أهداف التربية الإسلامية في بناء الفرد والمجتمع

alarab
باب الريان 25 يوليو 2013 , 12:00ص
تأليف: مصطفى أمين محمد علي
البحث الفائز بجائزة مركز عبدالله عبدالغني العالمية في الفكر الإسلامي أهداف التربية الإسلامية إن للتربية الإسلامية أهدافًا وغايات تسعى إلى تحقيقها والوصول بالفرد والمجتمع إلى مستواها. وهذه الأهداف هي القاعدة الأساسية الإسلامية, لذلك كان واجباً على الأب والمربي والمدرسة والدولة وكافة طوائف المجتمع أن يعملوا على تحقيق تلك الأهداف، غير أنه ثمة هدف أسمى للتربية الإسلامية تندرج تحته بقية أهدافها، وهذا الهدف هو تحقيق العبودية الخالصة لله سبحانه وتعالى وفق ما تضمنته شريعة الإسلام الغرّاء من أوامر ونواهٍ، قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)، وقال جل وعلا: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ). والعبادة كما يراها شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- هي: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة، وليس يُقصد بها العبادات المشهورة فحسب، بل هي أعم من ذلك. والتربية الإسلامية تنبثق أهدافها من هذا المفهوم، الذي يمكن أن نستمد منه الأهداف الفردية والأهداف الاجتماعية التي ينبغي على التربية الإسلامية تحقيقها، وهي: أولا: الأهداف الفردية ويقصد بها تلك الأهداف التي تسعى التربية الإسلامية لتحقيقها في الفرد في تنشئته في جميع الجوانب الدينية والدنيوية، كالجوانب العلمية، والإيمانية، والأخلاقية، والجسمية، والفكرية، والمهنية، وغيرها، ابتغاء وجه الله وحده في هذه التربية، وانطلاقا من قوله تعالى: (قلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ)، ويجدر إلقاء بصيص من الضوء على بعض هذه الأهداف التربوية الإسلامية الخاصة بالفرد المسلم. تنمية وإثراء الجانب العلمي تحث التربية الإسلامية الفرد على الاستزادة من العلم لما له من مكانة عظيمة في الإسلام، فقد رفع الله شأنه، وأعلى من قدر أهله وحملته، فقوله تعالى: (وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً) يدل دلالة قاطعة على أنه لو كان شيء أشرف وأفضل من العلم لأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بالاستزادة منه، وكذلك قوله: (شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)، قال ابن القيم رحمه الله: «استشهد سبحانه بأولي العلم على أجلِّ مشهود عليه وهو توحيده، وهذا يدل على فضل العلم وأهله من وجوه، أحدها: استشهادهم دون غيرهم من البشر، والثاني: اقتران شهادتهم بشهادته والثالث: اقترانها بشهادة ملائكته والرابع: أن في ضمن هذا تزكيتهم وتعديلهم فإن الله لا يستشهد من خلقه إلا العدول». وقد دلت السنة أيضا على فضل العلم وأهله، وفضل تعلمه، لقوله صلى الله عليه وسلم: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له طريقًا إلى الجنة), فالعلم إذا جنة الدنيا، وذلك الفضل العظيم الذي حباه الله للعلم وأهله إنما هو لما يغرسه العلم الصحيح في صاحبه من خشيةٍ وتقوى لله تعالى، فالعلم حياة النفوس ونورها، والجهل ظلمتها وفناؤها، والحق أن القرآن والسنة فيهما من أدلة فضل العلم وأهميته ما تضيق المجلدات الضخمة عن بسطه وشرحه، ولمَّا كان للعلم هذه المنزلة الرفيعة، وجب تزويد الفرد المسلم به حتى يصبح مؤهلا فيما بعد لنشر رسالة الإسلام في كافة أرجاء المعمورة. ومن هنا كان طلب العلم النافع عبادة، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، لأنه قوام الحياة الرشيدة الفاضلة، وفي هذا يقول ابن تيمية: «ما تصدق رجل بصدقة أفضل من موعظة يعظ بها جماعة فيتفرقون وقد نفعهم الله بها». كما حث رحمه الله على طلب العلم النافع قائلا: «ولهذا من اشتغل بطلب العلم النافع بعد أداء الفرائض، أو جلس مجلسا يتفقه فيه الفقه الذي سماه الله ورسوله فقها فهذا أيضا من أفضل ذكر الله». ولكي تؤتي العملية التربوية ثمارها فلا بد أن تنقى المناهج التعليمية، والمواد الإعلامية من كل ما يشوبها، وأن يتم التأكد من صحتها، وسلامة المعلومات التي تقدم فيها، وسلامة مقدميها من مخالفة الكتاب والسنة، ومعارضة الفكر والثقافة الإسلامية، والواقع المؤلم أن من تأمل في المواد الإعلامية التي تقدم للمسلمين، والمناهج التربوية التي تدرس لأبنائنا في بلادنا العربية يدرك مدى الخطر المحدق بمستقبل أبناء الأمة الإسلامية، فعلينا أن نزيل ما يشوب الإعلام العربي من الانحرافات العقدية والتعبدية والسلوكية, لأن الإعلام من أهم الوسائل التربوية على الساحة الآن، وعلينا أيضا أن نستبدل تلك المناهج التربوية الغربية الغثة العفنة بمناهج تربوية إسلامية صافية نقية تتحلى بالشمولية, وتنمي أبناء الأمة الإسلامية في كافة النواحي العلمية والعملية، وأمتنا بفضل الله زاخرة بالأفذاذ من العلماء والمفكرين التربويين القادرين على تطوير المناهج التعليمية في ضوء الشريعة الإسلامية. تصحيح الجانب الإيماني وتعميقه إن تصحيح الجانب الإيماني وتعميقه من أهم الأهداف التي تسعى التربية الإسلامية لتحقيقها في الفرد المسلم، وذلك لأن الإيمان بالعقيدة الصحيحة هو خير أساس لتربية ترجى ثمارها، فقوة المرء وثباته على الحق وعمل الصالحات تكون بقدر ما يحمل بين جوانحه من إيمان، يقول ابن القيم: «فالأساس لبناء الأعمال كالقوة لبدن الإنسان فإذا كانت القوة قوية حملت البدن ودفعت عنه كثيرا من الآفات, وإذا كانت القوة ضعيفة ضعف حملها للبدن, وكانت الآفات إليه أسرع شيء، فاحمل بنيانك على قوة أساس الإيمان». والإيمان عند أَهل السنة والجماعة هو: تصديق بالجنانِ، وقول باللسانِ، وعملٌ بالجوارح والأَركانِ، يزيدُ بالطاعةِ، وينقصُ بالمعصيةِ، وعليه، فإن الإيمان الصحيح هو الأساس لقبول الأعمال. ومعلوم أن الإيمان الذي يجب علينا تعميقه في الفرد المسلم هو أن يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، لا يفرق بين أحد من رسله، ويسمع ويطيع، قال تعالى: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ)، وعلى ذلك دلت السنة النبوية المطهرة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أتاه رجل يمشى، فقال: يا رسول الله! ما الإيمان؟ قال: «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ولقائه وتؤمن بالبعث واليوم الآخر». والمتأمل للتشريع الإسلامي، يجد أنه ركز أول ما ركز على قضية الإيمان وتصحيح المعتقدات، تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: «... إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر لقالوا لا ندع الخمر أبداً ولو نزل لا تزنوا لقالوا لا ندع الزنا...»، فألمحت أم المؤمنين إلى الحكمة الربانية في التدرج التربوي في الدعوة أولاً إلى محراب التوحيد الخالص، والتبشير بالجنة للمؤمنين، والنذارة بالنار للكافرين والمجرمين، ثم إذا ما اطمأنت قلوب المهتدين ونفوسهم شرعت الأحكام، وما ذلك إلا لتربية النفوس وتهذيبها، ولنا في ذلك التدرج التربوي الرباني أسوة حسنة، ومنهاج لا نظير له إذا ما طوَّعنا له مناهج التربية المعاصرة. ولا ينكر منصف أن الآثار التربوية التي تؤملها التربية الإسلامية من تعميق الجانب الإيماني في قلب الفرد المسلم كثيرة لا تحصى، فمن ذلك أنه يدفع عنه الخواطر والوساوس الضارة التي قد تسبب له مرضًا نفسيًا، وذلك لأنه غرس فيه الإيمان بأن الدنيا دار محنة وابتلاء، يقول تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ)، وكما حثه على الصبر عند المحنة والابتلاء، فقد أمره بالشكر عند المسرَّة والنعماء، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عَجَبًا لأمْرِ المُؤمنِ إنَّ أمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خيرٌ ولَيسَ ذلِكَ لأَحَدٍ إلاَّ للمُؤْمِن: إنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكانَ خَيرًا لَهُ، وإنْ أصَابَتْهُ ضرَاءُ صَبَرَ فَكانَ خَيْرًا لَهُ». البناء التعبدي للفرد خلق الله الإنسان من جسد وروح، ويسر له الأسباب المعينة له على حفظ البدن من مأكل ومشرب وملبس، غذاء لهذا البدن وحفظًا له، قال تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)، وكذلك يسر له ما يغذي روحه التي بين جنبيه من ألوان العبادة التي شرعها له بحكمته البالغة، فأمره بالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، والذكر، وغيرها من صنوف العبادات، قال تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ). ومن هنا تبرز أهمية البناء التعبدي كهدف من أهداف التربية الإسلامية، لا غنى عنه لروح الفرد المسلم وجسده معا، فمن العبادة ما هو تزكية للروح وتطهير للبدن، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمسًا, هل يبقي ذلك من درنه شيئا). قالوا: لا يبقي من درنه شيئًا. قال: «فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بها الخطايا»، والشواهد من السنة على أهمية هذا الهدف التربوي السامي كثيرة لا حصر لها، وسنظل نقرأ بين الحين والآخر عن فوائد جمَّة للعبادة التي أمر الله بها، قال تعالى: (الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ). والعبادة التي أمر الله بها لها ركنان، وينبغي التنبيه إلى أن هذين الركنين شرطان لقبول العبادة، وهما: 1 - الإخلاص لله تعالى، لقوله جل شأنه: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ). 2 - اتباع النبي الكريم صلى الله عليه وسلم فيما صح عنه، قال تعالى: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا)، ومتابعة النبي صلى الله عليه وسلم تستلزم محبته، قال تعالى: (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ).