على المسلمين مد بصرهم للمستقبل والتحلي بروح المبادرة
قطر اليوم
24 نوفمبر 2012 , 12:00ص
الدوحة - محمد عيادي
اعتبر الشيخ الدكتور عبدالوهاب بن ناصر الطريري أن العدوان الأخير على قطاع غزة ومقاومته فيه بشائر للمستقبل، تبشرنا أن تاريخ الأمة بدأ يكتب، وأن خطواتها بدأت تسير على الطريق الصحيح، وأن الشعوب أصبح لها دورها ورأيها.
وأشاد الداعية السعودي في خطبة الجمعة أمس بجامع الإمام محمد بن عبدالوهاب وحيا الخطوات التي مشت لغزة قبل العدوان الأخير، في إشارة لزيارة حضرة صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أمير البلاد المفدى للقطاع الشهر الماضي، منوها في الوقت نفسه بمن زار القطاع بعد العدوان تضامنا.
وقال عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سابقا، إنه لن يتحدث عن العدوان الصهيوني الجبان الأخير على قطاع غزة -حيث لم تجف دماء الشهداء على أرض الصبر والرباط- حديث نواح عن أرواح كوكبة الشهداء الذين صعدت أرواحهم طيبة مطيبة، لأنها ليست إلا نجوما مضيئة في السماء دفاعا عن الحق وضمن قوافل شهداء فلسطين الطويلة منذ ما قبل 1936 وقبل قيام دول صهيون، ومنهم الشهيد الحسيني صاحب المقولة الشهيرة: "إن فلسطين ليست أرضا بلا شعب حتى تعطى لشعب بلا أرض".
وأضاف: ما زالت فلسطين تقدم من خيرة أبنائها الذين ما كان بن جوريون وغيره من قادة دولة صهيون يظنون أنهم سيبقون بعد ستين سنة في مربع المواجهة الأول، وكانوا يعتقدون أن الكبار سيموتون والصغار سينسون، فإذا بهم لم ينسوا ولن ينسوا ويجاهدون ولم ولن يتخلوا عن حقهم، وسيقول الصهاينة كما قال آباؤهم "إن فيها قوما جبارين".
وتساءل الخطيب: هل نحن بحاجة لنرى أشلاء واستشهاد شيوخ ونساء وأطفال يقتلون حتى نتذكر أن هناك شعبا محاصرا وبلدا محتلا؟ مطالبا بألا يكون الدعم موسميا ينتظر عدوانا أو غزوا أو اجتياحا حتى تتحرك العواطف، وأنه لا بد من مشروع مستقبلي بعيد المدى يسعى للدعم وتثبيت الفلسطينيين على أرضهم لأنها أرض رباط.. مشروع مستدام يحفظ للفلسطينيين كرامتهم ودماء آبائهم والتشبث بحقهم، مشيراً لضرورة إبقاء نوافذ الأمل مفتوحة في القلوب، ومد الأبصار للمستقبل وبشائره في أوقات الشدائد.
واستشهد الخطيب بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة الخندق لما وجد صلى الله عليه وسلم وأصحابه صخرة كبيرة كسرت المعاول الحديدية، فتقدم صلى الله عليه وسلم من الصخرة وأمسك المعول وقال "بسم الله"، وضربها فتصدعت وبرقت منها برقة مضيئة فرأى قصور الشام، ثم ضرب ضربة أخرى فبرقت ثانية فرأى قصور فارس.
واستعاد الداعية السعودي في خطبته ذكرى أول منبر في الإسلام رقيته قدما رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث كان صلى الله عليه وسلم يقف بجوار جذع نخلة، وجاءت امرأة من الأنصار وقالت: يا رسول الله إن لي غلاما نجارا ألا آمره أن يتخذ لك منبرا؟ فوافق صلى الله عليه وسلم على ذلك، وتلقى عليه وسلم مبادرتها بحفاوة، وأمرت المرأة غلامها فصنع أول منبر في الإسلام صعده النبي صلى الله عليه وسلم وخطب عليه.
وقال الخطيب إن المنبر مبادرة من امرأة لم تمنعها مهابة الرسول وأصحابه عليهم، وقدمت مشروعها الذي احتفى به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الاحتفاء الذي أيقظ به هاجس المبادرة لدى المسلمين والتوثب فكتب لمشروعها الخلود، مشيراً إلى أن التربية الإسلامية تنشئ المسلمين على المبادرة وعدم الارتهان والانحباس في آلام الحاضر واسترجاع آلام الماضي.
وأشار الخطيب لقصة مجيء الصحابة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد المعاناة مع المشركين، كما جاء في الصحيح عن خباب رضي الله عنه حيث قال: أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في ظل الكعبة متوسداً بردة له فقلنا: يا رسول الله ادع الله تبارك وتعالى لنا واستنصره، قال: فاحمر لونه أو تغير فقال: "قد كان الرجل ممن قبلكم تحفر له الحفيرة، ثم ينشر بالمنشار ما يصده عن دينه، وإن كان الرجل ممن قبلكم لينشط ما بين لحمه وعظمه ما يصده عن دينه، وليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الرجل ما بين كذا إلى كذا لا يخاف، ولكنكم تعجلون".
وقال إن الذي أغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وغير لون وجهه الكريم، هو رؤيته لنفوس انغمست في اليأس فمد بصرهم للمستقبل الذي يجب العمل من أجله وعدم حرق المراحل، منشلا إياهم من المعاناة بأن فتح لهم آفاقا رحبة نحو المستقبل، مربيا إياهم على هذا المنهج.
وأكد الشيخ الطريري أن الصحابة رضوان الله عليهم انشغلوا بالمستقبل، الأمر الذي جعلهم يغيرون مجرى التاريخ خلال عقد من الزمن، لأن النفوس متوثبة للإنجاز ولا تنحبس في اجترار الآلام، مشيراً إلى أنهم ما إن استوعبوا الصدمة الكبيرة والمصاب الجلل بموت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفرغوا من دفنه صلى الله عليه وسلم، حتى استأنفوا مشروعهم وساحت جيوشهم في الأرض، وبعدما كان مسجد رسول الله يجمعهم تفرقوا في ثلاث قارات.
ودعا الداعية السعودي المسلمين للعيش بهذه الروح المتوثبة للمستقبل بمشاريع طموحة وآمال تستطيع أن تجاوز آلام الماضي والحاضر، واستيعاب روح قوله تعالى "والعصر. إن الإنسان لفي خسر. إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر".