

يحتفل أطفال قطر في ليلة منتصف شهر رمضان من كل عام بليلة القرنقعوه أو القرقيعان، وتتضمن فعاليات هذه الليلة التراثية بعض العادات والأهازيج والأغنيات التي تناقلتها الأجيال، والقرنقعوه كان يعتمد على الحصى والكيس، ومن هنا جاءت تسمية قرقعة الحصى، فالأطفال كانوا يذهبون عند بيوت الجيران، ويقرقعون بالحصى، وهم يرددون الأهازيج الشعبية. أما الكيس فكان لجمع المكسرات، والتي كانت حينئذ بسيطة مثل الفول السوداني واللوز (البيذان) والجوز والنخي، وبعض الحلويات مثل الملبي والمقاريع والتين المجفف، وكلها أشياء تعبر عن فرحة الأولاد والبنات.
والأهازيج التي يغنيها الأطفال بينما هم يطوفون بمنازل الفريج، ويتنقلون من بيت لآخر بأنفسهم، ليست إلا أدعية لأهالي البيوت، إذ يقفون في حوش بيت الجيران، وهم يرددون: «قرنقعوه قرقاعوه، عطونا الله يعطيكم، بيت مكة يوديكم، يا مكة يا المعمورة، يا أم السلاسل والذهب يا نورة، عطونا من مال الله، يسلم لكم عبد الله، عطونا دحبة ميزان، يسلم لكم عزيزان، عطونا دحبة قلة، يسلم لكم عبد الله، عطونا دحبة ليفة، يسلم لكم خليفة».
وكان أهل الفريج حينئذ يعرفون بعضهم البعض، وكذلك الأطفال، فكانت هذه الليلة بمثابة فرحة كبيرة ينتظرها الأطفال والكبار؛ لمكافأة الأطفال الذين صاموا وتشجيعًا لهم ليكملوا صيام شهر رمضان، ثم يكافأون بالعيدية.
فرق مختلفة
وكان فريق من الأطفال يحمل الحصى والكيس، وفريق آخر يحمل الطبول والدفوف (التارات)، ويسيرون نحو البيوت في جماعات، ويجوبون الفريج يغنون ويطقون الطبل، ومعهم كيس كبير أشبه بالجوال، ويرددون الأهازيج، وفي هذا الجوال يجمعون الأعطيات من الحلويات والمكسرات. ولهذا يُعتقد بأن لفظة القرقيعان مأخوذة من القرقعة والفرقعة والطقطقة لما فيها من التصفيق أو قرع الطبول.
وكان للمسحراتي كذلك نصيب من ليلة القرنقعوه، إذ كان يُشارك الجميع سعادتهم بتجواله بين البيوت مرددًا الأدعية، ويستقبل ما يجود به الأهالي من الأغراض العينية والمكسرات، هذا بالإضافة إلى العيدية التي يحصل عليها بعد انتهاء شهر رمضان المبارك.
ويبدأ الأهل الاستعدادات لليلة القرنقعوه من يوم 12 في شهر رمضان، وذلك بشراء المكسرات والحلوى من السوق، ويخلطونها مع بعضها البعض، ويضعونها في جفير (صحن) مصنوع من سعف النخيل، وكانت العائلات تعد بعض الأكلات لهذه المناسبة مثل الهريس والثريد والمجبوس، وتقوم بتوزيعها على الجيران وبيوت الفريج قبل المغرب.
وكان الاحتفال بالقرنقعوه يختلف في مدينة الخور عن مدينة الدوحة، إذ كان أطفال الخور يحتفلون بالقرنقعوه في العصر وليس ليلا، وذلك حفاظًا على سلامة الأطفال. كما تحتفل معظم دول الخليج بهذه المناسبة، ولكن الطريقة الاحتفالية تختلف نوعًا ما، كما تختلف الأهازيج التي يرددها الأطفال.
تجمع العائلات
ورغم تطور العصر، والذي أثر على العادات والتقاليد القطرية، إلا أن المجتمع القطري لا يزال يحافظ على إحياء هذه الليلة، وتقوم بعض الجدات أو الأمهات بحياكة أكياس القرنقعوه، وفي أجواء من الألفة الأسرية والاجتماعية، حيث تتجمع العائلات والأقارب والأصدقاء؛ كي تحتفل بإحياء هذه الاحتفالية الشعبية بأن يرتدي أبناؤهم الملابس الشعبية، وهذه التجمعات باتت تمثل فرصة لصلة الأرحام، والتزاور بين العائلات والأقارب، حيث يزورون بيوت الأقارب والعم الخال ليشاركوهم فرحة الاحتفال بالقرنقعوه.
ولا تزال القرنقعوه من أبرز العادات والتقاليد المحفورة في ذاكرة الموروث الشعبي القطري، انطلاقًا من أنها تعزز نسيج المجتمع وترابط كيانه الاجتماعي، وبهدف إحياء الموروث الشعبي والتعريف بالعادات والتقاليد الرمضانية الأصيلة؛ ليعيش الأطفال الأجواء الاحتفالية وسط البهجة والفرح، ووسط الأهازيج والأغاني التراثية التي تعيد ذكريات الأمس، وتجدد تراثه وتقاليده؛ فهي بمثابة الرابط بين الماضي والحاضر القطري.