3 انتفاضات هزت عرش القذافي
حول العالم
25 أغسطس 2011 , 12:00ص
طرابلس - العرب
لم يكن خروج الشعب الليبي وانتفاضاته ضد نظام القذافي في 17 فبراير الماضي، هو الأول منذ 42 عاما هي فترة حكم العقيد الليبي، بل سبقه ثلاث انتفاضات كادت تودي بحكمه لولا الدموية والعنف الشديدان اللذان قمع القذافي بهما تلك الانتفاضات.
انتفاضة الطلاب (1976)
هي أول انتفاضة تتحدى حكم العقيد القذافي، فمع مطلع عام 1976 اقتحم أكثر من 70 مسلحا من قوى الثورة الحرم الجامعي في جامعة بنغازي, وكانوا مدججين بالسلاح والعصي والسكاكين والسلاسل، وتعرضوا خلال الهجوم إلى الطلبة والطالبات العزل بالضرب، كما قام بعضهم بحرق بعض سيارات الطلاب وهددوا قيادة اتحاد الطلاب بالتصفية إذا لم يعلنوا تخليهم عن فكرة الاتحاد العام لطلاب ليبيا، وانتهت المواجهة بتدخل الشرطة وفك الاشتباكات بين الطلاب العزل وقوى الثورة.
وبعدها، قام طلاب جامعة بنغازي بالاعتصام في الحرم الجامعي، منددين بالجرائم التي ارتكبتها عناصر قوى الثورة، وتظاهروا وسط المدينة في بنغازي, ولكن بعد ساعات من السير في الشوارع، حاصرت قوات الحرس الجمهوري الطلبة المتظاهرين من كل جانب وأطلقوا النار عليهم مما أدى إلى سقوط طالب ووفاة آخر في المستشفى فيما بعد.
وما إن انتشرت الأخبار حول الصدام الذي تم بين طلبة جامعة بنغازي وقوى الثورة وعناصر الأمن حتى عمت مظاهرات التنديد كليات طرابلس وبعض المدارس والمعاهد، وذلك في 6 يناير من عام 1976. فيما قامت الحكومة بإخراج مسيرات تأييد من قوى الثورة الذين بينوا أنهم على أتم الاستعداد للمواجهة المسلحة. كما قامت المباحث العامة باعتقال قيادات الحركة الطلابية وأعدمت اثنين من الطلبة شنقا في 7 أبريل من عام 1977. وقرر طلبة جامعة طرابلس الاعتصام أمام مكتب المدعي العام مطالبين بتنفيذ القانون ومحاكمة قوى الثورة خاصة الذين أطلقوا النار على المتظاهرين.
كما قرر الطلاب في مدينة بنغازي الخروج إلى شوارع المدينة في مظاهرة غاضبة، وعندما اعترضتهم قوات الحرس الجمهوري واجهوها بالحجارة وقنابل المولوتوف حتى تغير الموقف تماما وسيطر الطلاب على وسط مدينة بنغازي تماما، ثم قام بعض المواطنين الذين انضموا للمظاهرة بتفجير عبوات الجيلاتينه في مبنى الاتحاد الاشتراكي العربي الليبي، فأطلقت قوات الحرس الجمهوري النار على المتظاهرين مما أدى إلى سقوط العديد من الجرحى وقامت قوات الحرس الجمهوري باعتقال المئات. وعندما تبين أن المئات من الموظفين والتجار والعمال والمدرسين والحرفيين انضموا إلى صفوف الطلاب، أصدر القذافي أوامره بضرورة السيطرة الكاملة على الموقف والقضاء على الانتفاضة بأي ثمن, ولو أدى ذلك إلى احتلال مدينة بنغازي بالأسلحة الثقيلة. وفي مساء 7 يناير من عام 1977 عقد عضو مجلس قيادة الثورة اجتماعا مع عدد من القيادات الطلابية لمناقشة مطالبهم مقابل التوقف عن التظاهر في المدينة.
وفي اليوم التالي حاول وفد من قيادات الطلاب في جامعة طرابلس السفر إلى جامعة بنغازي للاطلاع على مجريات الأحداث والاتصال بإخوانهم فيها ولكن الحكومة منعتهم من السفر, مما أدى إلى استفزاز الطلبة وغضبهم, حيث قام عدد منهم باحتلال مكاتب الاتحاد الحكومي. وفي اليوم نفسه أعلن طلبة جامعة طرابلس أنهم ينوون التجمع أمام مسجد مولاي محمد بعد صلاة الجمعة والتحرك من هناك نحو وسط المدينة في مسيرة احتجاج على تصرفات قوى الثورة حيال الحركة الطلابية. فتدخل الرائد الخويلدي الحميدي في نفس الليلة وسعى إلى عقد اجتماع مع قيادات الحركة الطلابية في طرابلس وطلب منهم التراجع عن المسيرة بعد أن استلم مطالبهم وأبدى تعاطفه معهم واعدا إياهم بالتحقيق في الموضوع واتخاذ الإجراءات الضرورية لوقف المواجهة ومعاقبة الجناة.
قام الطلبة الليبيون الدارسون في الخارج باحتلال بعض السفارات الليبية احتجاجا على أساليب الحكومة في التعامل مع مطالب الحركة الطلابية، وقد احتل عناصر الحركة الطلابية سفارات ليبيا في القاهرة (8 يناير) ولندن (12 يناير) وواشنطن (12 يناير) وكانت مطالب الطلبة تتلخص في إطلاق سراح المعتقلين ومحاكمة قوى الثورة ورفع الوصاية على الاتحاد العام لطلبة ليبيا.
شن القذافي حملة على الحركة الطلابية في أكثر من خطاب ولمدة 3 أيام متتالية متهما الطلاب بالعمالة للمخابرات الأجنبية، ومعلنا أنه لن يسمح بتكوين اتحاد طلابي يتدخل في الشؤون السياسية للبلاد وأنه لن يتردد في أن يصفي الحركة الطلابية بقوة الحديد والنار.
رد الطلاب على حملة القذافي ببيان أصدرته رابطة جامعة بنغازي في السادس عشر من يناير 76، رفض الطلاب الأحرار فيه الاعتراف بالهيئة التنفيذية للاتحاد الطلابي الحكومي، كما أيد البيان لكل ما قام به الطلاب في الداخل والخارج وطالب بضرورة تشكيل لجان للإسراع في متابعة التحقيق في الإحداث حسب ما تم الاتفاق عليه مع الجهات المختصة.
وحين أصدر وزير التعليم قرارا بقطع المنح الدراسية عن عدد كبير من الطلاب الدارسين في الخارج الذين قاموا بالتظاهر والاعتصام داخل السفارات الليبية، ردت الحركة الطلابية ببيانات إدانة من فروع الاتحاد في بريطانيا وفرنسا وإيطاليا، ومن عدة تجمعات طلابية في ولايات ميتشغان وكولورادو وكاليفورنيا الأميركية خلال شهر فبراير.
مجزرة بوسليم (1996)
تعتبر مجزرة بوسليم إحدى أكبر المجازر الجماعية التي ارتكبها نظام العقيد معمر القذافي في ليبيا، حيث راح ضحيتها نحو 1200 معتقل معظمهم من سجناء الرأي.
وقعت المجزرة عندما داهمت قوات خاصة يوم 29 يونيو من عام 1996م سجن أبوسليم الواقع في ضواحي العاصمة طرابلس، وأطلقت النار على السجناء بدعوى تمردهم داخل السجن الذي يعد الأكثر تحصينا وحراسة في ليبيا، ثم قامت تلك القوات بدفن الجثث في باحة السجن, وفي مقابر جماعية متفرقة في ضواحي طرابلس.
وينتمي أغلب السجناء القتلى إلى جماعات إسلامية متعددة المشارب والاتجاهات، ورغم أن غالبيتهم ليبيون فإن من بينهم فلسطينيين وعربا آخرين.
ومن جانبهم، طالب أهالي الضحايا ومنظمات حقوق الإنسان طيلة سنوات بالكشف عن مصير السجناء، إلا أن نظام معمر القذافي بقي يتكتم على الجريمة وينكر حدوثها ويمنع أي حديث عنها، حتى عام 2009م عندما بدأ بإبلاغ أهالي القتلى نبأ وفاة أبنائهم. وخلال عامي 2009 و2010م صعّد أهالي الضحايا والمفقودين من تحركاتهم ووقفاتهم الاحتجاجية للمطالبة بمعرفة مصير جميع المعتقلين، والكشف عن أسباب الوفاة عبر تشريح الجثث، وفتح تحقيق يحدد المسؤوليات.
وفي مواجهة الضغوط عرض النظام الليبي منح أهالي الضحايا تعويضات تقدر بـ120 ألف دينار ليبي (98 ألف دولار) للأعزب، و130 ألف دينار (106 آلاف دولار) للمتزوج، مقابل عدم مقاضاة أجهزة الدولة في الداخل والخارج، ولكن الأهالي رفضوا تلك التعويضات وتمسكوا بحقهم في معرفة ما جرى في السجن وأماكن دفن القتلى ومعاقبة المسؤولين.
تولى قضية الدفاع عن الأهالي في مجزرة سجن أبوسليم محام ليبي اسمه فتحي تربل، وقامت السلطات الليبية باعتقاله في 15 فبراير الماضي عشية الموعد المحدد لانطلاق الاحتجاجات الليبية في 17 فبراير، ثم أطلقت السلطات سراحه فجر اليوم التالي بعد خروج مظاهرات في بنغازي تندد باعتقاله. ويقول تربل عن المجزرة: تمرد المعتقلون للمطالبة بشروط اعتقال أفضل وبمحاكمة عادلة وبالحق في تلقي زيارات، مضيفا أن هذا النظام القمعي والوحشي نفذ مجزرة بحقهم في ساعتين أو ثلاث ساعات وحاول طمس هذه الجريمة. ويعد أبرز المتورطين في المجزرة: خيري خالد، عبدالله السنوسي، خليفة حنيش، عمار لطيف، مصطفى الزائدي، موسى كوسا، واستخدمت في هذه المجزرة رمانات (قنابل يدوية) وبنادق الكلاشنكوف ورشاشات الأغراض العامة والغدارات وغيرها.
تعود تسمية سجن بوسليم إلى اسم منطقة بوسليم التي يوجد بها، وهي تقع إلى الغرب من العاصمة الليبية طرابلس، وقد افتتح السجن عام 1984م كمعسكر للشرطة العسكرية على مساحة تقدر بـ30 هكتارا، لكن مع ازدياد أعداد السجناء السياسيين أصبح يستخدم كمعتقل أيضا لسجناء الرأي والسياسة. وخلافا لبقية السجون، لا سلطة لوزارة العدل الليبية على سجن بوسليم الذي يتولى الأمن الداخلي الإشراف عليه والمسؤولية عنه، وهو ما يشكل مخالفة للقانون الليبي الذي يعطي الوصاية عن السجون لوزارة العدل.
انتفاضة الحجارة (2006)
قامت ثورة 17 فبراير ضد حكم القذافي في الذكرى الرابعة لانتفاضة 17 فبراير من عام 2006 في مدينة بنغازي، بعد أن خرج المواطنون في مظاهرة سلمية استنكاراً للرسوم المسيئة لرسول الله صلى الله عليه وسلم واحتجاجاً على التصريحات الاستفزازية التي أطلقها وزير إيطالي في حق الرسول الكريم. لكن نظام القذافي القمعي قابل هذه التظاهرة السلمية بطلقات الرصاص الحي والقنابل المسيلة للدموع وغيرها من أساليب القمع من أجل إسكات صوت الشعب الليبي الغاضب، فقتلت عددا من المتظاهرين وجرحت أعدادا أخرى، الذين ردوا للدفاع عن أنفسهم بإلقاء الحجارة على مهاجميهم. ولم يكتف حكم القذافي بارتكاب هذه المجزرة بل قام بتجييش قوات مدججة بالسلاح في استعراض لقوة القمع والقهر، الأمر الذي واجهه شباب بنغازي الأبطال بصرخات الرفض وأشعلوا انتفاضة استمرت عدة أيام وامتدت إلى مدن ليبية أخرى.