الصفحات المتخصصة
25 مارس 2016 , 06:41ص
احمد يوسف علي
في سورة الماعون عدد من الكلمات المحورية هي: الدين والمصلون والماعون. فأما الدين فمعانيه متعددة ومنها ساعة الحساب وما قبلها من ساعات هي ساعات العمل في ضوء قواعد ومبادئ معروفة تضمنها الدين بمعنى النسق القيمي والعقائدي والسلوكي، وهو نسق تضمنته كتب الوحي وختامها القرآن {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} وعلى هدي هذا النسق تأسست حرية الإنسان {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ} وقامت قضية الإيمان وتباينت الأفعال وتدرجت في مراقي الخطأ والصواب. وأما المصلون فهم فئة من الناس اختاروا أن يصلوا أعمالهم بما حصلوه من صلاتهم التي هي فرض مترتب على مسألة الإيمان، وهذا الفرض له قدر معلوم من الوقت وهيئة مخصوصة في الأداء، وتهيؤ قلبي ووجداني وتجرد عما يحيط بالمصلي الذي أعلن الدخول في حول الله ورحمته. والصلاة على هذا النحو تتفاوت أقدارها بتفاوت المصلين في القدرة على مقاومة كل ما يشغل المصلي عنها مع أنه في الظاهر قائم عليها. وللصلاة عند كل مصلٍّ مردود اجتماعي يتجلى في تعاملاته مع الناس على مدار اليوم وطول العمر. وهنا تأتي الكلمة الثالثة وهي كلمة الماعون على وزن فاعول مثل فاروق وجاسوس، وهذا الوزن يدل في الكلمة على زيادة المعنى وكثرته. فالجاسوس لا يكف عن التجسس؛ أملا في تحصيل ما يريد على الوجه الذي يرضيه. والماعون بهذا المعنى وفي ضوء سياق الآيات كل ما يتضمن أسباب الخير والمعونة والتفاعل النافع من أجل الناس أو الجماعة التي يعيش فيها الإنسان، أو بمعنى أوضح هو الوجه الاجتماعي المنشود أو المنتظر من الإنسان المصلي الذي يدرك معنى الدين وهو الحساب فتكون عبادته عيارا لأفعاله وتكون أفعاله ثمرة لعبادته ونفعا للقوي والضعيف.
والعلاقة بين هذه الكلمات الثلاث كما لاحظنا علاقة ترابط مثل علاقة المقدمات بالنتائج، أو الأسباب بالمسببات. فالدين قواعد الحساب على الخطأ والصواب، والإنسان هو الفاعل الحر المدرك الواعي بقواعد الحساب وبغايات ما يفعل من أعمال تصب في دفع المجتمع للأمام، أو جره للخلف؛ ولذلك نهضت الحضارات الكبرى عبر التاريخ على هذا الثالوث: قواعد الحساب. الدور الاجتماعي للفرد والجماعة. مؤسسات التفاعل الاجتماعي البناء. ولعلنا نلحظ أن سورة الماعون بدأت بتساؤل (أرأيت) يحمل معنى الانتباه والتعرف والعلم، كما تحمل الرؤية معنى الشهود ومعنى العلم ولا تحمل هنا معنى الرؤية القلبية لتوجه خطاب التساؤل نحو غاية اجتماعية خالصة. فالذي يكذب بالدين -قواعد الحساب- يهون عليه أن يقسو على اليتيم، وألا يحرض الناس على رعاية المسكين بالطعام، وهو أول درجات الحفاظ على الوجود، {الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ}. فإن كان هذا المكذب بالدين من جماعة المصلين فويل لهؤلاء المصلين الذين لم يترجموا صلاتهم إلى سلوك اجتماعي حميد {الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} وسعوا وراء غايات أخرى هي إشباع النفس باستجلاب الثناء عليها، وطلب رضا الآخرين في الظاهر، وخداعهم في الباطن. {الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ} والرياء كما نعلم خلق ذميم يفسد القلب كما يفسد العقل، يفسد القلب بتعلقه بما عند الناس والحرص على مجاراتهم، ويفسد العقل بالغطاء عليه فيتعطل عن الفحص والتساؤل والمراجعة؛ ولذلك فالنتيجة المنطقية هي منع الماعون بما لهذا المنع مع القدرة عليه من آثار سلبية على صاحبها وعلى مجتمعه الإنساني.
أ. د. أحمد يوسف علي يوسف
أستاذ النقد الأدبي والبلاغة
قسم اللغة العربية، كلية الآداب والعلوم- جامعة قطر
ahmed@qu.edu.qa