قانونيون ورجال أعمال: تجارة التأشيرات جريمة أخلاقية وقانونية
تحقيقات
26 يناير 2016 , 01:30ص
حامد سليمان
يدفع الكثيرون ثمن خطواتهم غير المحسوبة بالوقوع في يد قلة من المستهترين، ممن يقومون ببيع التأشيرات، ربما لضيق العيش في بلدانهم أو لحلم العمل في قطر، كأحد أبرز الدول التي ينشد الكثيرون العمل بها؛ لذا توصف تجارة التأشيرات بالعمل غير الأخلاقي، وهو الأمر الذي تقف له الدولة بكل حزم، فلا هوادة مع بائعي السمات «التأشيرات» وفق ما نصت عليه التشريعات القطرية، وقد أكد قانونيون ورجال أعمال لـ«العرب» أن الاتجار بالتأشيرات عمل غير قانوني تجرمه قطر، وتقف وزارتا الداخلية والعمل والشؤون الاجتماعية له بالمرصاد.
وبحسب متابعين فإن بعض ضعاف النفوس يقومون بالترويج لفرص أعمال بدول الخليج فيخدعون الكثير من البسطاء من بني جلدتهم.. ويتقاضون منهم مبالغ مالية مقابل حصولهم على تأشيرة عمل ليكتشفوا أن الشركات وهمية وأنهم وقعوا ضحية لعملية احتيال.
جريمة أخلاقية
في البداية قال المحامي الدكتور سعود سعدون العذبة: بيع التأشيرات جريمة أخلاقية قبل أن تكون تجاوزا فيما نُصَّ عليه من تشريعات، فهي اعتداء صارخ على كرامة وحرية البشر، فبعض ضعاف النفوس يستغل حاجة العمال من بني جلدته ويقوم ببيع التأشيرات لهم، ومنهم من يدفع مبالغ كبيرة، أملاً في لقمة عيش يحصل عليها داخل بلادنا، وهو أمر غير مقبول، فلا يتفق مع الشريعة الإسلامية؛ لذا كانت قطر حريصة كل الحرص على تجريمه، وفق التشريعات المعمول بها في البلاد.
وأضاف: لا شك أن هذه الظاهرة منتشرة في الدول الجاذبة للعمالة، ما دامت أضلاعها متوفرة، فسوق متعطش للمزيد من العمال، وأشخاص يستغلون حاجة آخرين من بني جلدتهم خارج البلاد لهذا العمل، ليفتقدوا الحس الإنساني والضمير، ويستغلوا التسهيلات التي تقدمها الدول لعمل شركات، وكذلك التسهيلات المقدمة للجميع لجلب العمالة، فيقومون بجلب عمال هم في غير حاجة لهم.
وأردف العذبة: بعض حالات العمال الذين يأتون للبلاد بتأشيرات مباعة ومتاجر بها، هي لأشخاص باعوا كل ما لديهم من أجل حلم السفر والعمل، وهو أمر من سوء الأخلاق أن يستغلهم بعض الأشخاص من بني جلدتهم ليقوموا ببيع التأشيرات لهم، ويتركونهم بلا عمل داخل البلاد، ولا شك أن هذا الأمر له مردود سلبي على الأمن والمجتمع بصورة عامة.
وشدد على أن وزارة الداخلية تبذل جهدا كبير في ضبط الأشخاص الذين دخلوا البلاد بصورة تخالف التشريعات، أو من يعملون عند كفيل غير كفيلهم، أو هؤلاء الذين يظلون على كفالة المستقدم دون عمل ويبحثون عن عمل طوال فترة تواجدهم، وهو جهد متميز من الوزارة.
ونوه إلى أن الدولة حريصة كل الحرص على القضاء على كافة المشكلات المتعلقة بالعمال، وأن هذا الأمر يتجلى من خلال عدة إجراءات تقوم بها وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، أبرزها الفحص الدائم لسجلات الشركات، للتأكد من أن كل شخص على كفالتها يتم تحويل راتبه له بصورة شهرية، وهذه الإجراءات تؤكد جدية الشركات القائمة.
وأوضح العذبة أنه لا توجد شركة ستقوم بتحويل الرواتب وباقي المستحقات على أشخاص على غير كفالتها، ووزارة العمل لن تتوانى في فحص سجلات كافة الشركات ومخالفة أو حظر أي شركة يثبت تلاعبها، وهذا مؤشر أن الشركات المخالفة تقل بصورة تدريجية بحيث تكون منعدمة قريبا بإذن الله.
ونفى العذبة أي حاجة لتشريعات جديدة أشد من القائمة، موضحاً أن القوانين تحقق عنصر الردع، ولكن يتبقى تفعيلها وتطبيقها بصورة عملية، فالقانون الجديد الذي تعمل وزارة العمل على تطبيقه جيد جداً، وكفيل بتحقيق كافة متطلبات العمال، مؤكداً أن التشهير الذي تتبعه وزارة البلدية مع المؤسسات الغذائية المخالفة لا حاجة لتطبيقه مع المؤسسات المخالفة لقانون العمل، ويكفي تعطل أعمالها وتوقفها، فهي عقوبة قوية تخشاها كافة الشركات ورجال الأعمال، فالمطاعم تؤثر بصورة مباشرة على صحة الأشخاص، ولكن تعطيل مصالح الشركات سيكون عقوبة كافية لردعها.
جهد كبير
من جانبه قال رجل الأعمال ونائب رئيس غرفة تجارة وصناعة قطر الأسبق عبدالعزيز العمادي: جهد ملموس من وزارة العمل والشؤون الاجتماعية في الآونة الأخيرة في مخالفة أي شركة تخالف القوانين، خاصةً في إعطاء كل عامل حقه كاملاً..
وأضاف: الشركات المخالفة هي ظاهرة قائمة في ظل حضور اقتصادي قوي، وبلد تضج بالمشروعات بصورة دائمة، وهذا يقتضي من وزارة العمل والشؤون الاجتماعية المزيد من التشدد، وألا تقوم وزارة الاقتصاد والتجارة بتجديد إجراءات هذه الشركات.
وتابع العمادي: إن وزارة الاقتصاد والتجارة يجب أن تبقى متيقظة وأن تقوم بعدم إعطاء الترخيص لهؤلاء الأشخاص؛ لأن مشاكل عدة تترتب على هذا الإجراء إن تم التساهل فيه.
وأكد على أهمية أن يقوم موظفو وزارة الاقتصاد والتجارة من التأكد بصورة دقيقة من أن الشركة طالبة الترخيص قائمة بالفعل، ومع التجديد السنوي، يحضر مفتش من قبل وزارة البلدية والتخطيط العمراني مع مفتشي الاقتصاد والتجارة بفحص مقر الشركة وأعمالها، ومدى حاجتها لعمالة، فلا يسمح لأشخاص بإدارة شركات من داخل منازلهم على سبيل المثال، وهذا الأمر يتم بصورة سنوية.
ونوه إلى أن إجراءات الفحص أيضاً يمكن أن تشمل الموظفين العاملين في الشركة، ومدى حضورهم وتواجدهم بصورة مستمرة، وهذا يضمن عدم وجود أشخاص على كفالة شركة يعملون في مكان آخر، أو أن تجد عمالة سائبة في الشوارع، مشدداً على أهمية أن يكون الفحص سنويا وليس لمرة واحدة، يتم بعدها التجديد بدفع الرسوم فحسب.
ولفت إلى أن اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لا يعني التضييق على رواد الأعمال؛ حيث ظهرت في الآونة الأخيرة بعض الشكاوى من بعض التعقيد في الإجراءات، ولكن المطالبة تقتصر فحسب على بحث جدية الشركات المتقدمة لطلب تصاريح لاستقدام عمالة، والأمر لا يتطلب سوى التأكد من وجود مقر وأن العمالة المطلوبة متواجدة بالفعل بمقر الشركة، فالأمر بسيط ولكن يحتاج إلى دقة في التنفيذ، بحيث يتم ضمان عدم استغلال مكاتب للناس البسطاء من بني جلدتهم وبيع تأشيرات لهم.
ونوه نائب رئيس غرفة تجارة وصناعة قطر الأسبق إلى أن الكثير من الأضرار ترتب على السماح لشركات وهمية بالتواجد في السوق، فإن حضرت العمالة السائبة في البلاد بكثرة فهو ما يمثل تهديدا أمنيا، إضافة إلى التنافس غير الشريف لهذه الشركات في السوق المحلي، ومضارباتها مع تلك القائمة، والتي تضر في مجملها بالمؤسسات المؤثرة والحقيقية المرخص لها.
بيع التأشيرات احتيال
وقال رجل الأعمال أحمد الخلف: وجود شركات وهمية وبيعها لتأشيرات ينطوي على شق جنائي نصت عليها القوانين القطرية، وهو عمل غير أخلاقي إضافة إلى كونه عملا غير تجاري، فلا يوجد تاجر أعماله قائمة في السوق المحلي يسمح لنفسه بارتكاب مثل هذه المخالفة، فبيع التأشيرات هو نوع من الاحتيال الذي لم تغفله التشريعات القطرية؛ لذا لا يقبل الكثير من رجال الأعمال لأنفسهم بهذه المخالفة الصارخة.
وأضاف: النيابة العامة وغيرها من المؤسسات القضائية والرقابية في الدولة تقوم بدور متميز في ضبط المخالفين ومعاقبتهم، وفق مواد القانون التي نصت على تجريم بيع التأشيرات، لما لها من أخطار على المجتمع ككل، ناهيك عن التأثير المباشر الذي تحدثه على سمعة الشركات القطرية.
وأشار إلى أن بيع التأشيرات مخالفات فردية في السوق القطري، فهي ليست ظاهرة عامة يمكن الخوف منها، ولكنها في الوقت نفسه تحتاج إلى الاستمرار بالضرب بيد من حديد على يد كل من يقوم بهذا العمل، ولا بد من التشديد من قبل الجهات المعنية.
وأشاد الخلف بجهد وزارة الداخلية في ضبطها للعمالة السائبة وتحري كيفية حضورها للبلاد، ومن ثم محاسبة الشركات المخالفة، لافتاً إلى أن هذه الإجراءات وإحالة المخالفات إلى النيابة العامة والتحقيق فيها وفق القانون سيكون له دور بارز في تقليل عدد المتعاملين في هذه الأمور المخالفة.
وتابع الخلف: نشر أسماء الشركات المخالفة والتشهير بها بصورة دائمة ربما يكون له دور جوهري في القضاء على الظاهرة، فالكثيرون يخشون على سمعتهم في السوق، إضافة إلى خشيتهم على اسمهم في المجتمع؛ لذا سيتحرى الجميع الدقة في طلب العمالة، وستكون وفق حاجة الشركات فقط، ما سيسهم بصورة مباشرة في تقليل العمالة السائبة.
وشدد على أهمية شطب سجل أي شركة وهمية في السوق القطري، فلا يسمح لها بالعمل ومجابهة الشركات الحقيقة القائمة على أرض الواقع، فهذه الشركات وبعيداً عن التجارة بالتأشيرات تضر بغيرها؛ لأن بعضها يدخل في مساومات من شأنها أن تزيد الأسعار أو تعرقل استثمارات قائمة؛ لذا على وزارة الاقتصاد والتجارة ألا تتوانى في شطبها، وأن تكون إجراءاتها رادعة لتكون عبرة لغيرها، وألا يقوم أي شخص بأعمال مخالفة للقانون من بيع للتأشيرات ونحوه، فهذه تجارة غير شرعية لا شك أن لها أضرارا على الاقتصاد الوطني.
وأكد الخلف على أن تيسير الإجراءات أمر مطلوب، حتى لا تتعطل استثمارات رجال الأعمال أو الرواد الجدد، والأمر لا يتعلق بالتأكد من أن الشركة حقيقة وقائمة، فمجرد التأكد من وجود موقع للشركة وسجل تجاري ونشاط حاضر وفق ما هو مكتوب في السجل التجاري، كلها نقاط يمكن أن تتأكد منها وزارة الاقتصاد والتجارة، فإن كان السجل به نشاط تجاري على سبيل المثال لا بد أن يكون قائما ويرصده مفتشو الوزارة، ووزارة الاقتصاد يتعين عليها مراقبة الشركات، فهو من ضمن اختصاصاتها.