإنسان يسبق بناء الكيان، وأن تأسيس الوعي الإيماني هو الأساس لأي مشروع حضاري ناجح.
وبيّن أن المشروع النبوي انطلق من إقامة مرجعية عليا يُحتكم إليها عند النزاع، بحيث تُردّ الخلافات إلى أصل جامع بعيدًا عن الأهواء المتباينة.
وأشار إلى أن من أبرز معالم المنهج النبوي إعادة صياغة الهوية على أساس العقيدة بدل الروابط القبلية والعرقية، لافتًا إلى أن النبي ﷺ آخى بين المهاجرين والأنصار، مؤسسًا لرابطة إيمانية تتجاوز الانتماءات الضيقة، من دون إلغاء الخصوصيات الثقافية والاجتماعية.
كما استشهد بحادثة التنازع بين أحد المهاجرين وأحد الأنصار، حين تعالت دعوات العصبية، فحسم النبي ﷺ الموقف بقوله: «دعوها فإنها منتنة»، في إشارة واضحة إلى رفض كل أشكال التخندق التي تهدد وحدة المجتمع، مؤكدًا أن الاختلاف والتنوع لا يُرفضان في ذاتهما، وإنما يُوجَّهان لخدمة وحدة الصف لا لتمزيقه.
وقال الدكتور عبدالكريم إن النبي ﷺ لم يكتفِ بالتوجيهات العامة، بل نظّم العلاقات داخل المجتمع المدني عبر وثيقة مكتوبة عُرفت بـ«صحيفة المدينة»، التي نظّمت العلاقة بين مكونات المجتمع من مسلمين ويهود، وأقرت بمرجعية القيادة النبوية العليا.
وبيّن أن الصحيفة شكّلت إطارًا تعاقديًا ضامنًا للحقوق والواجبات، ومثالًا مبكرًا على التنظيم السياسي القائم على التعددية المنضبطة بمرجعية جامعة، مع التأكيد على أن نقض العهود يُعد خرقًا للنظام العام.
ونوّه إلى أن السيرة النبوية تميّزت بمنهج راقٍ في إدارة الخلاف، قوامه الشورى والاحتواء، حيث رسّخ النبي ﷺ مبدأ أن الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية، وأن المخالف لا يُعادى ولا يُقصى لمجرد مخالفته.
وأوضح أن ذلك تجلّى في مواقف عدة، منها استشارة النبي ﷺ للصحابة في غزوة أُحد، حيث أخذ برأي الأغلبية رغم مخالفته لرأيه الشخصي، وكذلك في غزوة الخندق حين قبل مشورة سلمان الفارسي بحفر الخندق، في سابقة تؤكد الانفتاح على الرأي الصائب مهما كان مصدره.
وتابع أن السيرة النبوية أبرزت كذلك وعيًا عميقًا بفقه المآلات، أي النظر في نتائج القرارات وآثارها المستقبلية، مستشهدًا بصلح الحديبية الذي بدا لبعض الصحابة مجحفًا في ظاهره، لكنه أثبت لاحقًا أنه كان فتحًا مبينًا ومقدمة لانتشار الدعوة وترسيخ الاستقرار.
وأكد الدكتور عزيز البطيوي، رئيس وحدة البحوث والدراسات بكلية الشريعة في جامعة قطر، أن وثيقة المدينة تمثل نموذجًا تأسيسيًا رائداً في ترسيخ الوحدة المجتمعية والتعايش وإدارة التنوع، منوهاً بأهمية إعادة قراءتها في الواقع المعاصر.
وقال الدكتور البطيوي: إن اختيار هذا المحور يجدد قراءة السيرة النبوية بوصفها عطاءً غير محدود في الزمان والمكان، مبيناً أن وثيقة المدينة فتحت آفاقًا واسعة لفهم كيفية بناء مجتمع متماسك في المدينة المنورة عقب الهجرة النبوية.
وأوضح أن الوثيقة مثلت انتقالًا نوعياً من التفكك إلى الوحدة، ومن الفوضى إلى النظام، ومن الإقصاء إلى الاعتراف بالآخر، ومن الانتماء القبلي إلى الانتماء للأمة، لافتاً إلى أنها عكست بوضوح الواقع الاجتماعي الجديد للمدينة.
وأشار إلى أن الوثيقة كتبت في مراحلها الأولى لتنظيم العلاقة بين المهاجرين والأنصار، ثم بين المسلمين واليهود، قبل أن تجمع في وثيقة واحدة ضمت نحو سبعة وأربعين بنداً، مؤكداً أنها أرست أسساً واضحة للوحدة المجتمعية.
ولفت إلى أن من أبرز مظاهر الوحدة المجتمعية في الوثيقة إقرار مبدأ التكافل بين المسلمين في الديات وفك الأسرى ورعاية المحتاجين، إلى جانب التأكيد على وحدة القرار في السلم والحرب، بما يحفظ تماسك الدولة وأمنها الداخلي.
كما نوه بأن الوثيقة رسخت مبدأ التعايش السلمي مع اليهود، من خلال النص على أنهم «أمة مع المؤمنين» مع احتفاظ كل طرف بدينه، إضافة إلى إقرار مبدأ الدفاع المشترك عند التعرض للعدوان.
وأكد الدكتور البطيوي أن وثيقة المدينة تعد أول دستور وعقد اجتماعي وسياسي في الدولة الإسلامية، مشدداً على أن الأمة اليوم أحوج ما تكون إلى استلهام مضامينها في إدارة التنوع وتعزيز الوحدة المجتمعية
وقال الدكتور نواف فهد العتيبي إن الهوية الجامعة يقابلها الهوية المفرقة، وإن الهويات المفرقة هي الأصل في الجنس البشري، فهو ينزع إلى التفرد والتميز بنفسه، سواء على مستوى الأفراد أو على مستوى الجماعات، ثم بعد ذلك يكون تنافس بين أصحاب الهويات، وأن هذا التنافس بسبب طبيعة النقص البشري، ووجود العدو الأزلي وهو إبليس، ما يورث التصادم والصراع.
وأوضح أن الخطاب القرآني جاء مقراً بهذا التنوع والتعدد، وفي نفس الوقت جاء ليصلح البشرية. 
وطرح الدكتور رمضان خميس الأستاذ بكلية الشريعة جامعة قطر رؤى معمقة حول كيفية إسهام القيادة النبوية الحكيمة في تحويل التنوع في صدر الإسلام إلى قوة اجتماعية فاعلة بفضل سمات القيادة النبوية التي نجحت أيما نجاح في إدارة التباين وقتها وعملت على توجيه التنوع توجيها راشدا بما يخدم الإسلام والدعوة إليه في ذلك الوقت.
وأوضح أن السيرة النبوية الشريفة كانت النموذج التطبيقي العملي للقرآن الكريم الأمر الذي مكنها من إيجاد الحلول لجميع المشكلات الاجتماعية في ذلك وقت وستبقى هذه الحلول صالحة لما نستقبل من مشكلات متجددة زمانا ومكانا . 
وأشار إلى جهود السيرة النبوية في التوحيد بين أفراد المجتمع على اختلاف سحناتهم مما مكنه من خلق تآلف وتواد بين أساطين قريش الألداء المتناحرين المختلفين في الرؤى والأفكار وموقفهم من الدعوة الإسلامية في مطلعها.