دعاة يحذرون من المبالغة في تفسير الرؤى ويؤكدون: برامجها التليفزيونية «بيزنس»

alarab
تحقيقات 25 يوليو 2015 , 06:53ص
حامد سليمان
حذر دعاة من هوس التعامل مع الرؤى والأحلام والمحاولة الدائمة لتفسير المسلم لكل ما يراه أثناء نومه، مؤكدين أن المسلم لا ينبغي أن يبني حياته على هذه الأمور، وأن المسلم عليه أن يتبع هدي النبي صلى الله عليه وسلم في مثل هذه الأمور، فإن رأى خيراً أخبر به المقربين ومن يعلمون بهذه الأمور ليفسروها له، وأن يستكثر المسلم من الصالحات، وإن رأى سوءا فعليه أن يستعيذ بالله من الشيطان وألا يخبر به أحداً. وشددوا على أن تخصيص برامج تليفزيونية لتفسير الرؤى مبالغة مرفوضة، خاصة وأن بعضها تحول إلى التجارة، لافتين إلى أن بعض البرامج تؤول الرؤى بصورة خاطئة، وعلى المسلم إن رأى خيراً في منامه أن يلجأ إلى من هم ثقات في هذا الأمر، فالإمام أحمد لما سُئل عن أي أحد يفسر الأحلام، قال: لا أيلعب بالنبوة.
في البداية قال الداعية الدكتور محمد حسن المريخي، إمام وخطيب مسجد عثمان بن عفان بالخور: هناك فرق بين الرؤيا والحلم، فالأخير هو من الشيطان، وهو كما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم، أن يرى الإنسان ما يكره، أما الرؤيا فمن الله سبحانه وتعالى، وهي أن يرى الإنسان خيراً يحبه.
وأضاف: والتعامل مع ما نراه في أحلامنا ينقسم إلى قسمين، فإن رأى الإنسان ما يحبه في منامه فلا يقصه إلا على من يحبه، حتى يؤوله له بطريقة حسنة، فإن رأى الشخص غير ذلك، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: إن المسلم عليه في هذه الحالة أن ينفس عن يساره ثلاث مرات ويستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، ولا يذكر هذا الحلم لأحد، وهذا لا يضر الإنسان أبداً.
وتابع المريخي: لا ينبغي للإنسان أن يبالغ في الرؤى، فالبعض إذا رأى بشارة في منامه وكأنه بُشر بالجنة، وآخرون إن رأوا ما يكرهون ظلوا مشغولين طوال الوقت، حتى أن البعض ينشغل عن عمله وحياته اليومية بسبب رؤية أو حلم، وهو من المبالغة في أمر الرؤى والأحلام، وهي مبالغات غير مقبولة.
وأوضح أن أحكام الدين الإسلامي لا تؤخذ من الرؤى والمنامات، والأفضل للمسلم أن يهتدي بما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، فإن كان خيراً يحمد الله، وإن كان شراً صمت عنه، ويجب ألا يؤخذ المنام على محمل أكثر من ذلك، فيجب ألا تشغلنا الرؤيا الحسنة عن الطاعات كما يحدث مع البعض، فهذا لا يصح أبداً، فإن كانت حسنة وبشرته بخير فعليه أن يواصل عمل الخير إن كان محسناً، وأن يعدل ويقوم من سلوكه إن كان به خطأ.
وأكد المريخي أن تأويل الرؤى موجود بالدين الإسلامي، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يسأل الصحابة عن الرؤى ويفسرها لهم، ولكن المرفوض هو الاعتماد عليها بشكل كامل أو الاهتمام بها بصورة أساسية، والتفسير ليس لأي شخص، فيجب أن يكون مقتصراً على العارف بالكتاب والسنة النبوية، فالإمام أحمد لما سُئل: أيؤول الرؤيا أي أحد، قال: لا.. أيلعب بالنبوة، فالتفسير لا يكون إلا لمن له علم، خاصةً وأن بعض من يقص عليهم الرائي منامه يمكن ألا يكون محباً للشخص فيؤولها له بطريقة خاطئة، ما يكدر عليه حياته.
ولفت إمام وخطيب مسجد عثمان بن عفان بالخور إلى أن الرؤى مبشرات ونذر، فبعضهم يرى بشرى في منامه، ولكن هذا لا يعني أن يتوقف عند هذا الحد، بل عليه أن يستمر على العمل، وإن رأى شرا فليستعيذ بالله من الشيطان، ويراجع نفسه، هل يؤدي الفرائض أم يتكاسل عنها، ونبينا صلى الله عليه وسلم يقول: «الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو تُرى له»، وهي مدعاة لأن يزيد المسلم من عمل الصالحات.
وقال الدكتور محمد حسن المريخي: الجهل بشأن الأحلام تفشى بصورة كبيرة، فالبعض كلما رأى شيئاً ركض باحثاً عن تفسير، وهناك من يشدد على أنه مؤول ومتخصص في هذا الأمر بغير علم، وهو خطأ كبير، فكثيراً ما رأينا في منامنا ولكن نمضي في حياتنا ولا نلتفت لأي من هذه الأمور.
وأضاف: بعض الفضائيات تخصص برامج كاملة لتأويل الرؤى، ولا داعي لهذا الأمر، فالانشغال بالرؤى لهذا الحد مرفوض.

برامج تفسير الأحلام
ومن جانبه قال الداعية الدكتور عايش القحطاني: ليس كل ما نراه في منامنا يكون رؤيا، فما نراه ينقسم إلى ثلاثة أقسام كما قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «الرؤيا ثلاثة فالرؤيا الصالحة بشرى من الله ورؤيا تحزين من الشيطان ورؤيا بما يحدث المرء نفسه، فإن رأى حدكم ما يكره فليقم فليصل ولا يحدث بها الناس) رواه مسلم.
وأضاف: إذن الأولى هي رؤيا وهي من الله سبحانه وتعالى وهذه عليها أدلة ولها مفاتيح تعرف بها، وهي ثابتة في القرآن والسنة مثل رؤيا الملك التي فسرها يوسف عليه السلام وتفسير النبي صلى الله عليه وسلم وبعض الصحابة لبعض الرؤى، أما الثانية تكون أضغاث أحلام وتلاعبا من الشيطان بالإنسان، والثالثة قد يكون الإنسان يعاني من مشكله في حياته اليومية فيراها على شكل حلم بسبب العوامل النفسية التي يمر بها.
وأردف القحطاني: ليس كل ما نراه في منامنا وأحلامنا يكون رؤيا، ويجب ألا يكون لدينا هوس وانشغال بتفسير كل ما نراه في المنام، وإذا تمادى الإنسان في هذا فقد يصاب بالوسواس والقلق والاكتئاب والخوف وهذا ما نحذر منه.
وأوضح الشيخ عايش القحطاني أن البرامج التليفزيونية المتخصصة في تفسير الأحلام لا يعدو مقصدها التجارة وأخذ أموال الناس بالباطل والاستخفاف بعقولهم، لافتاً إلى أنه تابع البعض منها ووجد تفسيرهم بعيداً جداً عن التفسير الحقيقي بل وكثير من أحلام المتصلين ليست رؤية أصلا، وإنما أضغاث أحلام ومع ذلك يقوم المفسر بتفسيرها.
وشدد على أن التفسير على الهواء مباشرةً قد يجلب الخلافات والمشاكل بين الناس ويسبب عداوات أيضاً وخاصة بين الأقرباء، فالبعض يشك في أقرب الناس له إن كان تفسير المفسر به تحذير من شخص ما، وهو أمر يستدعي الشك والوسواس حتى في الأقارب.
وحذر القحطاني من تأثير البرامج التليفزيونية المعدة لتفسير الأحلام، لما تلقاه من رواج بين الناس ومتابعة وتصديق وإيمان واقتناع بما يرونه أو يسمعونه وخوف الناس الشديد وقلة إيمانهم وتوكلهم على ربهم يجعلهم يلهثون وراء من يفسر لهم ما يرون ليطمئنهم على أنفسهم وأموالهم وأبنائهم.
وأكد على أهمية التوكل على الله واتباع هدي نبيه - صلى الله عليه وسلم - فيما يخص الرؤى، وألا يبني الإنسان حياته على الأحلام وعلى تفسيرها والخوف منها لهذه الدرجة الشائعة التي نراها اليوم في مجتمعاتنا.

رأي العلامة القرضاوي
ويقول فضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي في أحد الحوارات التليفزيونية على قناة الجزيرة: الرؤيا والحلم من الناحية اللغوية معناهما واحد يعني أن مدلولهما واحد ولكن الشرع هو الذي فرق بينهما جاءت الأحاديث ففرقت بين الرؤيا وبين الحلم وقسمت الأحاديث الصحيحة الرؤيا من حيث منابعها إلى أقسام ثلاثة لأن منبع الرؤيا إما رباني وإما نفساني وإما شيطاني، فالرؤى الربانية أو الرحمانية كما يعبر بعضهم هي الرؤى الصادقة أو الرؤى الصالحة التي تنبئ عن مستقبل وتقع كما رؤيت، ليس من الضروري أن تقع كما رؤيت تماما هي أحيانا تكون رموزا لمعاني تحتاج لذلك إلى تأويل أو تعبير كما يسمونها فهذه هي الرؤيا من الله، كما قالت السيدة عائشة: أول ما بُدئ صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت كفلق الصبح، فهذه الرؤيا الصادقة. وهناك حديث النفس، والرؤيا التي منبعها نفساني حديث النفس الذي نعبر عنه نحن في لغتنا العادية نقول: الجوعان يحلم أنه في سوق العيش، يعني ما يفكر به الإنسان في اليقظة يراه في المنام يعني انعكاسا لاهتماماته في حالة اليقظة، فهذا من أحاديث النفس. وفي المنبع الثالث وهو الشيطان وهو الذي يريد أن يحزّن المؤمن يريد أن يقلقه ويزعجه ويخوفه، كما جاء رجل للنبي صلى الله عليه وسلم وقال له: أنا رأيت كأن رأسي قطعت وهي تتدحرج أمامي وأنا أركض وراءها قال: «لا تدع الشيطان يتلاعب بك أو لا تخبر الناس بتلاعب الشيطان بك»، فهذا نوع جاء في بعض الأحاديث يسميه «تحزين من الشيطان» يريد أن يحزّن المؤمن ويزعجه. فهذه هي الرؤى من حيث منابعها وإن كان من الناحية اللغوية كله يمكن أن يسمى حلما وكل ما يسمى رؤيا إنما جاء الحديث وخص الرؤيا بالرؤيا الصالحة أو الرؤيا الصادقة وخص الحلم بما كان من الشيطان أو ما كان من حديث النفس.
ويضيف: رؤيا الأنبياء جزء من الوحي كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الرؤيا جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة» وفسرها العلماء بأن النبي ظل يوحى إليه بالرؤيا ستة أشهر نصف سنة والوحي ظل ينزل على النبي 23 سنة فالستة أشهر من الـ23 تعتبر جزءا من 46 جزءا من النبوة واعتبروا الرؤيا المنامية بالنسبة للأنبياء طريقا من طرق الوحي الخفي، فالوحي الجلي وهو نزول الملك والوحي الخفي وهو إما الإلهام أو النفث في الروع «إن روح القدس نفث في روعي» أو الإلهام في اليقظة أو الرؤيا في المنام، مثل سيدنا إبراهيم حينما رأى رؤياه {..قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ} [الصافات:102]، فهذا لو لم تكن رؤيا الأنبياء وحي ما أقدم على أن يذبح ابنه فهو يرى أن هذا كأن الله كلمه وأمره أن يذبح ابنه وهذا فسره العلماء في قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ..}[الشورى:51] فكلمة وحيا أي إلهاما في اليقظة أو إراءة في المنام فهذه رؤيا الأنبياء لأنها لا يلتبس عليه أنها من الله سبحانه وتعالى.
ولفت القرضاوي إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم حيث يقول: «لم يبق من النبوة إلا المبشرات» قالوا: وما هي يا رسول الله؟ قال: «الرؤيا الصادقة يراها الرجل المؤمن أو تُرى له». الرؤيا الصادقة هي من المبشرات أن يرى الإنسان رؤيا مبشرة وقد تكون رؤيا منذرة يعني أحيانا يرى رؤيا مبشرة أنه سيشفى من المرض أنه سيخرج من سجنه أنه سينتصر في حربه أو أن الله سيرزقه ولدا أو أن الله سيصلح حاله وييسر عليه بعد عسر ويوسع بعد ضيق، يعني أحيانا تكون هكذا كما رأى الصحابة أنهم سيدخلون المسجد الحرام كما قال الله تعالى: {لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ..}[الفتح:27] فهذه رؤيا مبشرة. وقد تكون رؤيا منذرة أن الشخص في طريق سيئ يأكل المال الحرام يأكل الربا يأخذ الرشا يعمل كذا فتأتي له رؤيا تخوفه فتكون هذه منذرة.. قالوا مالك بن دينار سبب توبته، وكان قاطع طريق، أنه رأى رؤيا في المنام وأنه قامت القيامة وأنه كذا وكذا هذه الرؤيا جعلته يقوم ويغير حياته من جديد ويصبح من كبار الزهاد. فالرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو تُرى للمؤمن، كأن يقول الشخص المؤمن: رأيت كذا وكذا فهذه من بقايا النبوة «لم يبق من النبوة إلا المبشرات» وهذه يبعثها الله سبحانه وتعالى لمن يحتاجها، يعني كنا في السجن الحربي، وكان الكثيرون يهتمون بالرؤيا وخصوصا بعض الناس كان عندنا بعض الإخوة سميناهم جماعة أبشروا أنه كل يوم يقول: الأخ فلان رأى كذا وهذا فلان رأى كذا، مهمتهم التبشير.
وبين أن بعض الأحلام هي تعبير عن الواقع الذي يعانيه الإنسان في اليقظة وبعضها حتى فرويد نفسه قال إنه في بعض الأحلام تحمل معنى التنبؤ، يسمونها الأحلام التنبؤية التي تخبر عن المستقبل مثل قصة سيدنا يوسف حينما قال لأبيه: {..يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً ..} [يوسف:4-5] لأنه فهم من الرؤيا أن الشمس والقمر هم الأب والأم والأحد عشر كوكبا الإخوة وأن هذا سيكون ليوسف شأن بحيث يكون الجميع طوع أمره بمثابة السجود، فهذه رؤى فليست كل الرؤى من النوع الذي يعبر عن الواقع .
ولفت إلى أن الرؤيا لا تؤخذ منها الأحكام. الأحكام تؤخذ من مصادرها الشرعية القرآن والسنة والإجماع والقياس والاستصلاح والاستحسان إلى آخر هذه المصادر الأصلية والتبعية المجمع عليها والمختلف فيها فكل شيء له طريقه، إنما الأحلام والرؤى ليست حجة شرعية وليست دليلا شرعيا، لأننا نعلم أن الدين قد اكتمل قبل أن يموت رسول الله صلى الله عليه وسلم، اكتمل الدين وتم كما جاء في سورة المائدة قبل أن يموت النبي بحوالي ثمانين يوما {.. الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً ..}[المائدة:3] فالدين تم والنعمة كملت فلسنا في حاجة إلى أن نأخذ ديننا من الأحلام إلا إذا كان من باب الاستئناس إنما ليس من باب التأسيس نؤسس عليها حكما يعني مثلا سيدنا عبدالله بن عباس كان يرى بالتمتع في الحج وبعض أصحابه رأى منامات أيدت قوله فاستبشر بهذا وأخذ منه يعني نوعا من التقوية لرأيه، إنما لا يبني على هذا الأمر، ولذلك رد العلماء الأحكام التي تؤخذ بناء على حكم ابن حزم وقال بعض الناس: إن القبلة تفطر الصائم ليه، قال رجل رأى في المنام أن الرسول قال له: إياك أن تقبّل امرأتك ... إن الدين لا يؤخذ بالمنامات إنما الدين يؤخذ من القرآن والسنة.