صحف عربية: هل تدخل الأزمة السورية في جنيف مرحلة الخروج من عنق الزجاجة؟
حول العالم
25 يناير 2014 , 12:00ص
واصلت الصحف العربية الصادرة الأسبوع الماضي جل اهتماماتها بالحديث عن الأزمة السورية وتداعياتها الخطيرة التي لا يحمد عقباها أحد، والتي تمثل خطورة على الإقليم السوري بأكمله.
فقد أفردت الصحف المساحات عبر افتتاحيتها ومقالات لكبار الكتاب للحديث عن سوريا ومعاناة الشعب السوري، وما يلقاه من جانب قوات الأسد.
في سياق ذاته أعربت بعض الصحف عن آمالها لحل الأزمة السورية عبر مؤتمر جنيف2. مؤكدة أنه لا بد من التوصل إلى سياسي بعدما فشلت الحلول الأمنية والعسكرية.
ففي هذا الشأن قالت صحيفة القدس العربي في إحدى افتتاحياتها: إن تبادل وزراء خارجية ومسؤولين عالميين التعليق على قضية الصور المسربة من سوريا التي توثق اغتيال وتعذيب وتجويع 11 ألف معتقل سوري بالطريقة التقليدية التي اعتادوا التصريح بها. بعضهم، كوزير الخارجية البريطاني وليام هيغ وصفها بأنها «شيء بشع وصادم للغاية»، وبعضهم الآخر، مثل وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف اعتبر ذلك جزءاً من الحرب الإعلامية الدائرة، بل إنه ساوى عملياً بين طرفي النزاع واقترح، ضمنياً، إهمال كل ذلك والتركيز «الآن» على «وقف إطلاق النار»، وأضافت الصحيفة أما المتحدثة باسم وزارة الخارجية الإيرانية مرضية أفخم فاعترضت على نشر الصور في هذا التوقيت (أي قبل مؤتمر جنيف2) واعتبرته «مثيراً للشبهات».
وأضافت الصحيفة أما الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون فقد رفض (لشدة تهذيبه الدبلوماسي) أن يعلق بكلمة على الموضوع، مع العلم أن ديزموند دي سيلفا، رئيس اللجنة المدققة في الصور، هو من الذين كلفتهم الأمم المتحدة نفسها برئاسة قضايا تحقيق سابقة في جرائم حرب في سيراليون (حيث، بالمناسبة، بزغ نجم سيرغي لافروف السياسي كملحق دبلوماسي لروسيا قبل انتقاله لمناصب أعلى).
وأضافت الصحيفة أن أبلغ التصريحات، التي تشرح ردود فعل العالم الحقيقية على المذبحة السورية الممنهجة، جاءت من رئيس البرلمان التركي جميل تشيتشك الذي قال: إن «العالم المتحضر يشاهد ما يحدث من أعمال عنف ووحشية، وكأنه يتابع مباراة لكرة القدم»، مستنتجاً أن هذا «العالم المتحضر» لا يهمه القتل وإنما تهمه الطريقة التي يقتل بها الناس، فلقد أصدر المجتمع الدولي بعد استخدام الكيميائي أوامر بعدم استخدام تلك الأسلحة، وكأنه يقول لهم: «اقتلوهم بأي شيء آخر إلا الأسلحة الكيميائية».
وأضافت الصحيفة أننا لا نصدق أن بان كي مون ووليام هيغ وسيرغي لافروف ومرضية أفخم لا يعرفون ما يجري في «المسلخ السوري»، وهم لذلك، مثلهم مثل الوفد السوري إلى جنيف2، والذي اختير لأن أيدي أفراده «لم تتلطخ بالدماء»، مشاركون بطريقة أو بأخرى في استمرار هذه المجزرة الواسعة.
وتابعت أننا يجب أن نعترف أن تجويع وتعذيب 11 ألف معتقل سوري ثم قتلهم خنقاً بالحبال والأسلاك والأيدي (لتوفير الأسلاك ربما أو لتوفير متعة أكبر للجلادين بالقتل) أمر لا يهم «العالم المتحضر» كفاية ليتحرك لمنع المجزرة، وأن على آلاف المعتقلين الآخرين أن يودعوا العالم بالطريقة نفسها، وألا ينتظروا عوناً من أحد سوى من ربهم الذي أسلموا جوارحهم إليه بعد أن أغلقت عليهم الزنازين وسلط عليهم النظام زبانيته ومجرميه.
وشددت الصحيفة على أن إحالة قضية الصور إلى ألعاب السياسة والإعلام بمعناها المبتذل يقوم الساسة والإعلاميون بإهانة مضاعفة للقتلى وأهاليهم وللشعب السوري وللإنسانية جمعاء.
وأضافت يتشارك «الساسة» بذلك عطر الجريمة الفواح، وكما فعل المسؤولون عن تنفيذ الجرائم من ترقيم للقتلى على الجبين أو الصدر، يقوم المسؤولون في العالم بتخفيض قيمة الأرواح البشرية التي أزهقت بتحويلها إلى مباراة في المساجلة الدبلوماسية التي تتأرجح بين «صمت» بان كي مون البليغ وحذاقة مرضية أفخم البوليسية وفظاظة لافروف الباردة.
وتابعت يتشارك الساسة مع وسائل الإعلام في لعبة تحقير الضحايا بإشغال الجمهور بالتفاصيل والتذاكي المبالغ فيه حول من مول التقرير، وحول توقيته، وحول ضرورة التركيز على الحاضر إلخ.. ناسجين بذلك حبلاً ضخماً من اللغو يعيد خنق الضحايا مرة أخرى ويدفن إنسانيتنا معهم في قبورهم المجهولة المكان.
وأضافت أن إصدار التقرير والصور هو الوسيلة الوحيدة التي يشير فيها المقتولون إلى قتلتهم، وهرب عنصر الشرطة العسكرية بضميره المثقل بمشاهد «المسلخ السوري» المروعة لتوثيق جرائم مصنع القتل الكبير الذي بناه النظام السوري لتهشيم إنسانيتنا هو النافذة الممكنة التي يمكن لأرواح القتلى الممزقة أن تلاقي أرواحنا المتوجعة وتلاءم إحساسنا اليائس بقدرة البشرية على الفعل.
واختتمت القدس افتتاحيتها أن ما نحتاج إليه، حتى لو لم يتحرك العالم لإنقاذ السوريين، هو أن يقال للمجرم: إنه سيحاسب إذا ثبتت الجريمة، وأي شيء أقل من ذلك لا يعدو أن يكون تمويهاً ومشاركة في الجريمة نفسها.
وتحت عنوان «هل تخرج سوريا من عنق زجاجة جنيف2»؟ قالت صحيفة الدستور الأردنية: إن حجم توقعات نجاح جنيف ضئيل لثاني لقاء بين الحكومة السورية والمعارضة، فالنظام يتحدث كما لو أن دماءً لم تنزف وقتلى لم يبلغ عددهم المئة ألف وأكثر، وكما أن المعارك بعيدة عن دمشق وصدى القذائف لا يسمع قرب القصر الجمهوري، أما المعارضة المنقسمة إلى أكثر من سبعة عشر فصيلا، فإن أكبر ائتلاف فيها لم يتفق على المشاركة في المؤتمر إلا قبل يومين من انعقاده في عاصمة الحياد العالمي.
وأضافت أن الأكثر مدعاة لخفض نسبة توقعات النجاح هو أن النظام لا يمثل نفسه بالكامل وكذلك المعارضة، فهي ليست أفضل حالاً من حيث تمثيل نفسها.
وأضافت بالتالي فإن سوريا الدولة سواء الحالية التي يمثلها النظام أو المأمولة التي تسعى إليها المعارضة ليست موجودة بالكامل على طاولة جنيف. ذلك لأن جنيف1 وجنيف2 الحالي لم يكونا ليعقدا لولا التوافق الدولي، وبخاصة الولايات المتحدة وروسيا، على وضع معين يحفظ بالدرجة الأولى مصالحهما ومصالح القوى الدولية في المنطقة.
وتابعت الدستور لقد مرت ثلاث سنوات دامية لم يستطع أي من الطرفين «النظام والمعارضة» من حسم الوضع على الأرض لصالحه، وفي هذه الأثناء لم يتحرك المجتمع الدولي لإنهاء الصراع العسكري ليحفظ لسوريا وحدتها وللشعب السوري كرامته واقتصاده، بل كان البعض يصب الزيت على النار لتلتهم المزيد من السوريين ومستقبل بلادهم، لكأن المقصود هو تمزيق سوريا وتقسيمها وصولا إلى اقتسامها بين الأطراف التي لها مصلحة في ذوبان الدولة السورية وفي مقدمة هؤلاء العدو الصهيوني.
وأضافت لقد أعلنت منظمة «الإسكوا» مؤخرا نتائج اجتماعات «مشروع الأجندة الوطنية لمستقبل سوريا» التي عقدت مؤخرا في مقرها في بيروت تحضيرا لاجتماعات «جنيف2»، وأشارت إلى «أن سوريا خسرت 37 عاماً من التنمية، وتراجع تصنيفها في كل المؤشرات التنموية لتحتل المركز قبل الأخير عربياً. وكل يوم إضافي في هذه الأزمة يعني خسارة 109 ملايين دولار أميركي من الناتج المحلي الإجمالي»، ماذا يتبقى من سوريا بعد كل هذه الخسائر؟ وأي نجاح يتوقع خاصة أن إرباكا شديدا أحدثه توجيه الدعوة لإيران بالمشاركة في المؤتمر ثم سحب الدعوة في اليوم التالي؟ ليس حبا في عيون إيران نقول ذلك لكن لا أحد ينكر دور طهران في الأزمة السورية سواء من جهة دعمها لنظام دمشق أو من جهة ذراعها العسكري حزب الله المتواجد في الأرض السورية ويخوض معارك الدفاع عن النظام.
واختتمت الدستور افتتاحيتها هل تدخل الأزمة السورية اليوم في جنيف مرحلة الخروج من عنق الزجاجة أم تختنق في الأعمق وتتكسر الزجاجة وتقسم سوريا إلى دويلات؟ لنتفاءل سلاماً لعل وعسى.
وفي إحدى مقالاته بصحيفة الأنوار اللبنانية يقول الكاتب رفيق خوري: إن قطار جنيف2 انطلق مؤخرا من مونترو الهادئة الجميلة في رحلة سوريالية: تفاوض سياسي في سويسرا على وقع الصدام العسكري في سوريا. وأضاف أن رحلة لم تبدأ إلا بعد ثلاث سنوات من حرب دمرت العمران وخربت النسيج الاجتماعي الوطني، ولا أحد يعرف متى تنتهي، فعلى طريق القطار كثير مما يهدد بتوقفه أو حتى بتفجيره، وقليل مما يرجح وصوله إلى دمشق. وأضاف أن على متن القطار زحام ركاب إقليميين ودوليين هم أكثر بالطبع من الركاب السوريين.
وأضف أن الركاب الإقليميين والدوليين ليسوا مجرد ضيوف، بل أصحاب مصالح وطلاب أدوار، بعضهم متضرر من حرب سوريا، وبعضهم الآخر مشارك في الحرب ومساهم في توظيفها وتوظيف أطرافها لمصلحته، وكلهم ينتظر كشف اللغز الغامض من التفاهم والواضح من الخلاف بين الراعيين الأميركي والروسي. أما الركاب السوريون، فإنهم يلتقون في المكان لا في الزمان، وليس من الضروري أن يصل إلى المحطة الأخيرة كل الذين صعدوا إلى القطار في المحطة الأولى.
وتابع أن ذلك ما ينطبق على وفدي النظام والمعارضة هو المثل الفرنسي الشائع: حلمان في سرير واحد. حلمان مختلفان، ولكن وسط كابوس واقعي ثقيل على الشعب السوري هو معاناة تراجيديا الحرب. مهمة الوفد الذي يتولى رئاسته وزير الخارجية وليد المعلم هي الحفاظ على النظام عبر قطع الطريق مسبقاً على أي تصور بأنه ذاهب لتسليم السلطة، ثم تركيز المؤتمر على ما سماه الرئيس بشار الأسد القرار المهم وهو الحرب على الإرهاب، ومهمة الوفد الذي يتولى رئاسته أحمد الجربا هي التركيز على تسليم السلطة لهيئة حكم انتقالية ذات صلاحيات تنفيذية كاملة حسب بيان جنيف-1.
وتابع الكاتب لكن من الصعب تجاهل العوامل الضاغطة على المؤتمر وأبرزها ثلاثة: الأول هو حسابات اللاعبين الكبار في الصراع الجيوسياسي على الشرق الأوسط، والذي مركز الدائرة فيه حرب سوريا، بحيث يبدو المشهد أوسع من صورة الحديث عن حل سوري بقيادة سوريين، لأنه لا الأزمة والحرب في أيدي السوريين وحدهم، ولا بالتالي الحل. والثاني هو مخاطر استمرار الحرب على وحدة سوريا، كما على الأوضاع في لبنان والعراق والأردن وتركيا. والثالث هو الحجم الكبير للمأساة الإنسانية: 130 ألف قتيل، مئات ألوف الجرحى، 9 ملايين نازح داخل البلد وفي بلدان الجوار، مليون ونصف مليون بيت مهدم، ومئات المدارس والمستشفيات المهدمة.
واختتم الكاتب مقالاته أن التحدي أمام الجميع ليس فقط التسليم بأن الحل العسكري في طريق مسدود، بل أيضاً العمل لأن يكون الحل السياسي في طريق مفتوح. وأخطر ما في أية أزمة أن تبدو عصية على الحل العسكري والحل السياسي معاً.