عذاب الله ليس هيناً.. علينا أن نخافه ونخشاه كما نرجو رحمته ونطمع في جنَّته
باب الريان
25 أغسطس 2011 , 12:00ص
لا إعياء ولا تعب في الجنة
{لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ}
لا يمسُّ أهل الجنة في الجنة نَصَب: أيْ إعياء. ولا تعب، لا يتعب من أيِّ شيء، لا يوجد فيها أي شغل، وأحيانًا بعضهم يطلب شغلًا ليتمتَّع به، كما ورد في الحديث الصحيح، عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوما يحدث وعنده رجل من أهل البادية: «أن رجلاً من أهل الجنة استأذن ربَّه في الزرع، فقال له: ألستَ فيما شئتَ؟ قال: بلى، ولكني أحب أن أزرع. قال: فبذر، فبادر الطرف نباته واستواؤه واستحصاده، فكان أمثال الجبال. فيقول الله: دونك يا ابن آدم، فإنه لا يشبعك شيء». فقال الأعرابي: والله لا تجده إلا قرشيًّا أو أنصاريًّا، فإنهم أصحاب زرع، وأما نحن فلسنا بأصحاب زرع. فضحك النبي صلى الله عليه وسلم.
فلا يوجد في الجنة تعب: {لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ}.
خلود أهل الجنة
{وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ}
أبداً، فهم غير مُبْعدين عنها بزوالٍ أو فناء، {عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} [هود:108]، لا يقعدون فيها ألف سنة ثم يخرجون، ولا مليون سنة، ولا تريليون سنة، بل خلودٌ للأبد، غير مقطوع، خالدين فيها أبدًا، كما قال الله تعالى: {أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا} [الرعد:35]، {هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآَبٍ * جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ * مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ * وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ * إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ} [ص:49-53]، لا ينفد ولا ينتهي، وهذا من مزايا نعيم الجنة: الخلود الأبدي. فإن تمام النعمة الخلود.
شرف العبوديَّة
{نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ}
ثمَّ قال الله تعالى بعدها، عن أهل النار وأهل الجنَّة: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ}.
{عِبَادِي}، هنا هل هم المذكورون في قوله تعالى: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ}؟ أم عباده جميعًا المذكورون في قوله: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ} [الزمر:53]، حتى الذين أقنطوا عبادُك!! لم تَحرمهم من العبوديَّة. كما يقول في موضع آخر: {أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أم هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ} [الفرقان:17]، فكلُّهم عباد.
وأنا أعتقد أنَّ المقصود هنا في الخطاب الجميع: {نَبِّئْ عِبَادِي}، العصاة والمطيعين. والمؤمنين والكافرين، نبِّىء الجميع هذه الرسالة، نبِّئهم: أي: أخبرهم الخبر الهام ذي الشأن، فالنبأ: هو الخبر الذي له شأن، ما هو هذا الخبر؟ أو ما هو هذا النبأ؟
توكيدات المغفرة والرحمة
{أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}
إنَّ الجملة الإسمية أوكد من الفعليِّة، والجملة المؤكدة بأنْ أو إنَّ أقوى من الجملة التي ليس فيها إنَّ ولا أنَّ، وبعد {أَنِّي}: {أَنَا} وهو ضمير مُؤكَّد، الخبر معرفة، وهو يفيد الحق، أي: أنِّى أنا الوحيد الغفور، كلُّ هذه تأكيدات، وبعد ذلك { الْغَفُورُ}، لا يقول: الغافر، لأنَّ الغفور صيغة مبالغة لاسم الفاعل (غافر)، والغفور هو كثير الغفران. والمغفرة: ستر الذنوب في الدنيا، والتجاوز عنها في الآخرة. وليس هناك ذَنْبٌ يستعصي على المغفرة، كما قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر:53]، كُلُّ ذنب حتى الشِّرك يُغْفَرُ بالتوبة: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال:38].
{أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}، ورحيم أيضًا صيغة مبالغة لاسم الفاعل (راحم). فلم يقُل: أنا الغافر الراحم. ولكن قال: {أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}، هذه من صيغ المبالغة في القرآن.
كم مرة ذُكرت كلمة الرحيم مُعرَّفة ومُنَكَّرة في القرآن؟
فقد ذُكرت كلمة: (الرحيم) في كتاب الله معرَّفةً أربعةً وثلاثين مرة.
وذُكرت كلمة (رحيم) مُنكَّرة واحدًا وستين مرة، وذكر (رحيمًا)، عشرين مرة، فيكون مجموعها مئة وخمس عشرة مرة.
سرُّ ارتباط المغفرة بالرحمة وتقديم المغفرة على الرحمة
وقُرنت المغفرة مع الرحمة بصيغها المختلفة أربعة وستين مرَّة.
إنَّ مغفرة الله ورحمته تَسَع كلَّ شيء، والغفور هو الذي يعفُو عن الذنوب، ويمحوها ويسترها، فلا يبقي لها أثرًا، ولكن الرحيم هو الذي يُعطِي الثواب.
الغفور لن ينالك منه العقاب، والرحيم الذي يُعْطيك الثواب.
المغفرة تخلية، والرحمة تحلية.
الرحمة حتى تدخل الجنة، {فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [آل عمران:107]، وفي الجنة كلُّ شيء، ولذلك قالوا: الجنَّة فيها رحمة الله؛ لأنَّ الجنَّة مَظْهَرُ رحمة الله عزَّوجلَّ، فهو رحيمٌ يُعطي الجنة، ولذلك دائمًا يُقدِّم المغفرة على الرحمة.
استغفار الأنبياء وطلبهم الرحمة
سيدنا آدم وزوجه حينما شعرا بخطيئتهما قالا: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف:23].
وسيِّدنا نوح قال: {وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [هود:47].
وسيِّدنا موسى قال: {قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [الأعراف:151]، {رَبِّ لَوْ شئتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ} [الأعراف:155].
وقومه بعد أن علموا بضلالهم باتخاذهم العجل قالوا: {لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف:149].
والرسول محمد صلى الله عليه وسلم يقول كما أمَرَه ربُّه: {رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ} [المؤمنون:118].
والمؤمنون يقولون في دعائهم: {وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [البقرة:286]، {رَبَّنَا إِنَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران:16]. {رَبَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ} [المؤمنون:109] اغفر لنا وارحمنا، فالمغفرة مقرونةٌ بالرحمة، والرحمةُ مسبوقةٌ بالمغفرة، فنحن دائمًا نطلب المغفرة.
مؤكِّدات العذاب الأليم
وعذاب الله ليس عذابًا هيِّنًا: {وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ}، فانظر إلى هذه المُؤكِّدات: {أنَّ} وإضافة العذاب إلى الله عزَّ وجلَّ: {عَذَابِي} وضمير الفصل: {هُوَ}، ووصف العذاب بأنَّه: {الْعَذَابُ الْأَلِيمُ}، أي: المُؤْلم المُوجِع. فكلُّ هذه مُؤكِّدات تدلُّ على شدَّة العذاب.
تغليب جانب الرجاء
ولكن نجد فرقًا بين الصفتين، الأولى: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}، فجَعَل المغفرة والرحمة من أسمائه وصفاته، أنا الغفور الرحيم. ولم يقل هنا: وأنِّي أنا المُعذِّب. لا يوجد من أسمائه الحسنى: المُعذِّب.
فهناك ذَكَرَ الأسماء، وهنا ذَكَرَ الأفعال، {وَأَنَّ عَذَابِي}، فالعذاب من أفعاله، والمغفرة والرحمة من أسمائه وصفاته، وفرقٌ بين الفعل وبين الاسم والصفة.
{وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ}، وهذا يدلُّنا على أنَّ الرجاء أغلب، وأنَّ رحمة الله أثبت، فقد سَبَقَ قوله: {أنِّى أنا الغفور الرحيم} على قوله: {وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ}، وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما قضى الله الخلق، كتب في كتاب، فهو عنده فوق العرش: إنَّ رحمتي غلبت غضبي».
التوازن بين الرجاء والخوف
وبهذا علينا أن نخاف عذاب الله، ونخشى عذابه، كما نرجُو رحمته، ونطمع في جنَّته، كما وصف اللهُ بعضَ عباده الصَّالحين فقال: {يَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ} [الإسراء:57]، وكما وصف الإنسان المؤمن فقال: {أَمْ مَّنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ} [الزمر:9]، يحذر من ناحية ويرجو من ناحية أخرى، وبذلك يكون الإنسان في حالةِ توازنٍ بين الرجاء الخوف، فلا يغلب عليه الرجاء حتى يأمن مكر الله: {فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} [الأعراف:99]، ولا يغلب عليه الخوف حتى ييأس من رَوْح الله: {إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف:89]، وإنما يكون دائمًا بين الخوف والرجاء، وهذا شأن الإنسان المؤمن.
وصفُ النفس البشريَّة عند الإمام الغزالي
وقد شبَّه الإمام الغزالي النفس البشريَّة بالدابَّة، أحيانًا تكون دابَّة حرونًا، تحتاج أحيانًا إلى بعض الخضراوات والبرسيم لكي يسوقها، وتحتاج أحيانًا إلى العصا، فكذلك النفس تحتاج إلى الرجاء والخوف، وأن تكون في حالة توازن، وهذا ما نبّهتْ عليه الآية الكريمة: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ}، ومثل آيات كثيرة في القرآن الكريم: {غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ} [غافر:3]، وقوله: {اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المائدة:98]، {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ} [الرعد:6]، {وَفِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ} [الحديد:20]، {أَمْ مَّنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ} [الزمر:9].
وهكذا يجمع القرآن بين الخوف والرجاء، وبين ما يجلب الخوف ويجلب الرجاء، ليكون الإنسان المؤمن في حالة توازن، ويسير في طريقه إلى الله راغبًا في الخير راغبًا عن الشرِّ، مريدًا لرضوان الله تعالى، مبتعدا عن سخطه.
فتح باب الرجاء والأمل
{نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}، وبهذا يُرجَّي الناس، يُفتح لهم بابُ الرجاء والأمل، حتى لا يَيأَسُوا من رَوْحِ الله: {وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف:87]، ولا يقنطوا من رحمة الله: {لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر:53]، {قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ} [الحجر:56].
الجمع بين الرجاء والخوف
{وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ}
فهذا هو الرجاء، ثم يأتي بعد ذلك الخوف، ليجتمع الرجاء والخوف: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ}: لا يَغُرَّنَّكم مغفرتي ورحمتي، فَتَتَّكلوا عليها، وتفعلوا ما فعل اليهود الذين قال الله عنهم: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ} [الأعراف:168]، لا تتَّكلوا على المغفرة، لا بدَّ أن تخافوا أيضًا من بطشي ومن عذابي.
ثلاث قصص تتحقَّق فيها مظاهر الرحمة والعذاب
{وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ* إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ * قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ * قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ * قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ * قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ * قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ * قالوا إنا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ * إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ * فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ * قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ * قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ * وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ * فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ * وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأمر أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ * وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ * قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ * وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ * قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ * قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ * لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ * فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ * فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ * وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ} [الأعراف:51-77].
وبعد أن قال تعالى: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ* وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ}، ذكر ثلاث قصص تبيِّن كيف تتحقَّق مظاهر الرحمة الإلهيَّة، وكيف يتحقَّق العذاب الأليم، هذا ما تحكيه القصص التي قصَّها علينا القرآن، أو قصَّتها علينا السورة بعد ذلك. ذكرتْ السورة ثلاث قصص: قصَّة إبراهيم مع لوط، حينما جاءت في قصَّة واحدة، وقصة أصحاب الأيْكَة وهم قوم شُعيب، وقصَّة أصحاب الحِجْر وهم ثمود، الذين أُرسل إليهم صالح عليه السلام.
قصة ضيف إبراهيم
{وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ}
أما القصة الأولى فهي التي يقول الله تعالى فيها: {وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ}، نبِّئهم أي: نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم، ونبِّئهم، أي: عبادي عن خبر ضَيْف إبراهيم.
وكلمة «ضيف» تصلح للواحد وتصلح للجمع، ولذلك هنا ضَيْف إبراهيم جماعة، لم يكونوا واحدًا، ولكن كانوا جماعة، وفي سورة الذاريات: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا} [الذاريات:24]، ولذلك قال: {إِذْ دَخَلُوا علَيْهِ}، فهم مجموعة، {وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ} [الحجر:51].
أبو الضِّيفان
وإبراهيم كان يُسَمَّي أبا الضيفان؛ لأنه كان ممَّن يكرمون الضيف، ويفتحون أبوابهم للضيوف، مَنْ عرَفهم ومَن لا يعرفهم، هناك أناس يكرمون الضيوف إذا عرَفوهم وكانت لهم بهم صلة، ولكنَّ إبراهيم يُكرم كلَّ ضيف، كلَّ غريب عن البلد يستضيفه عنده، فاستضاف هؤلاء القوم الذين لا يعرفهم، وذَبَح لهم عجلاً حنيذاً مشويّاً، وقرَّبه إليهم.
من كرم الضيافة أن تُقرِّب الطعام إلى المَضِيف، تُقدِّمه له، وتُقرِّبه إليه، فحينما قدَّم إليهم هذا العجلَ المشويَّ، لم يأكلوا منه: {فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً} [هود:70]، الضَّيْف عندما يقدَّم له الطعام ويأْبَى أن يأكل منه، لا بدَّ أن يخاف صاحب البيت منه، ماذا يريد هذا الضيف؟
الفرق بين قول الملائكة: (سلامًا) وقول إبراهيم: (سلام)
{إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ}
هم قالوا: سلامًا. وإبراهيم قال: سلام. يقولون في العربية: إنَّ (سلامٌ) أوكد من (سلامًا)؛ لأنَّ (سلامًا) هذه جملة فعلية، أي: نُسَلِّمُ سلامًا، إنَّما (سلامٌ) جمله اسميَّة، أي: سلامٌ منِّي، أو تحيتي سلامٌ؛ ولذلك قال الله تعالى: {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا} [النساء:86].
فإبراهيمُ ردَّ التحيَّة بأحسَنَ منها، قال: سلامٌ. ثم قال: {قَوْمٌ مُنْكَرُونَ} [الحجر:62]، أنكر وجوهَهم، ليسوا معروفين له، وكما ذكرت السُّورة الأخرى، زاد في إنكاره أنهم لم يأكلوا من طعامه، {فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً} [هود:70].
{قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ } [الحجر:52]: فَزِعُونَ خائفون؛ لأنهم لم يأكلوا من طعامه، وهذا أدَّى إلى الخوف منهم.
البُشرى بالغلام العليم
{قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ}
{قَالُوا لَا تَوْجَلْ}، كشفوا عن حقيقتهم، وعرَّفوه أنهم ملائكة من الله عزَّ وجلَّ.
{إِنَّا} رسل ربك {نُبَشِّرُكَ}، نُبلِّغك ما يسرُّك ويُسْعدك، {بِغُلَامٍ} شاب بالغ، {عَلِيمٍ} ذي علم كثير. قَدِمُوا إليه وبشَّروه بغلام عليم، قالوا: إنَّ هذا الغلام هو إسحاق عليه السلام؛ لأنَّ إسماعيل جاءته به البشرى: {فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ} [الصافات:101].
إنَّ سيدنا إبراهيم رزقه الله غُلامين على الكبر، كما ذكرنا في سورة إبراهيم، قال: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ} [إبراهيم:29].
فإسماعيل أوَّل من بُشِّرَ به بعد أن نُجّي من النار، قال: {رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ * فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ} [الصافات:100- 101].
الغلامُ الحليمُ والغلامُ العليمُ
إسماعيل غلامٌ حليمٌ، وإسحاق غلامٌ عليمٌ. ويبدو حِلْم إسماعيل عليه السلام في قصَّته مع الذبح، حينما قال له أبوه: {يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} [الصافات:102]، وَأَسْلَمَ عُنقَهُ لله، فهذا نهاية الحِلْمِ، وذلك يدلُّ علي أنَّ قوله: {إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ}، هنا غير: {فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ} [الصافات:100] هناك.
وجاءت البشارة بإسحاق مكافأةً لإبراهيم على تضحيته، وطاعته لأمر ربِّه في شأن ابنه إسماعيل، ولذلك قال في سورة الصَّافَّات: {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ * وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ} [الصافات:112،113].
البشرى بإسحاق بعد إسماعيل
بعد أن ابتُلي بالبلاء المبين، فدى الله إسماعيل بذِبح عظيم قال: {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ} [الصافات:112]، فهذه البشارة جاءت بعد قصة إسماعيل عليه السلام قال: {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ * وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ} [الصافات:112،113].
الإجمال والتفصيل في قصص الأنبياء
{قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ}
في سورة هود ذُكرت هذه القصة بتفصيل أكثر، وفيها زوج إبراهيم عليه السلام حينما عجبت: {قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ * قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود:72- 73].
لقد فصَّل في سورة «هود» وأجمل، لأنَّ القرآن يذكر القصص في سور مختلفة، ولكنه في كلِّ سورة يذكرها بطريقة غير الطريقة التي ذكرت في سورة أخرى، يُجْمل هنا ويفصِّل هناك، يذكر جوانب من القصَّة في بعض ما يذكر من السور، ولا يذكرها في الجانب الآخر، على حسب السياق وما يقتضيه السياق.
تعجُّب إبراهيم أن يُولَد له على الكِبَر
{قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ}
بشَّروه بغلام عليم، وكأنه يريد أن يسمع البشرى مرَّةً أخرى. بشَّرناك بالحق، لأنَّ ما تبَشِّر به الملائكة عن الله عزَّ وجل لا يكون إلا حقا، ولا يكون إلا أمرًا ثابتًا لا يتخلف، وما وَعَدَ الله وعدًا إلا أنجزه: {وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا} [الكهف:98]، {إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ} [آل عمران:9]، {وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} [الروم:6].
القنوطُ من رحمة الله
{وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ}
يستحيل أن أقنط، لأنَّ القنوط من مظاهر الضَّلال، كما أن اليأس من لوازم الكفر.
وقد قال سيدنا يعقوب عليه السلام حفيد إبراهيم، قال لبنيهِ حينما أرسلهم إلى مصر: {يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف:87]، فانظر إنها حقا ذريَّةٌ بعضها من بعض، كما قال الله تعالى: {ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ} [آل عمران:34].
يعقوب عليه السلام يقول: {وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف:87]، لا يَيْأَس من رَوْحِ الله إلا من يجهل قُدرة الله عز وجل، ويجهل نفوذَ مشيئته، وأنه إذا أراد شيئًا قال له: كن فيكون ولا بد، فلا رادَّ لقضائه، ولا مُعقِّب لحكمه، فلا يمكن