باب الريان
25 يوليو 2012 , 12:00ص
الشيخ د. ثقيل بن ساير الشمري
أولى الإسلام الأنساب والمحافظة عليها عناية كبيرة، ومن مظاهر ذلك تشوفه إلى ثبوت النسب ودوامه وتسهيل إثباته بأدنى الأسباب, وبالمقابل تشدد في نفيه وإبطاله متى ما ثبت بإحدى الطرق المشروعة وجعلت الشريعة اللعان طريقاً لنفيه، لذا يحسن إعطاء نبذة موجزة عن اللعان وصفته والآثار المترتبة عليه:
فاللعان لغة: مشتق من اللعن وهو الطرد والإبعاد من الخير، ويقال: لاعن الحاكم بين الزوجين أي حكم بينهما باللعان على الوجه المشروع.
أما اصطلاحاً: فهو إما شهادات مؤكدة بالأيمان في اصطلاح الحنفية والحنابلة، وإما أيمان في اصطلاح المالكية والشافعية, وتعريفه بغض النظر عن هذا الاختلاف كما ذكر الشافعية: أنه كلمات معلومات جعلت حجة للمضطر إلى قذف من لطخ فراشه وألحق العار به، أو إلى نفي ولد.
مشروعية اللعان: دل على مشروعية اللعان الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب ففي قوله عز وجل:
(وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ * وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ) الآيات 6-9 من سورة النور.
أما من السنة: فللأحاديث الكثيرة الثابتة عنه صلى الله عليه وسلم, ومنها ما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر: «أن رجلاً لَاعَنَ امرأتَه وانتفى من ولدها، ففرَّق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما».
أما الإجماع فقد حكاه عدد من العلماء، قال النووي في شرحه لصحيح مسلم: وجوز العلماء اللعان لحفظ الأنساب، ودفع المعرة عن الأزواج، وأجمع العلماء على صحة اللعان في الجملة.
ولا يصح اللعان إلا بعد توافر الشروط التالية:
1- أن يكون الزوجان مكلفين 2- أن يكون الزوج مختاراً غير مكره عليه 3- أن يقذف الرجل زوجته بالزنا فتكذبه 4- أن يكون اللعان بأمر من الإمام أو نائبه. فهذه جملة الشروط التي اشترطها الفقهاء لصحة اللعان ولهم في ذلك تفاصيل واسعة ليس هذا محل بيانها.
آثار اللعان: فإذا جرى اللعان بالصفة المذكورة في الآيات الكريمة من سورة النور السابق ذكرها, ترتبت عليه الأحكام التالية:
1 - انتفاء نسب الولد من الزوج إذا صرح بنفيه، ولحوق نسب الولد بأمه 2 - سقوط حد القذف عن الزوج إن كانت زوجته محصنة، وسقوط التعزير عنه إن لم تكن محصنة، وسقوط حد الزنا عن المرأة بنص القرآن على ذلك 3- وقوع الفرقة المؤبدة بين الزوجين وتحريم نكاحها عليه على التأبيد لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا سبيل لك عليها».
فالنسب هبة من الله تعالى, فلا يباع ولا ينقل ولا يبطل, فقد دلت الأحاديث أن النسب لا ينقل إلى آخر ببيع ولا هبة ولا تنازل فقال صلى الله عليه وسلم: «الولاء لحمة كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب ولا يورث».
كما أنه لا يجوز إبطاله إذن، وبذلك ألغى الإسلام ما كان لدى الجاهلية من ذلك.
المسألة الثالثة: إثبات النسب بالبصمة الوراثية:
نظراً لتشوف الشريعة الإسلامية إلى ثبوت النسب، وإلحاقه بأدنى سبب، فإن الأخذ بالبصمة الوراثية في مجال النسب في الحالات التي يجوز فيها الحكم بثبوت النسب بناء على قول القافة كما مر معنا، أمر ظاهر الصحة والجواز, بل هو أولى لدقة نتائجها، كما قال أحد الأطباء: «ويمكن القول إن كل ما تفعله القافة يمكن للبصمة الوراثية أن تقوم به وبحجة أقوى وبدقة متناهية وبصحة أكثر من القافة، فالبصمة الوراثية تستطيع أن تحدد الأب والأم والأخت والأخ بصورة قاطعة تصل %99.99 ويمكنها كذلك النفي بنسبة %100، إضافة إلى أن بعض الفقهاء نص على ترجيح قول القائف المستند في قوله على شبهٍ خفي على قول القائف المستند في قوله على شبه ظاهر؛ لأن الأول معه زيادة علم تدل على حذقه وبصيرته، قال النووي في روضة الطالبين: «لو ألحقه قائف بأحدهما بالأشباه الظاهرة، آخر بالأشباه الخفية، كالخَلْق وتشاكل الأعضاء فأيهما أولى، وجهان: أصحهما الثاني، ولا شك أن البصمة الوراثية فيها من زيادة العلم والحذق واكتشاف المورثات الجينية الدالة على العلاقة النسبية ما لا يوجد في القافة، ولأن الأصل في الأشياء -غير العبادات- الإذن والإباحة، وأخذاً من أدلة الشرع العامة وقواعده الكلية في تحقيق المصالح ودرء المفاسد، لما في الأخذ بالبصمة الوراثية في مجال إثبات النسب من تحقيق لمصالح ظاهرة ودرء لمفاسد كثيرة، قال ابن القيم: وأصول الشرع وقواعده والقياس الصحيح يقتضي اعتبار الشبه في لحوق النسب والشارع متشوف إلى اتصال الأنساب وعدم انقطاعها، ولهذا اكتفى في ثبوتها بأدنى الأسباب.
جاء في توصية ندوة الوراثة والهندسة الوراثية: «البصمة الوراثية من الناحية العلمية وسيلة لا تكاد تخطئ في التحقق من الوالدية البيولوجية، والتحقق من الشخصية، ولاسيَّما في مجال الطب الشرعي، وهي ترقى إلى مستوى القرائن القوية التي يأخذ بها أكثر الفقهاء في غير قضايا الحدود الشرعية، وتمثل تطوراً عصرياً عظيماً في مجال القيافة التي يذهب إليها جمهور الفقهاء في إثبات النسب المتنازع فيه، ولذلك ترى الندوة أن يؤخذ بها في كل ما يؤخذ فيه بالقيافة من باب أولى. فالبصمة الوراثية تقف جنباً إلى جنب مع وسائل الإثبات الأخرى في إثبات النسب، لأن أدلة القول بها محل اتفاق، فهي أقوى من القيافة ومن القرعة، أما بالنسبة للفراش والإقرار والشهادة فتقدم عليها البصمة الوراثية في حالات معينة حددها قرار مجمع الفقه الإسلامي، وبناء على ذلك فإنه يمكن الأخذ بالبصمة الوراثية في مجال إثبات النسب وتقديمها في الحالات التالية:
1 - حالات التنازع على مجهول النسب بمختلف صور التنازع التي ذكرها الفقهاء عند انتفاء الأدلة أو تساويها سواء أكان التنازع على مجهول النسب بسبب انتفاء الأدلة أو تساويها أم كان بسبب الاشتراك في وطء الشبهة الذي ينتج عنه حمل وولادة، فإنه يمكن إثبات نسبة المولود إلى الزوج أو إلى الذي وقع على المرأة بشبهة.
2 - حالات الاشتباه في المواليد في المستشفيات ومراكز رعاية المواليد والأطفال ونحوها، وكذا الاشتباه في أطفال الأنابيب.
3 - حالات ضياع الأطفال وغيرهم واختلاطهم بسبب الحوادث والكوارث وتعذر معرفة أهليهم وهذه لا يمكن العمل فيها بتقديم الفراش لتمييز الصغار ومعرفة آبائهم مع تحققه، نظراً لوجود الاشتباه وهذا يوضح أن البصمة الوراثية ينبغي أن تأخذ مكاناً مهماً وقوياً في ثبوت النسب.
يمكن استخدام الوراثية لمنع اللعان، وذلك إذا عزم الزوج أن يلاعن زوجته لنفي نسب ولده منها لوجود شك كبير فيه، فإنه يمكن اللجوء إلى البصمة الوراثية لدفع هذا الشك, فإذا أثبتت أن الولد المشكوك فيه منه، فعليه الاكتفاء بهذه النتيجة، أما إذا ثبت بأن الولد ليس منه فعليه اللعان, بل في هذه الحالة يمكن للقاضي إذا التجأ إليه الزوج العازم على اللعان أن يجبره على إجراء اختبار البصمة الوراثية بحيث إذا ظهرت النتيجة أنه منه لا ينبغي له اللعان، وإذا ظهر عكس ذلك فليلاعن.