مواطنون: توزيع «الكوبونات التعليمية» دون معايير موضوعية يولد التباغض
تحقيقات
25 مارس 2012 , 12:00ص
الدوحة - أيمن يوسف
مع الإقرار الحكومي لخطة المجلس الأعلى للتعليم اعتماد نظام القسائم التعليمية المعروف سابقا باسم «الكوبونات» بدأت التساؤلات تظهر حول قدرة هذا النظام على توفير خيارات متعددة لتعليم متميز يلبي كافة المتطلبات وفق خيارات كل من الطلاب وأولياء الأمور.
نظام القسائم لا يشمل المدارس الخاصة كلها -بحسب بيان للمجلس على موقعه- وإن كان يشمل كافة المدارس المستقلة بطبيعة الحال، بل يخص المدارس التي تعتمد في منهجها تدريس العلوم الشرعية واللغة العربية والتاريخ القطري.
ومع تخصيص الدولة ميزانيات سخية لتمويل عملية تطوير القطاع التعليمي في المدارس يتساءل أولياء الأمور من المواطنين حول شروط استحقاق أبنائهم للتعليم الممول حكوميا في مدارس خاصة عبر «القسائم المسبقة الدفع» لتمويل تكاليف الرسوم المدرسية في المدارس التي يقع اختيارهم عليها سواء كانت مستقلة أو خاصة.
ويؤرق أولياء الأمور اليوم أمر آخر وهو التوزيع الجغرافي لتلك المدارس داخل المدن بما يضمن سهولة وسرعة الوصول بدلا من تعطل أعمال أولياء الأمور نتيجة مسابقتهم الزمن للوصول بأبنائهم إلى مدارس مجانية ربما تكون بعيدة للغاية.
التوزيع الجغرافي ليس معياراً لاختيار المدارس
أوضحت عائشة الكواري مدير مكتب الإعلام والاتصال في المجلس الأعلى للتعليم في اتصال هاتفي لـ «العرب» بها أن المعنيين بنظام القسائم التعليمية هم الطلاب القطريين الملتحقون بمدارس خاصة معتمدة من قبل المجلس، وهؤلاء فقط هم المستحقون لقسائم التعليم المجاني.
الكواري وفي سؤال لـ «العرب» عما إذا روعي في اعتماد تلك المدارس توزيعها الجغرافي العادل إضافة إلى معايير التميز العلمي والتربوي، أجابت بأن التوزيع الجغرافي ليس من ضمن المعايير التي اعتمدها المجلس الأعلى للتعليم في اختيار مدارس خاصة يدرس فيها الطلاب القطريون عبر القسائم التعليمية. وتضيف الكواري بأن الفترة الأولى ستشمل عددا محدودا من المدارس الخاصة التي توزع بناء على الاتفاق معها القسائم على أولياء أمور الطلاب دون أن تحدد للآن مبلغ القسيمة الواحدة أو أعداد الطلاب أو حتى أسماء المدارس.
وأضافت الكواري أن نظام القسائم التعليمية طبق في الأساس على المدارس المستقلة، وأن ما يتم بحثه اليوم هو الآليات التي ستطرح أسماء المدارس فيها وآليات توزيع القسائم على المستحقين، حيث يسعى المجلس عبر هذه الخطوة لدعم أولياء الأمور بناء على اختيار المدارس، وليس بناء على مستوى الطالب وتميزه في التحصيل العلمي، وإنما بحسب القدرية الاستيعابية للمدارس المختارة.
ورغم التوقعات بالإقبال الكبير من قبل المواطنين على إلحاق أبنائهم بالمدارس الخاصة المدفوعة الأجور من قبل المجلس الأعلى عبر الكوبونات التعليمية -كما عبر عن ذلك عدد من مديري المدارس الخاصة لـ «العرب»- فإن عائشة الكواري تؤكد عدم ارتباط ذلك بعدم الرضا عن مستوى المدارس المستقلة، بل بالمساعدة في دعم أولياء الأمور بتعليم أبنائهم بما يضمن لهم مجانية التعليم.
وتضيف الكواري أن مستوى المخرجات التعليمية التي حققتها كل مدرسة خاصة مع طلابها سابقا ستؤخذ بعين الاعتبار لاختيارها من قبل المجلس الأعلى ضمن معايير «هيئة تقييم».
ولم تعط الكواري مدة محددة لتحديد أسماء المدارس الخاصة أو القيمة المالية لكل قسيمة تعليمية، موضحة أن ذلك كله مرتبط بقرار مجلس الوزراء.
انضباط بمعايير
المجلس ولكن!
ولا يبدو التوجه الجديد باتجاه توزيع القسائم التعليمية خاليا من بعض المنغصات وأهمها إعلان المجلس الأعلى للتعليم عن موافقته على زيادة رسوم (24) مدرسة خاصة. وتتبنى ذلك لجنة شؤون المدارس الخاصة بزيادة بلغت (%10)، ونظرا لبعض التكلفة الزائدة التي تتحملها المدارس الخاصة كما ورد في بيان المجلس.
ورغم أن ضوابط عدة على آلية التدريس وفحوى مناهج المدارس الخاصة وضعت من قبل المجلس الأعلى للتعليم، كالالتزام باعتماد معلمين من ذوي الخبرة والكفاءة في تخصصات (اللغة العربية، العلوم الشرعية، التاريخ القطري) بما يحقق جميع معايير المناهج للمواد الثلاث، وإلزام المدارس الدولية بتعليم الطلاب القطريين منهج العلوم الشرعية، وكذلك الطلاب المسلمين من الجاليات الأخرى نزولا عند رغبة المتعلم وولي أمره، فإن ذلك كله لم يشفع لدى أولياء أمور الطلاب الذين يتساءلون إذا ما كان ما تتكلفه المدارس الخاصة بتعيين مدرسين من ذوي الخبرة والكفاءة أو بتحسين ظروف التعليم بما يشمله من وسائل توضيح وطرائق تدريس سوف يتم تعويضه من جيوب أولياء الأمور، ولن تنفع معه قسائم تعليمية تغطي جزءا يسيرا من التكاليف.
فائدة جيدة للمدارس الخاصة ولو بنسبة محددة
من ناحيتها تعتقد مديرة مدرسة «فنغر برنتس» الخاصة مي عوض أن الإفادة من قبل المواطنين في المراحل الأولى ستكون محدودة نتيجة عدم معرفة الكل بها، ولكن بعد أن تتضح قيمة تلك القسائم سوف «يتزاحمون» للحصول عليها.
وحول المعايير التي اختارها المجلس الأعلى للتعليم للمدارس الخاصة لشمل بعض المدارس الخاصة ضمن نظام القسائم التعليمية، قالت مي إن اتجاه المجلس نحو جعل تدريس اللغة العربية والعلوم الشرعية وتاريخ البلاد بصورة ممنهجة عبر كادر كفء للمنهاج الذي يجب أن تعتمده كل المدارس الخاصة هو أمر طيب، معربة عن قناعتها التامة بذلك، بيد أن مسألة تدريس العلوم الشرعية في المدارس الخاصة يعود الأمر فيها إلى خيار أولياء الأمور بطبيعة الحال، مع إلزامية تعليم اللغة العربية والتاريخ القطري.
وحول إذا ما كان لهذه القسائم التعليمية أو «الكوبونات» فوائد واضحة تجنيها المدارس الخاصة، تجيب مي عوض بأن بإمكان تلك القسائم أن تشكل عائدا معنويا ورافدا ماديا، فاختيار تلك المدارس من قبل المجلس الأعلى هو تقدير مهم لناحية السمعة الجيدة التي تتمتع بها المدرسة الخاصة المنتقاة والتزامها بالمعايير المهمة لأولياء أمور الطلاب أيضا.
وفي سؤال لجريدة «العرب» إذا ما كانت نسب التغطية القسائم للأقساط السنوية كبيرة أو صغيرة ستكون أمرا مشجعا للمدارس الخاص، أجابت مي عوض بأن تلك القسائم ستكون أمرا إيجابيا لتلك المدارس أيا تكن نسبة تغطية تكاليف الدراسة في العام أو الفصل الواحد. وتدلل مي على كلامها بالمناشط التي تقوم بها المدارس الأجنبية بالتوجه نحو أصحاب الدخل المحدود سعيا لاجتذاب أبنائهم للدراسة على مقاعدها، وأن الفروق الاجتماعية المؤثرة على تحصيل الأبناء العلمي ستبدأ بالظهور إذا لم تتم مساعدة أولياء الأمور.
وحول إذا ما كان توزيع القسائم التعليمية دليلا على الإقبال الكبير على مدارس الخاصة من قبل المواطنين، أجابت بأن ذلك صحيح ولكن لا يعكس تفاضلا بين الخاص والمستقل من المدارس، ولكنها ترى بأن المدارس المستقلة بحاجة إلى الوقت الكافي حتى تصل في مناهجها للمستوى المقدم في المدارس الخاصة.
سلاح ذو حدين
السيدة رندة عثمان مسؤولة قسم التسجيل بمدرسة كامبردج الخاصة للبنات قالت لـ «العرب» إن النفع المادي يعود بدرجة أساسية على أولياء أمور الطلاب الذين بدؤوا يتساءلون باكرا عن المدارس التي تشملها الكوبونات، وأنها سئلت أكثر من مرة إذا ما كانت المدرسة التي تعمل بها مشمولة بهذا النظام -في إشارة إلى الخدمة الكبيرة التي تقدمها «الكوبونات» لأولياء أمور الطلاب- حيث إن المدرسة الخاصة ستقوم بتحصيل رسوم التسجيل للعام الدراسي سواء عبر المجلس الأعلى أو عبر ولي أمر الطالب دون تخفيضات تذكر في الخيار الأول.
وتعتبر رندة عثمان أن حصول أي مدرسة خاصة على تلك الكوبونات يعتبر نوعا من الدعاية المجانية لتلك المدرسة، باعتبار أن سمعتها ستربط باعتراف المجلس بها كمدرسة مطبقة لمعاييره. ومع ذلك فإن تطبيق تلك المعايير ليس بالأمر الهين كما تقول، حيث إن تدريس اللغة العربية والتاريخ القطري ليس أمرا أساسيا في عدد من المدارس الخاصة التي دأبت إداراتها على التكيف مع كل من مطالب أولياء الأمور وأعداد أبناء الجاليات غير العربية التي تدرس على مقاعدها. ورغم طلب بعض أولياء الأمور من الأجانب تدريس أبنائهم اللغة العربية فإنهم استثنوا من ذلك دراسة التاريخ المحلي.
وتعتقد رندة أنه سيتم التوسع في توزيع هذه القسائم التعليمية مع مضي الوقت؛ لأن الاتصالات كثيرة، وتتساءل عن شمول المدرسة في هذا النظام، وبالتأكيد فالوضع مشابه في كل المدارس، بل إن بعض أولياء الأمور يحبذ شمول المدرسة ضمن هذا النظام لتسجيل أبنائه أو بناته فيها.
«رغم أن من مصلحة أولياء أمور الطلاب شمول المدرسة الخاصة التي يتعلم فيها أبناؤهم بنظام الكوبونات المجانية فإن ذلك لا يعكس معيارا لجودة التعليم» هذا ما تود أن تركز عليه رندة عثمان وتوصله في حديثها. كما أن معايير أولياء الأمور برغم أنها ليست واحدة فإنها في العموم تركز على تلقي أبنائهم التعليم الجيد. كما أن جودة مخرجات التعليم تبدو جلية في كل مرحلة دراسية وبإمكان الآباء والأمهات قياسها في المدارس التي تشمل مراحل دراسية عديدة تبدأ من نعومة أظفار الطلاب حتى تهيئهم للحياة الجامعية. إضافة إلى تركيز أولياء الأمور على حصول أبنائهم على شهادات ثانوية معتبرة.
ضرورة تحري
العدالة في التوزيع
المواطن «علي زينل» قال إن ظروف المواطنين ليست واحدة، فهو شخصيا يعمل في إحدى الشركات التي تتكفل بدفع مصاريف المدرسة بالنيابة عنه. كما أن الكثير من أصدقائه وأقربائه لا يفضلون إلحاق أبنائهم بالمدارس الخاصة حتى لو شملت بنظام الكوبونات؛ لأنها لا تراعي خصوصية المجتمع القطري كما يقولون.
من ناحيته يقول جاسم عبدالله إن القسائم هي نوع من تحقيق المساواة في فرص التعليم بين المواطنين وهو أمر إيجابي للغاية. ولكن من ناحية أخرى يجب أن تكون الأولوية في إعطاء تلك القسائم لأولياء أمور الطلاب الذين لا يعملون في جهات حكومية أو شركات تتكفل بمصاريف مدارس أبنائهم.
خطورة كبيرة
عبدالعزيز الملا الخبير التربوي قال إن توزيع هذه القسائم دون معيار سيولد التباغض والحسد بين الجميع، ويتابع الملا أن هذه الكوبونات تتعلق بالنقل بين مستوى التعليم الحكومي الذي يقدم في المدارس المستقلة والآخر المقدم في المدارس الخاص، وأن ذلك يجب أن يراعى فيه نقل الطالب من مرحلة تعليمية إلى أخرى، وألا يعكس تخبطا في الخطط، وأن من المفروض إحصاء عدد الطلاب القطريين الموجودين في المدارس الخاصة.
ويطالب الملا كخبير عمل لمدة 37 عاما كمدير لعدد من المدارس الثانوية بأن تكون لدى مجلس التعليم الأعلى خطة واضحة المعالم، ويضيف الملا بأن الأمر لا يتعلق بالمجلس فقط، بل أيضا بالمدارس الخاصة التي لا تخدم برامجها الدراسية خطط الدولة للتعليم، حيث تركز تلك المدارس على الجانب المادي والربحي للعملية التعليمية.
ويقول الملا إنه من الضرورة بمكان أن يكون الطالب الحائز على المستوى المتميز هو المستحق للقسيمة التعليمية المجانية بمعنى جعلها حافزا وليس هدايا مجانية. ويعتبر الملا أن الجاليات يأخذ أبناؤها حظا من التعليم أكثر من المواطنين؛ لأن أبناءهم يحصلون تعليمهم بالمجان في مدارس معترف على شهادتها الثانوية دوليا، مطالبا بأن تعطى القسائم -في حال استمرار اعتمادها- لأبناء القطريين الذين لم يستطيعوا توفير التعليم لأبنائهم في المدارس
الخاصة.
كما يعكس الملا شكاوى كثيرة تقدم بها أولياء أمور الطلاب الذين تكون لغتهم الأجنبية ضعيفة للغاية ومع ذلك ينجحون في الامتحانات الفصلية أو امتحانات نهاية السنة ثم لا يستطيعون الالتحاق بمدارس خاصة أخرى نتيجة ضعف مستوى لغتهم الأجنبية.
الملا رأى أن إلغاء فكرة الكوبونات سيكون حلا سليما يجعل الجهود تنصب على المخرجات التعليمية لكافة المواطنين، موضحا أن الجامعات الخاصة هي مقصد الأشخاص ذوي الحظوة وليست خيارا لكل المواطنين، مع استثناء من لم يسعفه الحظ لضيق المدارس المستقلة بأعداد الطلاب، حينها يضطر إلى إلحاقه بالمدرسة الخاصة.