الحياة الدنيا التي يحذر القرآن منها هي الحقيرة والقليلة والعاجلة

alarab
باب الريان 25 يوليو 2012 , 12:00ص
حلقات يعدها للنشر : محمد صبره
تنفرد «العرب» بنشر تفسير (جزء عم) آخر ما كتبه العلامة د. يوسف القرضاوي حول معاني القرآن الكريم. ونسبح طوال الشهر الكريم مع بيان معاني ودلالات الجزء الثلاثين من كلام رب العالمين. التفسير الذي نقدمه لقرائنا حصرياً لم ينشر ولم يذع من قبل، ويأتي استكمالاً لانفرادنا في العام الماضي بنشر تفسير القرضاوي لسورتي إبراهيم والحجر. وتم الاتفاق مع فضيلته على نشر التفسير طوال شهر رمضان القادم. ويتميز التفسير -الذي ينشر لأول مرة- بالموسوعية والعصرية في شرح آيات القرآن، حيث يوضح المعاني ودلالاتها والعبر والعظات والأحكام المستفادة منها، بأسلوب سهل مبسط. ويبدأ فضيلته في هذه الحلقات بتفسير سورة «النبأ» ثم «النازعات» و»عبس»، ويستكمل تفسير باقي سور الجزء الثلاثين حتى سورة «الناس» آخر سور المصحف الشريف في الترتيب. { يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى (35)} ما هي الطامة الكبرى؟ وما حقيقتها؟ إنها يوم يواجه الإنسان بعمله، {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}[المجادلة:6]، يتذكر كل واحد ما قام به من عمل، من خير أو شر، من طاعة أو معصية، من عدل أو كلم، وهو سيجد عمله أمامه، يشاهده في صفحة أعماله، التي كتبها الكاتبون طول عمره، له أو عليه {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ}[الزخرف:80]، {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ}[الانفطار:10-12]، سيقال لكل إنسان {اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا}[الإسراء:14]، سيجد كل امرئ عمله أمامه يشاهده بنفسه، يراه بعين رأسه{وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا}[الكهف:49]، {يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ}[الزلزلة:6-8]، {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ}[آل عمران:30]. وكل هذه الآيات تؤكد بقوة وجلاء: أن الإنسان في الآخرة يرى عمله الذي عمله، وسعيه الذي سعاه، وقوله الذي قاله، يراه بنفسه لا يري جزاءه ولا ثوابه ولا عقابه، فهذا تأويل للآيات لا يقبل. ونحن نشاهد الآن: أن الإنسان يمكنه أن يواجه بقوله وعمله مسجلا، يراه بعينه، ويسمع صوته بأذنيه، عن طريق عرض الأشرطة المسجلة عليه، فلا يستبعد على الله جل وعلا أن يسجل على الإنسان أقواله وأعماله، ليراها ويشاهدها ويسمعها ويعيها بنفسه وأدواتها، لتكون شاهدة له أو عليه، ويجب أن نأخذ ظاهرها، أتباعا لفلسفات شاعت في زمان من الأزمان، كقولهم، إن الأقوال والأعمال، إنما هي أعراض، والعرض لا يبقي زمانين، فهذه تحتاج إلى إثبات يقيني لها، وليس عندنا ذلك اليقين، فلهذا تبقي الأشياء على ما هي عليه . {وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى (36)} الجحيم أسم من أسماء النار التي يعذب الله بها من كفر به وعصى رسوله، مثل السعير ولظى وسقر، فإذا جاءت الطامة الكبرى، برزت هذه الجحيم وأظهرت إظهارا بينا لا يخفي على أحد، لكل من له عينين يرى بهما، لا يستطيع مكابر أن ينكرها. وبروز الجحيم المسعرة الظاهرة لكل من يبصر ويشاهد، مشهد ترتعد له القلوب، وترجف له الأبدان، وتذهل العقول، وهو مما يستعاذ بالله من شره. {فَأَمَّا مَنْ طَغَى (37) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (38) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (39)} هكذا ينقسم الناس في الآخرة قسمين، وفقا لعقائدهم وأعمالهم في الدنيا: قسم أهل الشقاء وهم أهل النار والجحيم. وقسم أهل السعادة، وهم أهل الجنة والنعيم. وهكذا بدأ هنا بالأشقياء وانتهى بالسعداء، وفي أماكن كثيرة كان العكس حسب السياق. وقد رأينا في سورة النبأ بدا بالطاغين: {إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا * لِلطَّاغِينَ مَآبًا}[النبأ:21-22]، وانتهي بالمتقين: {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا}[النبأ:31]، وفي سورة عبس بدأ ويقول: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ}[عبس:38-39]، ثم يقول: {وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ * أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ}[عبس:40-42]. وفي سورة الانفطار: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ}[الانفطار:13-14]. وهكذا تمضي سور القرآن بين الوعد والوعيد، والتبشير والإنذار، والتخويف والترجية. ومن المفسرين من لا يعتبر قوله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ طَغَى...}إلخ، هو جواب لقوله: {فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى}، ولكنه يقول: إن الجواب محذوف، دل عليه المذكور، والجواب الذي تستدعيه فخامة التنزيل، ويقتضيه مقام التهويل، أنّ الجواب المحذوف، كان من عظائم الشؤون، ما لم تشاهده العيون. {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى}. بيّن الله تعالى في القسم الماضي: مصير أهل الجحيم ومأواهم، ومن هم. وهنا يبيّن عز وجل مصير من يعاديهم ويخاصمهم، وهم أهل الجنة، فمن هم؟ وصفان استحقوا بهما دخول الجنة لقد عبر الله تعالى عنهم بوصفين أساسيين استحقوا بهما أن يأووا إلى الجنة، كما عبر عن أهل النار أيضا بوصفين استحقوا بهما أيضا أن يأووا إلى النار. الوصف الأول: خوف مقام الرب، أي: من حذر وخشي مقامه بين يدي سيده، وخالقه ومربيه ومالك أمره (ربه)، يوم الطامة الكبرى، يوم يتذكر الإنسان ما سعى، وخاف حكم الله فيه، يوم تنشر الدواوين، وتحكم الموازين. يعني: خوفه في الدنيا من ربه، عندما يواقع الذنب، أو يقترب منه فيقلع، وكذلك عندما يراوده الشيطان على ترك الطاعة، فهو لا يرتكب محظورا، ولا يترك مأمورا، كما قال تعالى: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} [الرحمن:46]. وهذا الخوف من صفات المتقين، الذين يحبهم الله تعالى، كما قال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ [المؤمنون:57]، ثم قال: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} [المؤمنون:60]. والوصف الثاني لمن يستحق الجنة: نهي النفس عن الهوى، الهوى هنا يقابل الحق، فهناك من يجعل نفسه مع الحق ومتطلباته من الالتزام والبذل والتضحية، وهناك من يجعل نفسه مع ما تهواه وتشتهيه وتميل إليه من متاع الحياة الدنيا وزخرفها، بحكم الجبلة البشرية، وهو ما ذكره الله تعالى في قوله: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ} [الحديد:20]. وما ذكره في قوله: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [آل عمران:14]. وما أكثر ما يحذرنا القرآن من قواطع الطريق إلى الله تعالى، وأهمها وأقربها: اتّباع هوى النفس الأمارة بالسوء، وهي التي قالت عنها امرأة العزيز: {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي} [يوسف:53]. هذه الجبلة البشرية التي طوعت لابن آدم الأول أن يقتل أخاه فقتله، كما قال تعالى: {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [المائدة:30]. وهي التي سوّلتْ للسامري أن يتخذ العجل، ويفتن به بني إسرائيل ليعبدوه، كما قال: {وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي} [طه:96]. وهي التي سولتْ لإخوة يوسف –وهم من سلالة الأنبياء- أن يضعوا يوسف في الجب، ويكذبوا على أبيهم بأنه أكله الذئب، {قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} [يوسف:18]. ولهذا حذر القرآن كثيرا من اتّباع هوى الأنفس، كا قال الله تعالى لداود: {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [ص:26]. وقال تعالى: {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف:28]. وقال: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأمر فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا} [الجاثية:18-19]. وقال عز وجل: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً} [الجاثية:23]. وقال تعالى: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا} [الفرقان:43]. وقال عز وجل: {أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ} [محمد:16]. وقال سبحانه: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [القصص:50]. والنصوص القرآنية كثيرة توضح لنا الخطر الكبير في اتّباع هوى الأنفس، إذا لم يلجمها لجام التقوى، وتقف متمردة على همز الشيطان، واتّباع خطواته: {وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} [البقرة:168]. بهذين الأمرين: خوف مقام الله، رب الناس، وزجر النفس عن أهوائها وشهواتها، تكون الجنة هي مأواه ونزله، الذي يأوي إليه، ويأنس به، وينعم في ظله. قال الإمام الرازي في تفسيره الكبير: ثم ذكر تعالى حال السعداء فقال تعالى: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى}. واعلم أن هذين الوصفين مضادان للوصفين اللذين وصف الله أهل النار بهما، فقوله: {وأمّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ} ضد قوله: {فأمّا مَنْ طَغَى} [النازعات: 17] وقوله: { وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى } ضد قوله: { وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا } [النازعات: 38]، واعلم أن الخوف من الله، لا بد أن يكون مسبوقا بالعلم بالله، على ما قال: { إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ } [فاطر: 28]. ولما كان الخوف من الله هو السبب المعين لدفع الهوى، لا جرم قدّم العلة على المعلول، وكما دخل في ذينك الصفتين جميع القبائح، دخل في هذين الوصفين جميع الطاعات والحسنات. {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا } يسألونك: أسلوب سائد في القرآن الكريم، بهذه الصيغة {يَسْأَلُونَكَ}، دون أن يذكر من هم السائلون، فالمسؤول هو الرسول الكريم المنزل عليه القرآن، والسياق هو الذي يحدد من هم، فأحيانا يكون السائلون هم المسلمين، كما في أسئلة سورة البقرة المعروفة، {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ} [البقرة:219]، {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} [البقرة:215] إلى آخر الأسئلة عن الخمر والميسر واليتامى والمحيض، وما جاء من السؤال عن الأنفال، ونحو ذلك، فهذه أسئلة المسلمين لنبيهم يسألون عن أحكام دينهم، وقد تأتي بصيغة {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ}. وأحيانا يكون السائلون هم المشركين، ومنها الأسئلة عن الساعة، كما جاء ذلك في عدد من سور القرآن المكية، كما في هذه السورة، وسورة الأعراف: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ} [الأعراف:187]، ومدنية، كما في سورة الأحزاب {يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا} [الأحزاب:63]. وكأنه يقول هنا: يسألك المشركون عما سألوك عنه دائما وهو موعد ظهور القيامة، ومن أسمائها: (الساعة)أي: الساعة العظمى، والساعة الفاصلة، التي ينتظرها العالمون، وقد سألها مشركو مكة استهزاء، كما جاء عن ابن عباس، يسألك هؤلاء عن الساعة، أي: عن زمانها الذي تقوم فيه؛ لأن (أيان) اسم زمان، فهم يقولون: متى إرساؤها أي: إقامتها وتثبيتها، كما يقال: أرسى الجبل، أي: أقامه وثبته، يقولون: متى يقيمها الله تعالى ويثبتها ويكونها؟ أو يكون المعنى: عن زمان منتهى الساعة ومستقرها. كما أن مرسى السفينة حيث تنتهي إليه وتستقر فيه. والمشركون كانوا قد سمعوا عن الساعة والقيامة في القرآن الكريم وسمعوا: أنها الطامة والصاخة والحاقة والقارعة. فقالوا مستهزئين أيان مرساها؟ فيحتمل أن يكون ذلك على سبيل الإيهام لأتباعهم أنه لا أصل لذلك، ويحتمل أنهم كانوا يسألون الرسول عن وقت القيامة استعجالًا منهم. كقوله تعالى: {يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا} [الشورى:18]. {فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا } إنكار ورد لسؤال المشركين عنها. أي: في أي شيء أنت يا محمد -وهو معنى: فيم؟- من أن تذكر لهم وقتها. وتعلِمهم به. حتى يسألونك عن بيانها. كقوله تعالى في مقام آخر: {يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا} [الأعراف:187]. أي: ما أنت من ذكراها لهم. وتبين وقتها في شيء؛ لأن ذلك فرع علمك به. وأنى لك ذلك؟ وهو مما استأثر الله تعالى بعلمه. وهو علام الغيوب. ويجوز أن يكون إنكارا على المشركين في مسألتهم له. أي: فيم أنت من ذلك حتى يسألوك بيانه. ولست ممن يعلمه. والذكرى بمعنى الذكر. {إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا} أي: منتهى علمها عنده وحده. فلا يوجد عند غيره إذ لم يؤته تعالى أحدا من خلقه. وهو كقوله تعالى في الأعراف: {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً} [الأعراف:178]. وكقوله في آخر لقمان: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} [لُقْمَانَ:34]. وهي من مفاتيح الغيب الخمسة التي صح بها الحديث. ولهذا لما سأل جبريلُ الرسول محمدا -صلى الله عليه وسلم- عن الساعة قال: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل». {إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا} إنما يبعثك الله للإنذار والتخويف للجميع. وللتبشير أيضا. كما قال تعالى: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء:165]. وإنما اكتفى بالإنذار هنا لاقتضاء المقام. كما قال تعالى: {إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} [هود:12]. {قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّار} [ص:65]. والمعنى هنا: أن وظيفتك هو امتثال ما أمرت به. من بيان اقترابها. كما في قوله تعالى: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ} [القمر:1]. {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ} [الأنبياء:1]. {وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ} [النحل:77]. وعليك تفصيل ما فيها من فنون الأهوال. كما تحيط به خُبرا. لا تعيين وقتها الذي لم يفوض إليك. فما لهم يسألونك عما ليس من وظائفك بيانه؟! إنك إنما بعثت للإنذار بوجوب الساعة واقترابها من الناس. وهذا المعنى لا يتوقف على علمك بوقت قيام الساعة. بل لو أنصفنا لقلنا ما قال الرازي: بأن الإنذار والتخويف إنما يتمان إذا لم يكن العلم بوقت قيام الساعة حاصلا. ثم إنه صلى الله عليه وسلم منذر للجميع بحكم رسالته {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا} [الأحزاب:45]. إلا أنه خص الإنذار بمن يخشى؛ لأنه هو الذي يتأثر بالإنذار وينتفع به. وإن كان منذرا لكل مكلف. وهو كقوله تعالى: {إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ} [يس:12]. وكقوله تعالى: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة:2]. مع قوله في آية أخرى: {هُدًى لِلنَّاسِ} [البقرة:185]؛ لأن المتقين هم الذين سيستنيرون بنوره ويحسنون فهمه واتباعه. فهو تعالى يقول لرسوله: إنما بعثتك لتنذر الناس وتحذرهم من بأس الله وعذابه. فمن خشي الله وخاف مقامه ووعيده. اتبعك فأفلح وأنجح. والخيبة والخسار على من كذبك وخالفك. {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا} أي: أنهم إذا قاموا من قبورهم إلى المحشر ورأوا الساعة التي كانوا يسألون عنها حاضرة، يستقصرون مدة الحياة الدنيا، حتى إنها كانت عندهم قدر عشية من يوم أو ضحى من يوم. والمعنى: أن ما أنكروه سيرونه حتى كأنهم أبداً فيه، وكأنهم لم يلبثوا في الدنيا إلا ساعة من نهار ثم مضت. والمراد تقليل مدة الدنيا. فالعشية ما بين الظهر إلى غروب الشمس. والضحى: ما بين طلوع الشمس إلى منتصف النهار. وفي آية في آخر سورة الأحقاف: {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ} [الأحقاف:35]. قال الفراء: يقول القائل: وهل للعشية ضحى؟ وإنما الضحى لصدر النهار. ولكن أضيف الضحى إلى العشية -وهو اليوم الذي يكون فيه- على عادة العرب، يقولون: آتيك الغداة أو عشيتها. وآتيك العشية أو غداتها. فتكون العشية في معنى آخر النهار. والغداة في معنى أول النهار. وقال الرازي: «إن النحويين قالوا: يكفي في حسن الإضافة أدنى سبب. فالضحى المتقدم على عشية يصح أن يقال: إنه ضحى تلك العشية، وزمان المحنة قد يعبر عنه بالعشية، وزمان الراحة قد يعبر عنه بالضحى، فالذين يحضرون في موقف القيامة، يعبرون عن زمان محنتهم بالعشية، وعن زمان راحتهم بضحى تلك العشية، فيقولون: كأن عمرنا في الدنيا ما كان إلا هاتين الساعتين، والله سبحانه وتعالى أعلم». اهـ إن مما يريده الإسلام من المسلم أن يحرر إرادته، فلا يصبح ويمسي مجرد مريد للحياة الدنيا، بمعنى أن تكون إرادته خاضعة لها، اتخذها ربا، فاتخذته لها عبدا، يقول تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا} [الإسراء:18-19]. ويقول تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ} [الشورى:20]. ويقول عز وجل: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [هود:15-16]. ليس المهم إذن أن تملك الدنيا، ولكن المهم جدا أن تريدها، يمكن أن تملك الدنيا في يدك، ولكن لا تجعلها في قلبك. المخوف على أهل الإيمان أن تكون الدنيا أكبر همهم، ومبلغ علمهم، ومنتهى أملهم، وغاية سعيهم، فإذا لم تكن كذلك، لا يهمنا أن تكون لهم، وأن ينتفعوا بها، ويستمتعوا بثمراتها، ولا حرج عليهم في ذلك ما داموا يستعملونها بشروطها وآدابها، كما قال تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ * قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} [الأعراف:31-32]. الممنوع هو (الإرادة) المتعلقة بالدنيا، التائقة لها، الحريصة عليها، المؤثرة لها، لا تريد غيرها، كما في قوله تعالى: {فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} [النجم:29]. فهذا هو المذموم: الذي لا يريد إلا الحياة الدنيا. يتبع غداً إن شاء الله...