باب الريان
25 يوليو 2014 , 09:14ص
أن تصف شخصا بكون خلقه حسنا، فهذا جيد، أن تقول بأن خلقه عظيم، فهذا يعني أن أخلاقه الفاضلة أعظم من كل تصرفات من حوله..
??أن تكون الشهادة: (وإنك لعلى خلق عظيم)، فهذا يعني التأكيد، والقول بأنه دائم على هذا الخلق العظيم لا يفارقه، والإشارة لوصفه بصيغة الاسم لا الفعل تعني الثبات والدوام.
??كان خلقه نبعا يتزود منه كل أحد، لكن كيف كان ذلك؟
??كانت جبلة إلهية، وإعدادا ربانيا، يقول هو عن نفسه: (أدبني ربي فأحسن تأديبي)، وهذا يعني أن العناية الإلهية كانت مصاحبة له في كل مسالكه، وكل معاملاته مع الخلق.
??كان خلقه عظيما في جانب بارز، وهو مطابقة خلقه لما كان يدعو له، وحسبك قول أحب الناس إليه، عائشة رضي الله عنها: (كان خلقه القرآن)، فقد كان قرآنا يمشي على الأرض، جسد ما يدعو له بكماله.
??هل هذا يعني تعاليه على الإنسانية أو أنه ملاك؟
??لا بل على العكس سر عظمته في إنسانيته، أنه كان بشر كآحاد البشر، يضحك، يبتسم يسمع الصحابة يتذكرون الجاهلية، وأحوالها، فيضحك تبسما، يتعجب كما يتعجبون، يعيش كما يعيشون، يأكل كما يأكلون، لكنه كان عظيما.
??حزن، وغضب، وتألم، وللأسباب ذاتها التي يمكن أن تجعل أي إنسان منا يتألم، ويحزن، ويغضب.
??رغب، وأحب، لما يرغب فيه آحادنا من مباحات، ويحب، ولكنه لم يكن كآحادنا في كل ذلك كان عظيما.
??أسرار عظمته لا تكاد تحصى، منها اتزانه، لا يدعوه الغضب لظلم أو بغي، أو تعد، لا يدعوه الحزن للسخط الجارف على القضاء والقدر، لا يدفعه التخطيط الحربي لمحو إنسانية العدو، وإهانة كرامته.
??منها نظره لما لا يتأمل فيه كثير من الناس، فصفح للمصلحة العامة، وترك غرضه الخاص، مرارا سمع ورأى بعينيه أذية عبدالله بن أبي وتغاضى عنها لمصلحة الدين.
??منها أنه لم يستغل حب أصحابه وطاعتهم له في كل أمر لمصلحته، بل نتعامل بحذر، فلما أسر العاص صهره في سرية للمسلمين، أرسلت زينب ابنته رضي الله عنها وهي زوجة العاص سابقا قلادة عزيزة على جميع من يقدر خديجة رضي الله عنها.
??فرق لها رقة شديدة، وطلب بلطف شديد.. إن كان يسع تنفيذ الأمر أن يتنازل أصحاب السرية عن الغنيمة للعاص.
??ففعلوا..
??لم يطلب منهم بصفته نبيا، ولم يلبس الأمر صيغة الدين، بل اكتفى فقط بالطلب، ولهذا وأكثر كان عظيما.
??كان يعرف كيف يغضب، وكيف يتخذ القرار، وكيف ينفذه، وكيف يقوم بالإشراف على هذا الأمر، لأنه لم يكن يسمح للغضب أن يدفع الناس لاتجاهات غير محمودة، أبدا، كان ينضبط في كل ذلك بأوامر شرع الله الذي جاء به.
??كان عظيما، يتفوق في كل تصرفاته وبدقة على الجميع، تواصله مع الكل فعال، ومؤثر، يداعب الطفل، ويمازحه، ويسأله عن الطائر الذي كان مريضا، وتستوقفه العجوز فتخبره بما تحتاج فيسارع لقضاء حاجتها.
??يشتري الناس على حسابه، ويقضي عنهم، وفي الوقت نفسه، يأكل الأسودين التمر والماء.
??يداعبه البعض، فيقبل، ويبتسم، والحياة تسير، ليس الحزن سمة غالبة، بل حسن الخلق، والتفاعل مع الخلق، وبعفوية وببساطة.
??كل هذا وأكثر جعله عظيما.