حقائق غائبة في الصراع السوداني جنوب كردفان

alarab
حول العالم 26 يناير 2013 , 12:00ص
فورين بوليسي - ترجمة: أحمد الوكيل
قالت مجلة فورين بوليسي الأميركية: إن الجيش السوداني يتعامل مع سكان ولاية جنوب كردفان وكأنهم من الدرجة الثانية؛ إذ لا يفرق بين المدنيين والمتمردين، فكلهم تحت القصف سيان، معتبرة أن محنة شعب جبال النوبة بالولاية لم يسمع بها من قبل. وتعرض المجلة تقريرا مطولا عن زيارة صاحب فيها مراسلها عددا من كتائب المتمردين (الجيش الشعبي لتحرير السودان) لرصد الأوضاع هناك، ويرتكز التقرير بشكل رئيسي على مقابلة مع اللواء جقود مكوار قائد الجبهة الأولى للجيش الشعبي لتحرير السودان، والذي يؤكد أنه لا يريد الانفصال عن الخرطوم، لكنه يتمنى توقف الهجمات التي يقوم بها جيش الخرطوم، والتعامل بآدمية مع مواطني كردفان. وعلى الرغم من انتهاء الحرب الأهلية السودانية الثانية (كما تسمى)، أطول صراع في التاريخ الإفريقي المعاصر، على الورق عام 2005، إثر توقيع اتفاقية سلام بين الرئيس السوداني عمر البشير وجون قرنق، زعيم الحركة الشعبية آنذاك، لم يتوقف القتال الدائر بينهما حتى اللحظة. حتى إن إعطاء جنوب السودان استقلاله عام 2011 لم يطفئ النار المشتعلة، بل على العكس حول الأمر من حرب أهلية إلى صراع أكبر. يشار إلي أن جنوب كردفان منطقة تقع على الحدود بين السودان ودولة جنوب السودان، ويقطنها مجموعة متنوعة من القبائل الإفريقية وعرب ومزارعين ورعاة ومسلمين ونصارى وأصحاب عقائد أخرى، وتحملت الولاية العبء الأكبر جراء هذا الصراع المرير بين الدولتين. يقول التقرير: إن مكوار يستفيد الآن على الأقل من انتباه المجتمع الدولي لمحنته، بعد غياب صراع دارفور عن تصدر العناوين الرئيسية للصحف، وأصبحت ولاية جنوب كردفان محل الإدانة الدولية لعمر البشير، حتى إنها باتت مصدر قلق للمشرعين في أوروبا وأميركا ومجلس الأمن الدولي. أما جقود مكوار، الذي يقود التمرد، فيقود جيشا قوامه 80 ألف رجل وامرأة يعرف بالـ»الجيش الشعبي الشمالي لتحرير السودان»، يقاتل القوات السودانية عبر الحدود، وتنفي حكومة جنوب السودان أي ارتباط لها به، لكن البشير يتهم جوبا بشكل دائم بتمويل وتدعيم هؤلاء المتمردين. وينقل معد التقرير مدى الشكر الذي وجهه له مكوار قائد التمرد، لما اعتبره نقل ما يحدث على الأرض إلى العالم، وتعريفه بما يحدث لشعب جبال النوبة، كما نفى مكوار أي ارتباط له بالجنوب. العام الماضي فقط حرك البشير آلافا من قواته باتجاه جنوب كردفان، واليوم يسيطرون على معظم المدن الرئيسية بما في ذلك العاصمة كادوقلي، ويقر مكوار بتفوق الخرطوم العسكري، لكن جنودها ضعفاء وغير مدربين مقارنة بقواته الأقل تسليحا وأكثر التزاما على حد تعبيره، خلال جولاته مع الجنود المتمردين شاهد المراسل استيلاءهم على عدد من الدبابات والمركبات المدرعة للجيش السوداني. وأشار التقرير إلى أن معظم القرى في الولاية فارغة من السكان، وفي توضيحه لذلك، قال مكوار: إن معظم الناس يلجئون للمخيمات أو الكهوف لأنهم غير قادرين على الحصول على الطعام، الذي يأتي من السودان، ولذلك يقوم المتمردون بعمل هجمات لجلب الطعام. وأضاف مكوار أن الخرطوم تستخدم الدعاية لتخبر المجتمع الدولي ألا يرسلوا مساعدات؛ لأنهم إذا فعلوا ذلك فإنها ستذهب لجيش التحرير الشعبي، وهو ما يعتبر مساعدة للمتمردين، الذين «يضطرون في بعض الأوقات لأكل أوراق الشجر». وينقل التقرير عن قرويين أن طائرات الأنتينوف سوفيتية الصنع التابعة لجيش الخرطوم، تقصف المنازل والكنائس والمزارع والأسواق والمساجد والعيادات الطبية والمدارس، ولذا لجأ السكان إلى حفر خنادق صغيرة داخل كل منزل يهرعون إليها عن سماع أصوات الطائرات. ووفقا لما قاله الجيش الشعبي لتحرير السودان فإن الطائرات السودانية أسقطت ما يقارب 330 قنبلة على جنوب كردفان في شهر نوفمبر الماضي، أما منظمة هيومان رايتش واتش، فذكرت في تقرير لها أن الجيش السوداني «تبنى استراتيجية لمعاملة كل السكان في المناطق التي يسيطر عليها المتمردون كأعداء وأهداف مشروعة، دون تفرقة بين مدني ومقاتل». وذكر تقرير فورين بوليسي أنه لدى وصول البشير إلى سدة الحكم عام 1989 أمر بعمل برنامج للهجرة الجماعية في جنوب كردفان، حيث حل العرب محل القبائل، وتم طرد النوبيين السود من أراضيهم، التي تم توزيعها على العرب، وتم انتخاب أحمد هارون، الوزير السوداني السابق، والمتهم من قبل محكمة الجنايات الدولية، حاكما لجنوب كردفان في عملية انتخابية اعتبرها النوبيون مزورة. وقدر التقرير أن 900 ألف نسمة من بين 1.1 مليون، هم تعداد سكان جنوب كردفان، إما تم تشريدهم أو هربوا، أما من بقي منهم فعاشوا في الوديان والكهوف والغابات ومجاري الأنهار الجافة، وأضحت قراهم أهدافا مكشوفة للقذافات السودانية، أما البعض الآخر فأنشأ قرى قريبة من معسكرات الجيش الشعبي آملا في الحماية. وأشار التقرير إلى أن الخرطوم تغذي عقول جنودها بأن سكان جنوب كردفان كفرة يريدون الاستقلال، واستشهد التقرير بجندي من شمال السودان يدعى «مصطفى» أسره جنود كردفانيين، واكتشف مصطفى في النهاية أن آسريه مسلمون مثله، وليسوا كفارا كما قيل له.