في الجلسة الأولى للبرنامج وبمشاركة عدد من العلماء.. «وآمنهم من خوف» يناقش تحديات وحدة الأمة

alarab
الملاحق 25 فبراير 2026 , 01:26ص
حامد سليمان

تناولت الجلسة الأولى من جلسات البرنامج الرمضاني «وآمنهم من خوف»، والذي تنظمه وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بجامع الإمام محمد بن عبد الوهاب، «وحدة الأمة في عالم متغير: قراءة في التحديات المعاصرة». قدم الجلسة الشيخ معاذ يوسف القاسمي، وشارك بها عدد من العلماء، من بينهم فضيلة الشيخ الدكتور بلال بارودي- شيخ قراء طرابلس وأمين عام دار الفتوى (لبنان)، وفضيلة الشيخ الدكتور سالم الشيخي- باحث شرعي وعضو بالمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، وفضيلة الشيخ الدكتور نور الدين الخادمي- أستاذ جامعي بكلية الشريعة في جامعة قطر (ووزير الشؤون الدينية الأسبق بتونس)، وفضيلة الشيخ الدكتور علي القره داغي- رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
أكد الدكتور علي القره داغي، رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، أن وسائل الإعلام التقليدية والرقمية تلعب دورًا محوريًا في صناعة الوعي الجمعي وتعزيز مفهوم وحدة الأمة، مشددًا على أهمية أن يكون هذا الدور بناءً وتكاملياً، وليس سبباً في الانقسام أو الاستقطاب.
وتناول القره داغي خلال كلمته في الجلسة الأولى من المنتدى الرمضاني «وآمنهم من خوف» في نسخته الثانية عشرة، تفسيراً موجزاً للآية الكريمة «ولتستبين سبيل المجرمين»، مشيرًا إلى وجود قراءتين متواترتين لها: «ولتستبين سبيل المجرمين» و»وليستبين سبيل المجرمين».
وعن مفهوم الوحدة، أوضح أن الإسلام لا يقضي على التنوع أو نفي الاختلاف، بل يقوم على حركة جامعة تشمل عدة دوائر: الفرد، القبيلة، القومية، الدائرة الجامعة القائمة على العقيدة، أهل الكتاب، والدائرة الإنسانية العامة.
وأشار إلى أن هذه الدوائر قامت على «فقه الميزان» عبر كفتين: الأولى فكرية تقوم على البحث عن الحقيقة والحوار، مستشهداً بالآية «وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين»، وأما الثانية عملية تقوم على التعاون بين الناس على البر والتقوى، لا على الإثم والعدوان، وفق قوله تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان).
وأكد الدكتور بلال بارودي – شيخ قراء طرابلس وأمين الفتوي بها – أن معنى الوحدة تفرد به الإسلام، ولم تجتمع على مر التاريخ أمة من الناس، حدها وضع جغرافي أو عرق دموي على شيء مثلما اجتمعت عليه الأمة الإسلامية، موضحاً أن كلمة «الأمة» مشتقة من «الأم» وأن العرب تقول أممت إليه أي قصدته، وهو أمر جامع يُقصد إليه، وأن أي مجموعة تجتمع على أمر تسمى «الأمة».
وأشار إلى أن الأمة الإسلامية وحدتها لا بلغتها ولا بجغرافيتها، ولكن بعبادتها ربها، كما جاء في قول الله عز وجل (إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ). وأن الأمة تجتمع على العبودية لربها، وأن الله سبحانه وتعالى ذكر الأمة بصيغ مختلقة ومتنوعة، لتؤدي دورها.
وقال الدكتور نور الدين الخادمي – كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة قطر أن الأمة الإسلامية هي مرادُ الله سبحانه وتعالى مرادًا إلهيا بخلقها وبجعلها، وبما يتعلق بهذا المراد الخلقي والمراد الجعلي؛ لأن هذه الكلمة كلمةٌ مركزيةٌ في عقيدتنا وشريعتنا، وهي الكلمة التي ستنهي كثيرًا من المشكلات الفكرية والعملية الضخمة التي أُصيبت بها الأمةُ بأحزابها وجماعاتها، بل وشعوبها.
واضاف: أراد الله سبحانه وتعالى أن تكون هذه الأمةُ الإسلامية أمة خاتمة، وهذا مراد خلقي له سبحانه وتعالى وحده، ومع ذلك فهي تعيش مع أمم أخرى؛ ولذلك فإن هذا الموضوع يُرد إلى الأمة المسلمة
وأوضح الدكتور الخادمي أن هناك فرقا دقيقا أشار إليه علماء اللغة، وعلماء العقيدة، وعلماء المقاصد، بين «الخلق» و«الجعل». فهذه الأمة المخلوقة هي أمة مجعولة، وكونها مجعولة يعني أنها مكلفة، بناءً على أنها مخلوقة.
وقال: «الأمة وهي تشكيل من تشكيلات العالم، وهي أمة خاتمة كما قلنا – أمة مجعولة، بمعنى أنها مكلفة بأن تُدير تشكيلها البشري إدارة راشدة في بُعده الديمغرافي، والجغرافي، والسياسي، والثقافي، والمذهبي، والفكري، لأن هذا التشكيل في جانبه الديمغرافي والجغرافي والواقعي والتاريخي – هو وضع في غاية التعقيد والتركيب
وأكد الشيخ الدكتور سالم الشيخي أن العولمة، لاسيما في بعدها الثقافي، تمثل تحدياً عميقاً للهوية الإسلامية، محذراً من آثارها المتنامية على مفهوم الانتماء ووحدة الأمة.
وأشار إلى أن العولمة، التي برزت بقوة مع مطلع التسعينيات عقب سقوط الاتحاد السوفيتي، قامت على عدة أعمدة رئيسية، غير أن أخطرها كان «العولمة الثقافية». وأوضح أن دولاً كبرى أبدت في وقت سابق تخوفها من هذا المسار، وطرحت مفهوم “الخصوصية الثقافية” كإطار لحماية هويتها من الذوبان.
وفي تعريفه للهوية، أوضح الدكتور الشيخي أنها في معناها العام تمثل مجموعة الخصائص والسمات التي تميز أمة عن غيرها. غير أن الهوية في المنظور الإسلامي – بحسب قوله – تتجاوز الإطار الحضاري أو الجغرافي، لتصبح انتماءً عقدياً ورسالةً ممتدة، مستشهداً بقوله تعالى: «إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ».
وبيّن أن من أبرز مرتكزات هذه الهوية: وحدة المرجعية، ووحدة الهدف، ووحدة المصير، ووحدة الرسالة، وهي عناصر تشكل الأساس الصلب لبقاء الأمة متماسكة في وجه التحولات الكبرى.