الإسلام بين العلماء والحكام «2-3»

alarab
الصفحات المتخصصة 25 نوفمبر 2016 , 05:57ص
سالم الراشدي
إذا صلح حال العلماء والحكام صلح حال الأمة، وإذا فسد حال الحكام وصلح حال العلماء كانت لهم التبعية من الحكام بقوة الشرع وهداية الطريق إلى الحق والعدل وموافقة الفطرة، وقد سجل التاريخ لكثير من علماء الأمة الإسلامية مواقف مشرفة في غاية القوة والشجاعة أمام حكام عصرهم ممن آثروا التسلط والظلم على العباد، فجالدهم العلماء بالحجة والبرهان والثبات على شرع الله وعدم الخروج على أحكامه ونعرض هنا نماذج من هذه المواقف في عدة مسائل وهي:
العلماء يحاكمون الحكام
جعل الله محاسبة الحكام فرض كفاية على عموم الأمة قال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ}.
وجعل محاسبتهم على العلماء فرض عين، لأن العلماء هم حماة الدين الحقيقيون والمبلغون لأحكامه، قال سبحانه: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ}، وإنكار المنكر هو المحاسبة، والأمر بالمعروف هو النصيحة.
وقد فهم الحكام الصالحون الأوائل هذا الحق الذي عليهم للأمة، فهذا الخليفة أبوبكر الصديق رضي الله عنه قال: «فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله فيكم».
وقال الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «من رأى منكم فيّ اعوجاجا فليقومه»، والتقويم معناه المحاسبة. والخليفة علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان يقول لولاته: «اقبلوا محاسبة من حاسبكم».
وقد خطب معاوية رضي الله عنه يوما وقال: «أيها الناس اسمعوا وأطيعوا»، فقام أبومسلم الخولاني وقال: «لا سمع ولا طاعة يا معاوية»، فقال: «ولمَ؟» فقال: «قطعت عطايا كنت تعطيها لبعض الجند فأرجعها، فإنك لا تعطي من مال أبيك ولا من مال أمك»، فقال معاوية: «صدقت» وأمر بإعادة العطاء.
وقال الإمام سفيان الثوري للخليفة أبوجعفر المنصور: «كم صرفت في حجك؟» قال: «لا أدري، لي أمناء ووكلاء»، فقال سفيان: «حج عمر بن الخطاب رضي الله عنه فلما انتهى من الحج سأل عامله كم صرفت؟ فقال: ثمانية عشر دينارا، فغضب عمر وقال: أجحفنا بيت المال، ثم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «رب متخوض -أي يخوض فيه- في مال الله ومال رسوله فيما شاءت نفسه له النار غدا».
الحكام يسألون العلماء
يجب على العلماء الإجابة على أسئلة الحكام بالحكمة واللين والموعظة الحسنة، ولكن إذا ظهر من الحاكم المساومة في الحق فعلى العالِم أن يظهر صلابته في الذي يراه أنه الحق ويحرُم عليهم المداهنة بخلاف الحق، ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: «سيد الشهداء حمزة بن عبدالمطلب ورجل قام إلى إمام ظالم فأمره ونهاه فقتله».
جيء بالعالم الشاب حطيط بن الزيات رحمه الله إلى الحجاج بن يوسف بعد ثورة عبدالرحمن بن الأشعث على الحجاج، فقال الحجاج: أنت حطيط؟ قال: نعم سل عما بدا لك، فقد عاهدت الله عند المقام على ثلاث خصال: إن سئلت لأصدقن، وإن ابتليت لأصبرن، وإن عوقبت لأشكرن ولأحمدن الله على ذلك، فقال الحجاج: ما تقول فيّ؟ قال: من أعداء الله في الأرض تنتهك المحارم وتقتل بالظِّنة، فقال: ما تقول في عبدالملك بن مروان؟ فقال حطيط: أنت شررة من شرره، وهو أعظم جرما منك. فشقت له القصب وشدوا عليه الحبال حتى انتحلوا لحمه فمات شهيد رحمه الله.
العلماء ينصحون الحكام
يحرص العلماء على مبدأ النصيحة والموعظة الحسنة انطلاقا من قوله صلى الله عليه وسلم: «الدين النصيحة» قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: «لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم»، لأن إبداء النصيحة للحكام أجدى من الثورة عليهم والخروج على سلطانهم ونصيحة الحكام فيها خير كثير للناس؛ لأنها تثمر الاستجابة السريعة لهم ولمن يتولون حكمهم.
كتب الإمام مالك إلى هارون الرشيد بنصيحة مطولة جاء فيها: «اذكر نفسك في غمرات الموت وكربته وما هو نازل بك منه في العرض والحساب، فإنك لو رأيت سخط الله على أهل النار وما أعده لهم من العذاب وقوله لهم: {اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ} ثم قال: لا تأمن على شيء من أمرك من لا يخاف الله، فإنه قد بلغني عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: «شاور في أمرك الذين يخافون الله»، وقد تقبل الرشيد النصيحة بقبول حسن، وهكذا واجب على حكام المسلمين أن يسمعوا نصائح من ينصحهم من الصادقين وخاصة العلماء لأن نصحهم يحتوي في الغالب على حكم شرعي.
العلماء ومِحَن الحكام
اقتضت حكمة الله أن يفتتن الناس في دينهم وخاصة العلماء، قال تعالى: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ}، ومن المعتاد أن الحكام الظلمة يبطشون بمن ينكر عليهم أخطاءهم، إما بالتعذيب أو بالقتل أو بالإهانة والإذلال، ومن هذه المحن التي لاقاها بعض العلماء: طلب عبدالملك بن مروان مبايعة ابنه الوليد بن عبدالملك خليفة له، فبايعه أهل الأمصار إلا سعيد بن المسيب رفض المبايعة، فكتب عبدالملك إلى واليه في المدينة أن احمل سعيد بن المسيب على البيعة أو اضرب عنقه، فرفض ذلك وقال: ما أنا مبايع الوليد لأن بيعة سليمان في عنقي. فضربه الوالي خمسين سوطا وطافوا به في الأسواق ومُنع من مجالسة الناس.
والمراد من ذكر هذه المواقف للعلماء من بعض الحكام هو بيان رأي العالم الواجب عليه شرعا تجاه الحاكم، فإن كان صالحا أعانوه على ذلك، وإن كان ظالما وقفوا أمامه بكل صلابة لإرجاعه إلى الحق.