الحفاظ على الممتلكات العامة مسؤولية حضَّ عليها الإسلام

alarab
قطر اليوم 25 ديسمبر 2011 , 12:00ص
الدوحة – عامر غرايبة
قال دعاة وخبراء شرعيون بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية إن الاعتداء على المال العام والممتلكات العامة محرم شرعا، وهو اعتداء على كل الأمة، وأكدوا على أهمية وضرورة المحافظة على الممتلكات العامة وعدم إتلافها، لأن في ذلك تحقيقا لمصالح الأمة وتحوطا من الوقوع في الحرام، الذي يورد موارد الهلاك في الدنيا والآخرة. وكانت إدارة الدعوة والإرشاد الديني قد ركزت على موضوع الحفاظ على الممتلكات العامة، ضمن دروس لقاء الثلاثاء على مستوى الدولة وفي أكثر من منطقة، وقد استضاف 13 جامعا ومسجدا دعاة الوزارة بعد صلاة العشاء مع وجود أماكن للنساء في المساجد الثلاثة عشر، وتحدثوا عن سلوكيات فيها اعتداء على الممتلكات العامة وحرمتها شرعا، وكيفية التوبة ورد الممتلكات إلى مواقعها. وقال محمد المحمود مدير إدارة الدعوة والإرشاد الديني بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية إن لقاء الثلاثاء حول الحفاظ على الممتلكات العامة كان من الأهمية بمكان، حيث إنه تطرق إلى موضوع حيوي وجذاب يساهم في التعريف بمدى أهمية ومكانة المحافظة على الأموال والممتلكات العامة، خاصة أن الكثيرين لا يفقهون شدة حرمة الاعتداء على المال العام أو إتلاف الأموال العامة، ولهذا فإن هذه القضية من القضايا المهمة التي تحتاج إلى تذكير وبيان لأهميتها ومكانتها في النهضة والتقدم بالمحافظة على الممتلكات العامة وعدم إتلافها. وبين المحمود أن المشايخ والدعاة حفظهم الله تطرقوا في أحاديثهم إلى موضوع الممتلكات العامة بشرحه من أكثر من جانب، حيث تناول الشيخ د. محمد حسن المريخي الموضوع من جانب الاعتداء وقول الله تعالى: «ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة»، أما الشيخ المحمدي فتحدث عن أهمية ومكانة المحافظة على المال العام وأنه من الرعاية التي أمر بها النبي صلى الله عليه وسلم وعرف بها، بقوله «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته»، كما أن الشيخ بدر الدين حذر من الإفساد في الأرض بالاعتداء على هذه الممتلكات. العبث بالممتلكات العامة محرم شرعا وقال الداعية الإسلامي الشيخ موافي عزب عن ظاهرة العبث بالممتلكات العامة: إن مثل هذه التصرفات لا تجوز شرعاً لما فيها من تشويه للصورة الجمالية، التي ينبغي أن تكون عليها البيئة العامة والمدينة المسلمة، ولما فيها من اعتداء على حق الآخرين في الاستمتاع بالحدائق النظيفة واستخدام وسائل المواصلات والمدارس التي تعتبر ملكاً عاماً للجميع. وأكد الشيخ موافي عزب عدم جواز الكتابة التي تشوه واجهات المباني العامة؛ لما في ذلك من تأثير على منظرها، حتى وإن كانت العبارات لا تحمل كلمات غير شرعية أو جارحة؛ لوجود جهات مسؤولة عن مثل هذه النصوص والإرشادات المكتوبة ونصب اللوحات واللافتات التحذيرية، كما أن الخطر الذي ينتج عن طمس الأبعاد والسرعات التي تحددها لافتات المرور قد يؤدي إلى عواقب وخيمة، ويفقد هذه الشاخصات دورها المهم في حماية أرواح الناس. وأضاف الشيخ عزب: «المال العام هو المال الذي تملكه الدولة المسلمة، ويحقق منفعة عامة لجميع سكانها، والاعتداء عليه بأية صورة من الصور يعتبر اعتداءً على المسلمين جميعاً، لذلك يتعين على الجميع الوقوف في وجه من علموا أنه يلحق ضرراً بالمال العام بأي وجه من الوجوه؛ لأنه ليس مالاً خاصاً يمكن لشخص واحد أن يقدم شكوى لجهة بعينها، وإنما هو مال للكل، وينبغي أن يحافظ عليه الجميع لما فيه من فوائد، فالاعتداء على وسائل المواصلات العامة ومقاعد الدراسة أو الطريق العام والأشجار المثمرة وغيرها اعتداء على كل المواطنين والمقيمين على أرض الدولة، وكل سيطالب بحقه من هذا المعتدي يوم القيامة؛ لأنه ليس ملكاً لشخص بعينه». ما واجبنا تجاه المال العام؟ فضيلة الشيخ سعيد مصطفى دياب الباحث الشرعي بمعهد الدعوة والعلوم الإسلامية بالأوقاف، تحدث عن المقاصد من تحريم الاعتداء على الأموال والأنفس والأعراض والكليات، وقال إنَّ الله -سبحانه- حرَّم الاعتداء على مال الغير بأيِّ نوعٍ من العُدوان، وجعَلَه ظُلما يكون ظلمات يوم القيامة، ووضَعَ له عقوبات دنيويَّة بالحدِّ أو التعزير بما يتناسب وحَجْم الاعتداء وأهميَّته، فإنه حرَّم علينا الاعتداء على الممتلكات العامَّة، التي ليس لها مالِكٌ معيَّنٌ؛ فهي مِلْكٌ للجميع، ولكلٍّ فيها قدرٌ ما يجبُ احترامه، والظُّلم فيه ظُلمٌ للغير وللنفْس أيضا، والله لا يحب الظالمين، ولقد قال الله في الغنائم التي هي مِلْك للعامَّة: ?وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ?، وقال النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - فيمَن استغلَّ وظيفتَه ليكْسِبَ بها لنفسه، حينما جاء بما جَمَعه من الصَّدقات المفروضة، واحتجزَ لنفسه الهدايا التي قُدِّمَتْ إليه، قال: «هلاَّ جَلَس في بيت أبيه وأُمِّه؛ حتى ينظرَ أيُهْدَى إليه أم لا». وحذَّر من مَجيء هذه الأموال المختلسة شاهِدَ إدانة عليه يوم القيامة يَحملها على ظَهْره، ولا مُجير له يدافعُ عنه، كما بيَّن أنَّ مَن وُلِّيَ على عملٍ وأخَذَ أَجْره، كان ما يأخذه بعد ذلك غُلولاً، والخلفاء الراشدون والسلف الصالح كانوا قُدوة طيِّبة في التعفُّف عن الأموال العامَّة، التي هي حقُّ المسلمين جميعا، فكانوا لا يأخذون من بيت المال إلاَّ حاجتهم الضروريَّة؛ كما قال أحدُهم: أنا في مال المسلمين كوَلِي اليتيم؛ حيث يقول الله - تعالى -: ?وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ?، ولَمَّا قاتَلَ الصحابة الفُرس وهَزَموهم، وأخْمَدَ الله نارَ المجوس، وجدوا تاجَ كِسرى وبِسَاطه، واللآلئ والجواهر، ووجدوا دُوراً مَليئة بأواني الذهب والفضة، ووجدوا كافورا كثيرا جدّا، ظنُّوه مِلْحا، خَلَطوه بالعجين، فصار العجينُ مُرّا، فعَرَفوا أنه ليس بِمِلْحٍ، ولَمَّا قَسمَ سعد الغنائِمَ، حصَلَ الفارس على اثني عشر ألفا، وكانوا كلُّهم فُرسانا، كانوا في معركة بدرٍ ليس معهم إلا فارس، وبعضُهم يتعاقبون بعيرا، وبعضهم مُشَاة، حتى عُقْلَة البعير لا يجدها، وبعَثَ سعد أربعةَ أخماس البِساط إلى عُمر، فلمَّا نَظر إليه عمر، قال: «إنَّ قوما أدوا هذا لأُمَناء»، فقال عَلِي: «إنَّك عَفَفْتَ فعفَّتْ رعيَّتُك، ولو رتَعْتَ لرَتَعُوا»، ثم قَسمَ عمر البِسَاط على المسلمين، فأصابَ عليّا قطعةٌ من البِسَاط، فبَاعَها بعشرين ألفًا». ورَحِم الله عمر بن عبدالعزيز سليل الأماجِد الطاهرين، الذي كان ينظرُ في أمور الرعيَّة على ضوء مصباح في بيته، فلمَّا انتهى وبدأ النظرَ في أموره الخاصَّة، أطْفَأَ المصباح؛ حتى لا يستعمل مالَ المسلمين في غير ما هو لعامَّة المسلمين، لقد كانتْ لهم مواقفُ رائعة في تعفُّفهم عن المال العام؛ ليَضربوا المثلَ لغيرهم على مدى التاريخ، ووقفوا بقوَّة أمام التصرُّفات التي يظنُّ أنَّ فيها مسَاسا بأموال المسلمين، فصادروا ما رأوه من هذا القبيل، وأوْدَعوه بيت المال، إنه لا يعصم من الانحرافِ بخصوص المال العامِّ إلا رقابةُ الله - تعالى - الذي لا تَخفى عليه خافيةٌ في الأرض ولا في السماء، وإلاَّ الإيمانُ بأنَّ كلَّ لحمٍ نَبَت من سُحْتٍ، فالنارُ أوْلَى به، وإلاَّ حُسْنُ اختيار من تُوكَل إليهم الأمور على أساس الخبرة والأمانة؛ كما قال يوسف للعزيز: ? اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ? [يوسف: 55]. كيف نرد المال العام؟ الداعية فضيلة الشيخ بدر الدين محمد عثمان الخبير الشرعي بإدارة الدعوة والإرشاد الديني ركز على التحذير من الفساد وعاقبته، وقال في محاضرة له بعنوان «وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ» إن الاعتداء على المال العام أمرٌ خطير، وذنبٌ عظيم، وجُرْمٌ كبير، والواجبُ على مَن أخَذَ منه شيئا أنْ يتوبَ إلى الله - تعالى - وأنْ يَرُدَّ ما أخَذَ؛ لأنَّ الأصلَ في المال العام أو شِبه العام - ونعني به مال الدولة والمؤسَّسات العامَّة والشركات الخاصَّة - هو المنْعُ، خصوصا أنَّ نصوصَ الكتاب والسُّنة قد شدَّدتِ الوعيد في تناول المال العام بغير حقٍّ، وقد جعَلَ الفقهاءُ المالَ العام بمنزلة مال اليتيم؛ في وجوب المحافظة عليه، وشِدَّة تحريم الأخْذِ منه، ويُستثنَى من ذلك ما تَعَارَف الناس على التسامح فيه من الأشياء الاستهلاكيَّة، فيُعْفَى عنه باعتباره مأْذونا فيه ضِمنا، على ألاَّ يتوسَّعَ في ذلك؛ مُرَاعاة لأصْل المنْع، على أنَّ الوَرَع أوْلَى بالمسلم الحريص على دينه؛ «ومَن اتَّقى الشُّبهات، فقدِ استبرَأَ لدينه وعِرْضه». والقائم بالاعتداء على المال العام بسرقة أو نهب ونحوه، مُعْتَدٍ على عموم المسلمين لا على الدولة فقط، ومَن أخَذَ شيئا من هذا، فإنه لا يَملكه، والواجب عليه رَدُّه إلى بيت المال - خزينة الدولة - لِمَا روى أحمد وأبو داود والترمذي عن سَمُرة بن جُنْدَب - رضي الله عنه - عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: «على اليدِ ما أخَذَتْ، حتى تُؤَدِّيَه»، وقال ابن قُدامة - رحمه الله -: «إذا ثبَتَ هذا، فمَن غصب شيئًا، لَزِمَه رَدُّه إنْ كان باقيا بغير خِلافٍ نَعْلَمه»، وهذا الردُّ مِن تمام التوبة، فإنه يُشترط لصحة التوبة رَدُّ المظالِم والحقوق إلى أهلها، مع الندَم والاستغفار، والعَزْم على عدم العود لذلك، لكن إذا تعذَّر الردُّ إلى بيت المال، فإنه يتصدَّق بما بَقِي من المال على الفقراء والمساكين، وإنْ كان فقيرا، جازَ أن يأخذ منه قَدْرَ حاجته، وأمَّا ما سَبَق أكْلُه وإنفاقُه وصَرْفُه، فنرجو أنْ يعفوَ الله عنه. ويَلزم مَن أخذَ شيئاً من المال العام من أيِّ طريقة أنْ يردَّه إلى مَحلِّه، ولو سبَّب ذلك حَرَجاً له، فإنْ عجَزَ الإنسان عن إرجاع ما أخَذَ أو سيُسبِّب حدوثَ مَفْسدة أكبر بإرجاعها، فإنها تُجْعَل في مَنْفعة عامَّة للمسلمين؛ قال النَّوَوي في «المجموع»: «قال الغزالي: إذا كان معه مالٌ حرامٌ وأرادَ التوبة والبراءَة منه، فإنْ كان له مالِكٌ مُعينٌ، وجَبَ صَرْفُه إليه أو إلى وَكيله، فإن كان مَيِّتاً وجَبَ دَفْعُه إلى وارِثه، وإنْ كان لمالكٍ لا يَعرفه، ويَئِس من معرفته، فينبغي أن يَصْرِفَه في مصالح المسلمين العامَّة؛ كالقناطر والرُّبُط، والمساجد ومصالح طريق مكة، ونحو ذلك مما يَشترك المسلمون فيه، وإلا فيتصدَّق به على فقيرٍ أو فقراء، وينبغي أن يتولَّى ذلك القاضي إن كان عفيفاً، فإنْ لَم يكنْ عفيفاً، لَم يَجُز التسليم إليه، وإذا دَفَعه إلى الفقير لا يكون حراماً على الفقير، بل يكون حَلالاً طيِّبا، وله أن يتصدَّقَ به على نفسه وعِيَاله إذا كان فقيراً؛ لأنَّ عِيَالَه إذا كانوا فقراءَ فالوصْفُ موجودٌ فيهم، بل هم أَوْلَى مَن يتصدَّقُ عليه، وله هو أنْ يأخذَ منه قَدْر حاجته؛ لأنَّه أيضا فقيرٌ، وهذا الذي قاله الغزالي في هذا الفرْع، ذَكَره آخرون من الأصحاب، وهو كما قالوه، ونقَلَه الغزالي أيضا عن معاوية بن أبي سفيان وغيره من السلَف، عن أحمد بن حنبل، والحارث المحاسبي، وغيرهما من أهْل الوَرَع، والله - سبحانه وتعالى - أعلم».