

في كل عام، يعود الصوت نفسه من القدس الشرقية، صوت صفارات الإنذار التي دوّت في إحدى ليالي أغسطس 1969، حين اندلعت النيران في المسجد الأقصى. الحريق لم يكن مجرد حادثة منفصلة، بل نقطة تحول في مسار طويل من السياسات التي تستهدف الهوية الإسلامية للمكان، وتندرج ضمن ما يوثّقه الفلسطينيون والمنظمات الحقوقية الدولية كجرائم متراكمة للاحتلال الإسرائيلي في الأراضي المحتلة منذ 1967.
وتبقى ذكرى حريق الأقصى حية لأن الحريق لم يُطفاً فعلاً، فالنيران أُطفئت في 1969، لكن السياسات التي رافقتها استمرت وتطورت. في ذكرى الحريق، لا يقتصر الأمر على إحياء ذكرى تاريخية، بل هو تذكير بأن المسجد الأقصى ما زال تحت تهديد يومي.
ليلة حزينة
في الساعات الأولى من الصباح منذ 57 عاماً اندلعت النيران في الجزء الجنوبي الشرقي من المسجد الأقصى، تحديداً في مصلى قبة السلسلة والمنبر الذي كان قد بناه صلاح الدين الأيوبي.
وامتدت النيران بسرعة إلى أجزاء من المسجد، وأتلفت المنبر التاريخي ومساحات واسعة من السقف والجدران، واستغرق إخماد الحريق ساعات، بمشاركة فرق إطفاء فلسطينية وأردنية، وسط حالة من الذعر والغضب في المدينة القديمة.
شهادات الشهود والتقارير المختلفة، أكدت أن الحريق لم يكن عملاً فردياً معزولاً، وكشفت عن أن قوات الاحتلال منعت في البداية وصول فرق الإطفاء الفلسطينية، وقطعت المياه عن المنطقة، مما ساهم في انتشار النيران.
كما سُجلت تصريحات لمسؤولين سابقين بسلطة الاحتلال، ومخططين دينيين تتحدث عن «إعادة بناء الهيكل» في موقع المسجد.
ومن جانبها أدانت الأمم المتحدة، الحادث في قرارات عدة، واعتبرته اعتداءً على أحد أقدس المواقع الإسلامية، ومنذ ذلك اليوم، أصبحت ذكرى الحريق مناسبة سنوية للتذكير بأن المسجد الأقصى ليس مجرد مبنى، بل رمز سياسي وديني يتعرض لضغوط مستمرة.
من الحريق إلى التهويد
بعد الحريق، تسارعت خطوات تغيير الواقع على الأرض في الحرم القدسي وفي محيطه، ومن أبرز تلك الخطوات، الحفريات والأنفاق، فمنذ سبعينيات القرن الماضي، أجرت سلطات الاحتلال حفريات أثرية تحت المسجد وفي محيطه، خاصة في الجهة الجنوبية والغربية.
ووثّقت تقارير دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس ومنظمات مثل «مرصد الأقصى» أن هذه الحفريات أدت إلى تصدعات في جدران المسجد وتغيير في طبقات التربة، مما يهدد استقرار البناء، في محاولة لإثبات مزاعم بوجود هيكل سليمان تحت المسجد وتبرير السيطرة عليه.
ومنذ الثمانينيات من القرن الماضي، ومع تصاعد نفوذ الجماعات الدينية القومية، أصبحت الاقتحامات المنتظمة لساحات الأقصى ظاهرة يومية تقريباً، وتحت حماية شرطة الاحتلال الإسرائيلي، حيث يدخل مئات المستوطنين يومياً، ويؤدون صلوات تلمودية في الساحات الشرقية والجنوبية، في انتهاك للوضع القائم التاريخي، وتسجل كل من وزارة الأوقاف الأردنية ودائرة الأوقاف في القدس المحتلة أرقاماً متزايدة كل عام؛ في بعض السنوات تجاوز عدد المقتحمين عشرات الآلاف، وفي المقابل يتم فرض نظام تصاريح مشدد على الفلسطينيين لدخول المسجد، خاصة في أيام الجمعة والأعياد، ويُمنع الشبان دون سن معينة، ويُغلق المسجد لساعات طويلة أثناء الاقتحامات، وقد وثقت تقارير منظمات حقوقية مثل «هيومن رايتس ووتش» حالات اعتداء على المصلين واعتقالات جماعية داخل الحرم.
أما مشاريع الاستيطان المحيطة، فهي مستمرة في سلوان ورأس العامود والشيخ جراح، بهدف تطويق البلدة القديمة وقطع التواصل الجغرافي الفلسطيني، كما قامت منظمات استيطانية بالاستيلاء على منازل فلسطينية وتحوّيلها إلى بؤر استيطانية.
وسياسات الاحتلال في الأراضي المحتلة ليست منفصلة عن بعضها، بل هي جزء من رؤية أوسع تتبناها أحزاب يمينية وجماعات دينية إسرائيلية، زعم أن في المسجد الأقصى «جبل الهيكل» وتسعى إلى تقسيم زماني ومكاني، وربما إلى بناء كنيس أو هيكل في جزء منه.
جرائم أوسع
حريق 1969 لم يكن البداية ولا ليس النهاية، فالاحتلال الإسرائيلي منذ 1967 يرتكب سلسلة من الانتهاكات الموثقة دولياً في الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة، منها مصادرة الأراضي وبناء المستوطنات التي تعتبرها محكمة العدل الدولية غير قانونية، بالإضافة إلى هدم المنازل كعقاب جماعي، والاعتقالات الإدارية بدون تهمة، والقيود على الحركة و حصار غزة، واستخدام القوة المفرطة ضد المتظاهرين والمصلين.
وتصف تقارير الأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان و»هيومن رايتس ووتش» و»أمنستي إنترناشونال» هذه الممارسات بـ»جرائم حرب» و»جرائم ضد الإنسانية» في بعض الحالات، خاصة ما يتعلق بالاستيطان والتهجير القسري.
وتهدف سياسة التهويد في القدس المحتلة تحديداً، إلى تغيير التركيبة الديموغرافية والدينية للمدينة، بما يخالف القانون الدولي واتفاقيات جنيف.