التكنية بالأب

alarab
باب الريان 25 يوليو 2013 , 12:00ص
عبدالسلام البسيوني
الكنية هي الاسم المبدوء بأب أو أم، وهي سنة عربية منذ ما قبل الإسلام، جرت بها عادة العرب، الذين كانوا يتكنون غالبًا بأكبر أبنائهم الذكور. وهي نوع من التكريم، ورفع شأن المكنى، قال الشاعر: أكنيه حين أناديه لأكرمه ولا ألقبه والسوأة اللقبُ وقد أقر النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وصحبه وسلم سنة العرب في التكنية، ففي أبي داود عن هانئ بن يزيد رضي الله عنه: لما وفد إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، مع قومه، سمعهم يكنونه بأبي الحكم، فدعاه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال: إن الله هو الحكم، وإليه الحكم، فلم تكنى أبا الحكم؟ فقال: إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم، فرضي كلا الفريقين. فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: ما أحسن هذا، فما لك من الولد؟ قال: لي شريح، ومسلم، وعبدالله، قال: فمن أكبرهم؟ قلت: شريح، قال: فأنت أبوشريح. وقد نهى صلى الله تعالى عليه وسلم أن يكني المسلمون أبناءهم بكنيته الشريفة صلى الله تعالى عليه وسلم، ففي البخاري وغيره عن أنس وغيره، رضي الله عنهم أجمعين: (كان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في السوق، فقال رجل: يا أبا القاسم، فالتفت إليه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فقال: إنما دعوت هذا، فقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: (سموا باسمي، ولا تكنوا بكنيتي). ولفظه في مسلم عن جابر رضي الله عنه: ولد لرجل منا غلام، فسماه محمدًا، فقلنا: لا نكنيك برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، حتى تستأمره. قال: فأتاه، فقال: إنه ولد لي غلام فسميته برسول الله، وإن قومي أبوا أن يكنوني به، حتى نستأذن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فقال صلى الله تعالى عليه وسلم: (سموا باسمي، ولا تكنوا بكنيتي؛ فإنما بعثت قاسمًا، أقسم بينكم). وهل ذلك على إطلاقه؟ وهل هو في الاسم واللقب جميعًا؟ وهل هو في حياته صلى الله تعالى عليه وسلم وبعد مماته؟ قال في زاد المعاد في تعليل ذلك: وكنى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم صهيبًا بأبي يحيى، وكنى عليًّا رضي الله عنه بأبي تراب -إلى كنيته بأبي الحسن وكانت أحب كنيتيه إليه- وكنى أخا أنس بن مالك -وكان صغيرًا دون البلوغ- بأبي عمير. وكان هديه صلى الله تعالى عليه وسلم تكنية من له ولد، ومن لا ولد له، ولم يثبت عنه أنه نهى عن كنيةٍ؛ إلا الكنية بأبي القاسم، فصح عنه صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: (تسموا باسمي، ولا تكنوا بكنيتي) فاختلف الناس في ذلك على أربعة أقوال: أحدها: أنه لا يجوز التكني بكنيته مطلقًا، سواء أفردها عن اسمه أو قرنها به، وسواء محياه صلى الله تعالى عليه وسلم وبعد مماته. وعمدتهم عموم هذا الحديث الصحيح وإطلاقه، وحكى البيهقي ذلك عن الشافعي، قالوا: لأن النهي إنما كان لأن معنى هذه الكنية, والتسمية مختصة به صلى الله تعالى عليه وسلم، وقد أشار إلى ذلك بقوله: (والله لا أعطي أحدًا، ولا أمنع أحدًا، وإنما أنا قاسم, أضع حيث أمرت) قالوا: ومعلوم أن هذه الصفة ليست على الكمال لغيره. واختلف هؤلاء في جواز تسمية المولود بقاسم، فأجازه طائفة، ومنعه آخرون، والمجيزون نظروا إلى أن العلة: عدم مشاركة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فيما اختص به من الكنية، وهذا غير موجود في الاسم، والمانعون نظروا إلى أن المعنى الذي نهي عنه في الكنية موجود مثله هنا في الاسم سواء، أو هو أولى بالمنع، قالوا: وفي قوله (إنما أنا قاسم) إشعار بهذا الاختصاص. القول الثاني: أن النهي إنما هو عن الجمع بين اسمه وكنيته، فإذا أفرد أحدهما عن الآخر، فلا بأس. قال أبوداود: باب: من رأى ألا يجمع بينهما، ثم ذكر حديث أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: (من تسمى باسمي فلا يتكن بكنيتي، ومن تكنى بكنيتي فلا يتسم باسمي) رواه الترمذي عن أبي هريرة، وقال حسن صحيح، ولفظه: نهى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن يجمع أحد بين اسمه وكنيته، ويسمي محمدًا أبا القاسم، قال أصحاب هذا القول: فهذا مقيد مفسر لما في الصحيحين، من نهيه عن التكني بكنيته. قالوا: ولأن في الجمع بينهما مشاركة في الاختصاص بالاسم والكنية، فإذا أفرد أحدهما عن الآخر زال الاختصاص. القول الثالث: جواز الجمع بينهما، وهو المنقول عن مالك رحمه الله. واحتج أصحاب هذا القول بما رواه أبو داود والترمذي من حديث محمد ابن الحنفية، عن علي رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله ولد لي ولد من بعدك أسميه باسمك، وأكنيه بكنيتك؟ قال: «نعم» قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وفي سنن أبي داود عن عائشة قالت: جاءت امرأة إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إني ولدت غلامًا فسميته محمدًا، وكنيته أبا القاسم، فذكر لي أنك تكره ذلك, فقال: (ما الذي أحل اسمي وحرم كنيتي؟) أو (ما الذي حرم كنيتي وأحل اسمي؟) قال هؤلاء: وأحاديث المنع منسوخة بهذين الحديثين.