محبة النبي صلى الله عليه وسلم(8)
باب الريان
25 يونيو 2015 , 06:23ص
عبد الباسط خليل
حب الدنيا
أيها القارئ الكريم، عليها تخاصمنا وتقاتلنا، وهجر الأخ أخاه بسببها، غرتنا بزينتها وزخرفها، حتى وقعنا في شباكها، ويا ويل من وقع في شباكها، إنها الدنيا عباد الله، الدنيا من الدنو من تعلق بها وأحبها كان في الدنو، قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: من هوان الدنيا وحقارتها أن أخرج أطايبها من خسائسها، فالدنيا سبعة أشياء: مأكول ومشروب وملبوس ومشموم ومنكوح ومسموع ومبصر، أما المأكولات فأشرفها العسل وهو لعاب نحل، وأطيب المشروبات الماء ويستوي في شربه الآدمي والكلب والخنزير والحمار، وأفضل الملبوسات الحرير وهو لعاب دودة، وأشرف المناكح النساء وحقيقتها مبال في مبال، وأشرف المشمومات المسك وهو دم غزال. ورحم الله من قال:
قد أولع الناس في الدنيا بأربعة أكل وشرب وملبوس ومنكوح
وغاية الكل إن فكرت فيه إلى روث وبول ومطروح ومفضوح
فإن قال قائل وما السبب في حب الدنيا والتعلق بها والتكالب عليها؟ فالجواب: قلة المعرفة بعيوبها، ولو كشف الغطاء لهربوا منها، وقد عبر الله تعالى عن التكالب على الدنيا بقوله تعالى: "اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ" [الحديد: 20]، وكل هذا جمعه الله تعالى في قوله: "زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ" [آل عمران: 14].
وإليكم يا سادة ما قاله الزهاد في الدنيا لنشخص المرض ثم نصف العلاج إن شاء الله.
يقول محمد بن كعب: الدنيا دار فناء، منزل بلغة، رغبت عنها السعداء، وأسرعت من أيدي الأشقياء، فأشقى الناس بها أرغب الناس فيها، وأسعد الناس فيها أزهد الناس بها، هي المعذبة لمن أطاعها، المهلكة لمن اتبعها، الخائنة لمن انقاد لها، علمها جهل، وغناؤها فقر، وزيادتها نقصان، وأيامها دول.
وقال أبو حازم: من عرف الدنيا لم يفرح فيها برخاء، ولم يحزن على بلوى. وقال ابن المبارك: أهل الدنيا خرجوا من الدنيا قبل أن يتطعموا أطيب ما فيها قيل له: وما أطيب ما فيها؟ قال: المعرفة بالله عز وجل. وقال علي بن أبي طالب: الدنيا لا تصفو لشارب، ولا تبقى لصاحب، ولا تخلو من فتنة، ولا تنكشف إلا عن محنة، فأعرض بقلبك عنها قبل أن تعرض عنك، واستبدل بها خيراً منها قبل أن تستبدل بك، فإن نعيمها متحول، لين مسها، قاتل سمها، فاقتصد فيما يعجبك منها، لقلة ما يصحبك منها.
أيها القارئ الكريم، هذا هو مرض حب الدنيا فما العلاج؟
اعلم رحمك الله أن العلاج يكون في أشياء: أن تقول الموت ليس بيدي فكيف أعتمد على الحياة، فربنا قضى والموت لا يتأخر، قال الله تعالى "فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ" [الأعراف: 34]، وقال تعالى "وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا" [المنافقون: 11]، ومن العلاج أن تعلم يرحمك الله أنك لو جمعت الدنيا أليس عند الموت تترك ذلك وتسأل عنه، ويتمتع فيه غيرك فلم لا تفكر في ذلك: أجمع الدنيا لغيري وأبوء بحسابها؟
ومن العلاج أن يعلم أن من كانت دنياه أكثر كانت حسرته أشد وخوفه أعظم، ومن العلاج زيارة المقابر والنظر في أحوال الموتى الآباء والأمهات والإخوة والأخوات وسائر القرابات والأقران والزملاء والأصدقاء، ومن العلاج زيارة المرضى في المستشفيات، لتشكر الله على نعمه العظيمة ورحم الله من قال:
تزود من الدنيا فإنك راحل وبادر فإن الموت لا شك نازل
ومن العلاج أن تنظر إلى جسمك وانحلال قواك واشتعال الشيب الذي هو بريد الموت، وضعف نظره وسمعه وسقوط أسنانه، ومن العلاج أن تقول الرسل أعلم مني قنعوا بالقوت ورضوا بالكفاف وما طلبوا الدنيا، أين الملوك؟ أين الجبابرة؟ أين الطغاة وأعوانهم؟ انظري يا نفس هل بقي منهم أحد؟ قال تعالى "هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً" [مريم: 98]، ومن العلاج أن تقول هب أنني ملكت الدنيا بأسرها وصفا لي عذبها، أليس آخر ذلك الموت؟ فلماذا أحرق نفسي في طلب ما هو عارية ووديعة
فقل للذي قد غره طول عمره
وما قد حواه من زخارف تخدع
أفق وانظر الدنيا بعين بصيرة
تجد كل ما فيها ودائع ترجع
أيها القارئ الحبيب قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله: إخواني احذروا الدنيا فإنها أسحر من هاروت وماروت، ذانك يفرقان بين المرء وزوجه وهذه تفرق بين العبد وربه. فلا تحزن على الدنيا فالدنيا كلها لا تساوي عند الله جناح بعوضة، لكن احزن على فوات الآخرة. وأختم بقصة لابن حجر العسقلاني صاحب فتح الباري وهي أنه خرج يوما بأبهته، وكان رئيس القضاة بمصر، فإذا برجل يهودي في حالة رثة فقال اليهودي: قف، فوقف ابن حجر، فقال له: كيف تفسر قول رسولكم "الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر" وها أنت تراني في حالة رثة وأنا كافر وأنت في نعيم مع أنك مؤمن، فقال ابن حجر: أنت مع تعاستك وبؤسك تعد في جنة لما ينتظرك في الآخرة من عذاب أليم إن مت كافرا، وأنا مع ما أنا فيه إن أدخلني الله الجنة فهذا النعيم الدنيوي يعد سجنا بالمقارنة مع النعيم الذي ينتظرني في الجنات، فقال: أكذلك؟ قال: نعم. فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.