

قوة الدبلوماسية القطرية لا تقف عند حد نجاحها في العديد من الوساطات بالقضايا والخلافات والأزمات العالمية التي تدخلت لحلها، بل تنتهج قطر أسلوبا فريدا في دبلوماسيتها من خلال حرصها على الشق الإنساني في كافة مساعيها لحل الخلافات، فقد قامت قطر بأدوار متعددة لنجدة الشعوب المنكوبة، إما من ويلات الحروب والنزاعات أو من الآثار الناتجة عن الكوارث الطبيعية، ولعل من أهم الملفات التي برز فيها الدور الإنساني في الدبلوماسية القطرية، خلال السنوات القليلة الماضية، ملفات أفغانستان وليبيا والصومال، عبر الجسور الجوية التي سخرتها لخدمة شعوب تلك البلدان، والمستشفيات الميدانية التي شيدتها لعلاج وإسعاف الجرحى والمصابين، بل ونقل عدد كبير من المصابين إلى الدوحة لاستكمال العلاج أو إجراء جراحات دقيقة وإتمام الشفاء.
الدور الذي تقوم به قطر حاليا هو ترجمة لمبادئ سياستها الخارجية المنصوص عليها في دستورها الدائم، والتي تقوم على مبدأ توطيد السلم والأمن الدوليين عن طريق تشجيع فض المنازعات الدولية بالطرق السلمية، ودعم حق الشعوب في تقرير مصيرها، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، والتعاون مع الأمم المحبة للسلام، ومراعاة حقوق الإنسان، والتدخل بالدعم اللامحدود لعلاج الجرحى والمصابين، سواء بسبب النزاعات أو الكوارث الطبيعية.
في نهاية فبراير 2020، أعلنت قطر عن رعاية توقيع اتفاق إحلال السلام بأفغانستان، في العاصمة الدوحة، بين الولايات المتحدة الأمريكية و»طالبان»، فقد تكللت جهود قطر الحثيثة ومساعيها الحميدة ووساطتها الجادة من أجل تحقيق السلام في أفغانستان وتخفيف معاناة شعبها بالنجاح في تقريب وجهات نظر الأطراف المعنية في الصراع، للتوصل إلى حل سياسي يضمن تحقيق السلام والاستقرار والازدهار للشعب الأفغاني.
وكانت قطر مركز عبور نقل إليه أكثر من 80 ألفا من بين 124 ألف مواطن غربي وأفغاني معرضين للخطر عبر جسر جوي من ذلك البلد الذي مزقته الحرب.
وبعد انسحاب الولايات المتحدة، لعبت دولة قطر دورا محوريا في دعم الشعب الأفغاني من خلال إجلاء الآلاف، والتزمت باستمرار تقديم المساعدات الإنسانية والمساعدة التنموية التي تهدف إلى دعم ثلاثة برامج للتعليم والرعاية الصحية وسبل العيش، بالإضافة إلى توفير الإمدادات الطبية، ودعم تطوير البنية التحتية، كما جرى تنفيذ عمليات نقل جوي إغاثية، وتسهيل إيصال أكثر من 800 طن مساعدات.
وخلال عمليات الإجلاء المتعجلة من أفغانستان، ساعدت الدبلوماسية القطرية في تسهيل إجلاء العالقين من مختلف الجنسيات، وفي الدوحة تم توفير المأوى والرعاية الصحية، ومن خلال التعاون مع تركيا، ساعدت قطر، «طالبان»، في إعادة فتح مطار كابول، وسمحت باستئناف الرحلات الجوية الإنسانية والداخلية.
وحرصت على المساهمة في إغاثة متضرري الفيضانات التي ضربت ولاية بغلان شمالي أفغانستان، حيث أرسلت مئات الأطنان من المساعدات الإغاثية للمتضررين.
ومؤخرا، أجرى الهلال الأحمر القطري 60 عملية قسطرة في أفغانستان ضمن تنفيذ برنامج المرحلة الثالثة من مشروع عمليات القلوب الصغيرة.
ملفات مشتعلة
ونجحت قطر في حل العديد من ملفات مشتعلة بالخلافات والاضطرابات، كما في الصومال وليبيا، حيث قامت بدور بارز في علاج جرحى ليبيا عام 2011 وما بعده، فقد استقبل مستشفى حمد بالدوحة عام 2011 عددا من الجرحى الليبيين الذين أحضروا على متن طائرات خاصة خلال فترة الاضطرابات في مناطق متفرقة عاشتها ليبيا خلال تلك الفترة، كما قامت قوة الواجب القطرية بدورها الإنساني في نقل وإخلاء الجرحى والمصابين الليبيين الذين أصيبوا بإصابات مختلفة وخطيرة، حيث تم تجهيز طائرات بأحدث التجهيزات الطبية لنقل المصابين برفقة طاقم طبي قطري متكامل، وعلاجهم في الدول المجاورة لليبيا.
وبعد سنوات من تأزم الوضع شهدت ليبيا تطورات مشجعة تبعث على التفاؤل الحذر، ولا شك أن هذه التطورات الإيجابية جاءت نتيجة الجهود التي بذلها الليبيون بدعم من المجتمع الدولي، وفي مقدمة ذلك وقف إطلاق النار، وإعداد خارطة الطريق، وانتخاب ممثلي السلطة التنفيذية المؤقتة، وتشكيل حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة، والعمل على توحيد مؤسسات الدولة، وعقد الانتخابات الوطنية.
وكان لقطر دور فاعل في هذا الاتجاه، حيث شاركت في مؤتمر مبادرة دعم استقرار ليبيا، الذي عقد في العاصمة طرابلس، وأكدت الدوحة حرصها على المساهمة بكل ما من شأنه أن يؤدي إلى تحقيق تطلعات الشعب الليبي الشقيق في الأمن والاستقرار والرفاه. كما عملت قطر على تفعيل التعاون مع حكومة الوحدة الوطنية الليبية المؤقتة في مجالات متعددة، وتم الاتفاق على تشكيل فرق عمل مشتركة.
وكان لدولة قطر دور بارز في إغاثة الشعب الليبي بشكل عاجل بعد العاصفة دانيال، التي ضربت مدن بني غازي، والبيضاء، وسوسة، وسرت، ودرنة، وخلفت آلاف القتلى والجرحى والمفقودين، وذلك كجزء من جهود قطر الرامية إلى مساعدة الدول والشعوب، التي تواجه التحديات الإنسانية الملحة.
مساعدات طبية
وفي سبتمبر من العام الماضي، أرسلت قطر العديد من المساعدات الطبية، خلال الفيضانات والسيول، الناجمة عن العاصفة دانيال، التي اجتاحت المنطقة الشرقية من ليبيا، ومن بينها إرسال مستشفيات ميدانية؛ بهدف توفير الرعاية الصحية العاجلة والمتخصصة للمصابين وغيرهم، بخلاف نقل العديد من الحالات الحرجة إلى الدوحة لعلاجهم.
كما كان لمؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات الخيرية القطرية دور ملموس في علاج الجرحى الليبيين، فقد أعدت المؤسسات الخيرية بالتعاون مع إدارة مؤسسة حمد الطبية عددا من القوافل الطبية، ضمت فرقا في عدد من التخصصات وشحنات أدوية متنوعة، لتنفيذ برنامج إغاثي لمئات الجرحى والمصابين في عدد من المدن الليبية.
ولا يختلف ملف الصومال كثيرا عن الملف الليبي أو الأفغاني، فلقطر دور بارز أيضا في إحلال السلام بالصومال، وعلاج الجرحى والمصابين، حيث أرسلت الفرق والقافلات الطبية إلى الصومال لعلاج المرضى.
وجهود قطر في دعم الصومال وشعبه كثيرة ومتعددة على كافة المستويات، فهي حريصة على أمنه واستقراره، فالمساعدات القطرية متنوعة، من إغاثية إلى تنموية، ويخفف هذا الدعم الكثير من معاناة الشعب الصومالي، ويعزز صموده أمام مختلف التحديات بمساعدات مباشرة في جميع المجالات.
وحرصت قطر على علاج مصابي وجرحى الصومال ضحايا حادث التفجير الذي تعرضت له مقديشو، وذلك عبر الجسر الجوي الذي خصصته الدولة لنقل وإخلاء الجرحى، بناء على توجيهات حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى.
وفي يوليو 2019، تبنت قطر مبادرة إرسال طائرات مزودة بتجهيزات وطاقم طبي متكامل، لنقل مصابي الهجوم الانتحاري الذي استهدف مسؤولين ببلدية مقديشو إلى الدوحة لتلقي الرعاية الطبية اللازمة، وهي المبادرة تم إنجازها خلال 24 ساعة فقط بإرسال طائرة مجهزة وطاقم طبي متكامل من 19 طبيبا في مختلف التخصصات، باشروا عملهم فور الوصول إلى مطار مقديشو، واستمروا في تقديم الرعاية الطبية لتخفيف آلام المصابين وتأهيلهم للانتقال إلى الدوحة.
قطر أضحت الآن عاصمة للإنسانية حيث إنها الدافع الرئيس لها للوساطة في حل أي نزاعات أو خلافات عالمية، وأصبحت محل ثقة المجتمع الدولي، ولا أدل على ذلك من الوساطة والجهود المتواصلة التي تقوم بها قطر لوقف إطلاق النار والمجازر الإسرائيلية بحق الشعب الفلسطيني في قطاع غزة.