سفيران غير رسميين للتراث القطري.. ماريا وأوريست.. قصة عشق لقطر الأرض والبشر

alarab
محليات 26 فبراير 2021 , 12:35ص
حنان غربي

ماريا فرناندا: أحببت قطر من خلال حبّ زوجي لها 
القهوة العربية وكرم الضيافة شكّلا انطباعي الأول عن البلد


وريست ديل: حبي لقطر دفعني لإصدار مؤلفات عنها 
جمال العادات والتقاليد القطرية جعل من حفل زواجي ذكرى تُخلّد في ذاكرتي.. وفوجئت بعدد الحضور الكبير
 

«عائلة العرب» هذا الأسبوع هي عائلة من طراز خاص جداً، رغم أن الزوج والزوجة ينتميان إلى واحدة من مناطق أقاصي الأرض حيث أميركا الوسطى، وبعيداً عن المنطقة العربية برمتها بمحيط عملاق وآلاف الأميال، فإنهما عشقا قطر وقررا العيش فيها، فما الذي جعل ماريا المكسيكية، وأوريست البنمي يفضّلان الاستقرار في الدوحة؟
بدأت القصة مع العرس وحفل الزفاف، كانت ماريا فرناندا تعيش في اسطنبول، حيث مكان دراستها الجامعية هناك، عندما تعرفت على زوجها أوريست ديل ريو سعادة سفير بنما السابق في الدوحة، جاءت بعدها للعيش في قطر لتربطها حالة حب بالمكان الذي ما كانت تعرف عنه الكثير.
كانت ماريا تجهل قطر، لكنها بدأت بالتعرف عليها من خلال زوجها وكتاباته عنها، ومن ثم أحبت البلد وعاداته.. تراثه.. أرضه.. ماضيه وحاضره.. من خلال حب زوجها للبلد نفسه.

أول زيارة

تتحدث ماريا عن أول زيارة لها إلى قطر قبل ثلاث سنوات، حين نزلت من الطائرة القادمة من اسطنبول، وتوجهت إلى بيت صديق زوجها القطري الذي استقبلهما بالقهوة العربية وكرم الضيافة المعهود لدى أهل البلد.
ما زالت ماريا تذكر تفاصيل الزيارة التي شكلت لديها الانطباع الأول عن البلد، عاشت ماريا في الدوحة، وأكملت دراستها فيها، وتعرفت على عادات وتقاليد المجتمع أكثر عن قرب، تغيرت الصورة الذهنية التي كانت ترسمها لبلد كانت تعتقده صحراء وبداوة، فوجدت مجتمعاً متحضّراً تعانق طموحاته عنان السماء، لكن بجذور ثابتة، ثبوت قيم هذا المجتمع المتأصل المتمسك بدينه وعاداته وتقاليده وعروبته، هنا بدأت ماريا تحس بمسؤولية تجاه هذه القيم وهذه الدولة، وأصرت على أن تكون سفيرة غير رسمية للتراث الذي أصبحت ترتبط به. 
تقول ماريا: عندما حضرت إلى قطر بدأنا التجهيز لحفل الزفاف، وأردناه أنا وزوجي أن يكون وفق التقاليد القطرية، لم يتقبل أهلي وأصدقائي المنتمين إلى أميركا اللاتينية وأوروبا بسهولة فكرة أن أرتدي اللباس التقليدي القطري، وأن أرسم الحنّاء وغيرها من التفاصيل التي أصررت ألا أهمل حتى أصغرها وأقلها أهمية.
لم يكن زواج ماريا من السفير السابق لبنما لدى الدوحة أوريست ديل ريو، ممكناً في قطر؛ لأن السفير لا يستطيع كتابة وثيقة الزواج لنفسه على ماريا، فكان من بين الحلول أن تكتب الوثيقة في إحدى الدول المجاورة، لكن ماريا وزوجها أصرا أن يكون عقد القران في البلد الذي أحباه ويريدان استكمال مسيرة حياتهما على أرضه، فاتصلا بسفير بنما في دولة بالمنطقة؛ ليحضر عرسهما ويكون هو كاتب وثيقة الزواج. 

الاهتمام بالتراث
بعد العرس بدأت ماريا في الاهتمام بالتراث القطري، حيث شاركت في مبادرة أطلقها الملتقى القطري للمؤلفين بعنوان «اكتشف التراث مع ماريا من الكتب القطرية»، تقدمها ماريا فرناندا عبر قناة «يوتيوب» تناقش خلالها في كل مرة كتاباً جديداً حول التراث القطري في مختلف مناحي الحياة.
تذكر ماريا أنها استعرضت في الجلسة الأولى كتاب «الملابس التراثية في قطر، مرحلة ما قبل البترول حتى نهاية السبعينيات» للكاتبة خولة محمد المناعي، الذي يشرح بالكلمات والصور خصوصية ومميزات اللباس التقليدي المحلي، وأوضحت ماريا أن لباس الفرد يرافقه كل يوم من الصباح إلى الليل، لا ينفصل عنه ولا يمكنه العيش من دونه، فهو بمثابة بشرته الثانية التي يمكنه اختيارها، والتي تعكس تقاليده وثقافته وموروثه.
وأضافت ماريا أنها تعيش تفاصيل كل كتاب تستعرضه، ففي الكتاب الأول حسبما تذكره كانت تعيش رحلة أخذتها الكاتبة فيها للتعرف على اللباس القطري، والتي استهلت بحثها بالتأكيد على أن «اللباس يمكننا من توضيح الاختلاف، فهو يرافق الشخص في المناسبات الخاصة وفي الأيام العادية، حيث إن طريقة ارتداء الملابس هي طريقة للتعبير والتواصل وهي أيضاً محدد للهوية، فأنت تعرف الطبيب من لباسه وتميّز الشرطي من لباسه»، وهكذا استمرت رحلة ماريا وبحثها في التراث القطري.
رسائل إلى غير القطريين
وتستهدف الفقرة التي تقدمها ماريا على «يوتيوب» الأشخاص غير القطريين داخل وخارج قطر من غير الناطقين باللغة العربية، والغاية منها التعريف بالثقافة والتراث القطري، وتحفيز الناس على التعرف على قطر، وهي تصبّ في استراتيجية وزارة الثقافة والرياضة وقيمها من انفتاح على الآخر والحوار والتفاهم بين الشعوب، حيث تتناول مقدمة الفقرة مواضيع مختلفة حول العادات القطرية في مختلف نواحي الحياة والخصائص المميزة للمجتمع القطري، وهي مبادرة تطوعية من ماريا أرادت من خلالها التعبير عن حبها وامتنانها لدولة قطر، عبر إبراز أصالة وجمال العادات والتقاليد القطرية نظراً لكونها من محبي التراث.

دور الزوج 
شغف ماريا بالتراث القطري كان مصدره الزوج أوريست ديل ريو، الذي ألهمها وعرّفها على كثير من عادات هذا المجتمع الذي عاش واندمج معه، وأصبح جزءاً منه، وهو ما قادنا للحديث معه حول سرّ هذا التعلّق، فقال: إنه يرجعه إلى طيبة أهل البلد وكرمهم وأخلاقهم، التي كثيراً ما كانت تبهره وتشده إليهم، خصوصاً في فترة الحصار التي اعتبرها نقطة تحول.
ويوضح: في فترة الحصار تعرفنا إلى قيادة رشيدة قوية وقادرة على خوض التحديات والتغلب عليها، كنت في تلك المرحلة سفيراً لبلدي في قطر، وكان المسؤولون هنا يتعاملون معنا بشفافية كبيرة، ويسعون إلى طمأنة الجاليات، وهو ما دفعني لإصدار أول كتاب لي كان تحت عنوان «محاربون في زمن التضحيات»، وتناول محاور اقتصادية، وتطرق إلى فرض الحصار على قطر وتداعياته وكيف تعاملت الدولة معه.
ويعتبر سعادة السفير أن كتابه هذا من أهم إنجازاته وتجاربه في  قطر، إذ فوجئ وانبهر بحجم التغطية الإعلامية والاهتمام الذي حظي به الكتاب، لا سيما حضور مجموعة من كبار الشخصيات في حفل التدشين، وهي المفاجأة الثانية له من الدوحة بعد حفل زواجه الذي كان ينوي أن يجعله حفلاً ضيقاً للعائلة والأصدقاء، لكنه فوجئ  بعدد الأشخاص الذين حضروا الحفل وبجمال العادات والتقاليد القطرية، التي جعلت من هذه المناسبة ذكرى تُخلد في ذاكرته بكل تفاصيلها، مشيراً إلى أن كل هذا الزخم الإعلامي ما هو إلا دليل على كرم أخلاق القطريين حكومة وشعباً.

بلد المونديال
وأردف سعادة السفير السابق أن البعض يظن أن قطر دولة صغيرة، لكن تجربته فيها أثبتت له أنها من أعظم الدول، وهو ما جعلها مؤهلة لاستقبال بطولة كأس العالم لكرة القدم 2022، مبيناً أنه زار الملاعب التي ستستضيف الحدث الرياضي، وهي من أكبر الملاعب وأجملها على الإطلاق ومجهزة بأحدث التكنولوجيا، وهو ما يمكّنها من ترك بصمتها في عقل ووجدان كل من يزورها، ووجّه بهذه المناسبة دعوة لجميع المتابعين من أنحاء العالم لحضور مونديال 2022.
وذكر سعادة السفير أوريست ديل أن هناك أماكن ومناطق متعددة محببة إلى قلبه في   قطر تستحق الزيارة مثل: سوق واقف، متحف الفن الإسلامي، سيلين، الكورنيش، والأماكن التراثية، لا سيما زكريت التي وصفتها زوجته بكونها «قطعة من السماء».

الترويج والتعريف بقطر
وفي ذات السياق، اعتبر ديل أن كل إنسان يُعد سفيراً لبلده ومعتقداته وما يحبه، وهو ما جعله يعتبر نفسه سفيراً غير رسمي للتعريف بتراث البلد الذي أحبه، حيث تحدث عن زيارة العديد من دول العالم للترويج لكتابه عن قطر والتعريف به، وهو ما شكّل فرصة للتعريف بدولة قطر، وأثار اهتمام الكثير من الأشخاص، خاصة أن الكتاب صادر باللغتين الإنجليزية والعربية، حتى إنه يفكر في ترجمته للغة الإسبانية، وربما عدة لغات أخرى، كما أنه أصدر نسخة رقمية منه ليصل إلى كافة أنحاء العام.
وكشف سعادة السفير السابق عن نيته تأليف كتب أخرى عن قطر حول التراث والاقتصاد. 

محامٍ.. وأصغر سفير

الدكتور أوريست ديل ريو هو في الأصل محامٍ، ولما تولى سفارة بلاده كان أصغر سفير في قطر، ولد ونشأ في مدينة لا تشوريرا بجمهورية بنما، وهو محامٍ متخصص في العلوم السياسية، تخرج من جامعة بنما، وزميل في مؤسسة كونراد أديناور الألمانية، وزميل في برنامج الزائر الدولي القيادي التابع لوزارة الخارجية الأميركية، وزميل في جامعة ميغيل دي سرفانتس في جمهورية تشيلي، وتم انتخابه أميناً وطنياً لشباب الحزب الشعبي في بلاده، كما انتخب أميناً دولياً للشباب المسيحي الديمقراطي في أميركا، وهو ناشط في مجال الإعلام الاجتماعي عبر نشر مقالاته في عدة مجلات وصحف.     
وهو عضو مؤسس لنادي 20-30 نشط في مقاطعة غرب بنما، وتم تكريمه كمواطن متميز في المقاطعة التي ترعرع فيها، وقد أنشأ، إلى جانب مجموعة من الشباب الملتزمين بتحسين المجتمع البنمي، مؤسسة التنظيم والانضباط والمسؤولية والتضامن، التي تركز بشكل خاص على التطوير التعليمي للأطفال والشباب المعرضين للمخاطر الاجتماعية.
مثّل الدكتور أوريست دبلوماسية دولته في قطر، لكنه أبى أن يترك الدوحة حين انتهى اعتماده بها كسفير لشدة تعلقه بها وبتراثها، بدأ مشواره ككاتب عندما دخل السلك الدبلوماسي، وبدأ يراسل والديه اللذين لم يكن لديهما أي علاقة بوسائل التواصل الاجتماعي، فكان مضطراً لكتابة رسائل على البريد الإلكتروني لهما، أصبح بعضها فيما بعد مقالات أسبوعية تنشر كل يوم سبت في عمود بجريدة «لابرنسا»، وهي إحدى أهم الجرائد الناطقة باللغة الإسبانية في بنما، ليصل عددها إلى أكثر من 120 مقالاً كان أولها عام 2016.
وما زال الدكتور أوريست يذكر موضوع المقال الذي كان حول التغيرات البيئية ومؤتمر البيئة الذي انعقد آنذاك في باريس، لتستمر بعدها الكتابات حول مواضيع عدة، كان أهمها حول تعريف المجتمع البنمي على الثقافات الأخرى، إذ يرى أوريست أن شعب بلاده غير مقبل على السفر، ونادراً ما يهاجر خارج حدود دولته، وأرجع ذلك إلى عدة أسباب أهمها الاستقرار الاقتصادي لبنما؛ لذا كان يعمل على تشجيع مواطنيه على الاطلاع على العالم من خلال كتاباته.

قصة كتاب «محاربون في زمن التضحيات»

جمع الدكتور أوريست بعضاً من مقالاته وكانت حوالي ستة وستين مقالاً في كتاب، وكان هو أول إصداراته، والذي حمل عنوان «حروف على الجدران»، ليصدر بعدها الكتاب الثاني الذي كان حول قطر، وحمل عنوان «محاربون في زمن التضحيات»، كتبه بعد التعرف على ثقافة العرب والمسلمين، وبعد أن قرأ القرآن وتعلق بمفهوم المكتوب والنصيب، والذي آمن به أكثر عندما سافر لرحلة قصيرة إلى تركيا لم تتجاوز اليومين تعرّف فيها على زوجته ماريا، وهو الذي أمضى ستة وثلاثين عاماً من عمره عازفاً عن الزواج.
الكتاب تناول تاريخ قطر من جميع الجوانب، حيث تحدث عن نشأة الدولة ومسيرتها وتطورها، وكيف أنها في غضون سنوات قليلة ظهرت كإحدى أهم القوى الفاعلة في الشرق الأوسط.
واستوحى أوريست عنوان كتابه من صمود قطر وأهلها أمام الحصار الذي فرض على الدوحة، ولم يكن قد مضى على اعتماده سفيراً بها سوى عشرة أيام، لكنه تعرّف إلى «قيادة رشيدة، تعاملت مع الأزمة بحكمة، واستطاعت كسب التحدي» وفق قوله، وليكتمل العمل في صورة جيدة.
 تواصل السفير البنمي السابق مع إحدى أهم الفنانات التشكيليات في بلاده، والتي كانت قد زارت قطر، وتعرفت على ثقافتها وأحبتها، فقامت برسم غلاف الكتاب بشكل إبداعي جمعت فيه بين البنفسجي الذي رمزت به لأوقات السلام، وألوان تشير إلى سماء قطر والبحر الأزرق الكثبان الرملية، وكانت هذه الرسمة هدية الفنانة للكاتب بمناسبة زواجه.