الأحد 23 ربيع الثاني / 28 نوفمبر 2021
 / 
03:26 ص بتوقيت الدوحة

الدكتورة حمده حمد النعيمي في حوار لـ العرب: ضغط الآباء وراء تردد طلابنا في حسم مستقبلهم المهني

حامد سليمان

الأحد 24 أكتوبر 2021

أكدت الدكتورة حمده حمد النعيمي، كبير اختصاصيي البرامج والخدمات المهنية في مركز قطر للتطوير المهني، عضو مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع، أن دراستها للدكتوراه في جامعة ريدينج في المملكة المتحدة كانت بأطروحة حول كيفية اتخاذ الطلاب القطريين في الصف الثاني عشر لقراراتهم التعليمية والمهنية، مشيرة إلى أن الدراسة كانت لمدة عام في مدرستين ثانويتين حكوميتين في قطر (مدرسة للبنات وأخرى للبنين).


وكشفت د. حمده النعيمي في حوار لـ «العرب» عن أن الدراسة توصلت إلى أن الأب والأصدقاء الأكبر سنًا هما العاملان الأقوى تأثيرًا على قرارات الطلاب التعليمية والمهنية، وأن الدراسة سلطت الضوء على دور الأب المركزي في عملية اتخاذ الطالب لقراره المهني، كما وجدت أن ضغط الأب هو العامل الأبرز في حالة الطلاب القطريين غير القادرين أو المترددين في اتخاذ قرارهم المهني، وأوصت الدراسة بتضمين الآباء والأصدقاء الأكبر عمرًا في برامج التوجيه المهني للطلاب في المدارس.
وأشارت إلى أن ضغط الأب أو غيابه سبب رئيسي يحول دون اتخاذ الطالب لقرار مهني واضح، ففي حالة الابن ضغط الأب متجه للأعلى لأنه يطالبه بأعلى مما يمكنه تحقيقه، على عكس ما هو عليه في حالة الابنة حيث يكون متجها للأسفل لأنه يقيدها بمعايير ثقافية واجتماعية تُحد من تطلعاتها وتتنافى مع حريتها في اتخاذ قرارها المهني.
وأكدت على ضرورة توعية بعض الآباء القطريين بضرورة التوقف عن دفع أبنائهم الذكور إلى طموحات تتجاوز قدراتهم، وتوعية بعض الآباء القطريين بضرورة الكف عن تثبيط طموحات بناتهم بحجة القيود الثقافية والاجتماعية، مشددة على أن ضغط الأب أيًا كان اتجاهه يتعارض مع حرية الطلاب ذكورا وإناثا في اختيار قراره التعليمي والمهني. ودعت الدكتورة حمده النعيمي إلى إطلاق حملة محاضرات توعوية لآباء الطلاب والطالبات كل على حدة، ولتقديم نماذج مهنية خارج نطاق المهن التقليدية لكل من الإناث والذكور، وعمل ورش تدريبية للطلاب على سبل ومناهج اتخاذ القرارات وتعزيز الثقة بالنفس وأهمية بناء علاقات اجتماعية والحفاظ عليها لتكوين رأس مال اجتماعي، منوهة إلى ضرورة إعادة النظر في التوجيه المهني المقدم للطلاب بالمدارس الثانوية الحكومية.. وإلى نص الحوار:

أجريتم دراسة حول كيفية اتخاذ الطلاب القطريين في الصف الثاني عشر لقراراتهم التعليمية والمهنية.. حدثينا عن بداية العمل عليها؟
عندما كنت طالبة في الصف الثامن، كانت معلمة الرياضيات في مدرستي خير نموذج للشابة القطرية التي أتطلع لأن أكون مثلها، فقد كانت مثقفة وذكية ومجتهدة ومُحبَة لعملها. قررت حينها أن أكون معلمة رياضيات. كنت حاسمة وحازمة في قراري، وبالفعل حققت حلمي، رغم كل المغريات التي تعرضت لها بعد تخرجي من الثانوية، مع حصولي على مجموع مرتفع يؤهلني لدراسة الطب أو ربما علوم الحاسب. لقد كنت أعرف هدفي جيدًا، وكنت أعلم ما أحتاج للقيام به من أجل بلوغه.
بعد فترة من التدريس في المدارس الثانوية، تحدثت مع الكثير من الطالبات اللاتي لا يستطعن تحديد أهدافهن أو وجهتهن المهنية في المستقبل. استغربت ذلك كثيرًا حينها، ومع عملي كمرشدة أكاديمية في المدارس الحكومية قابلت أيضًا الكثير من الطالبات اللاتي لا يعرفن كيف يُحددن الجامعات والتخصصات التي تلائمهن، وذلك لأنهن غير واعيات لما يرغبن في تحقيقه في الحياة.
هذا دفعني لاتخاذ قرار دراسة أسباب هذه الظاهرة، وفعلاً قبلت لدراسة الدكتوراه في جامعة ريدينج في المملكة المتحدة، وكان موضوع أطروحتي هو كيفية اتخاذ الطلاب القطريين في الصف الثاني عشر لقراراتهم التعليمية والمهنية وما هي العوامل التي تؤثر في هذا الإختيار، واستندت إلى معلومات مستمدة من استخدام المنهج المختلط (الكمي والنوعي) للدراسة لمدة عام في مدرستين ثانويتين حكوميتين في قطر (مدرسة للبنات وأخرى للبنين). وقد اخترت المدارس وفقًا لمعيار محدد، وهو ضمها لأكبر عدد من الطلاب القطريين المسجلين في الصف الثاني عشر في سنة جمع البيانات. وبينما استخلصت البيانات الكمية من استطلاع أجاب عليه 308 طلاب قطريين (185 طالبة و123 طالبا)، حصلت على البيانات النوعية من خلال مقابلة 21 طالبًا قطريًا (11 طالبة و10 طلاب) مرتين. وكانت الجولة الأولى من المقابلات في الفصل الدراسي الثاني من انتظامهم في الصف الثاني عشر، أما الجولة الثانية من المقابلات فكانت بعد ترك الطلاب المدرسة الثانوية.
ما أبرز الذي توصلت له هذه الدراسة؟
توصلت من خلال هذه الدراسة إلى أن الأب، والأصدقاء الأكبر سنًا هما العاملان الأقوى تأثيرًا على قرارات الطلاب التعليمية والمهنية. كما سلطت الدراسة الضوء على دور الأب المركزي في عملية اتخاذ الطالب لقراره المهني، لأن الأب «الداعم من دون تدخل» يوفر بيئة إيجابية للطالب لكي يختار تخصصه الجامعي بما يتوافق مع طموحه وميوله.
ووجدت الدراسة أيضًا أن ضغط الأب هو العامل الأبرز في حالة الطلاب القطريين غير القادرين أو المترددين في اتخاذ قرارهم المهني. وبناء على ذلك، أوصت الدراسة بتضمين الآباء والأصدقاء الأكبر عمرًا في برامج التوجيه المهني للطلاب في المدارس.
ماذا عما يمكن تسميته بالضغط الاجتماعي على الطلاب في تحديد قراراتهم المهنية؟
تناولت في أطروحة الدكتوراه كذلك تأثير الضغط الاجتماعي الكثيف على الطلاب الذكور، وهو ضغط يتعارض مع استقلاليتهم في اتخاذ قراراتهم المهنية ويجبرهم بلا وعي على اتخاذ قرار مهني يتوافق مع منطق القوة. وتقترح هذه الدراسة إعادة النظر في برامج الإرشاد المهني المقدَّمة للطلاب في المدارس.
كما توصلت من خلال هذه الدراسة إلى عدد آخر من التوصيات من أهمها: وجوب توعية الآباء في الأسر القطرية بدورهم المركزي الحساس والحاسم في اختيارات أبنائهم (من البنات والأولاد) التعليمية والمهنية. ولهذا يجب عليهم، من أجل مصلحة أبنائهم، أن يكونوا داعمين لقراراتهم التعليمية والمهنية بصرف النظر عن الالتزامات العائلية. 
من وجهة نظركم ما الدور الذي يقع على الأب من أجل تحقيق حرية الطالب في اتخاذ قراره المهني؟
يكمن الدور الأساسي للأب في إزالة السقف الزجاجي للمعتقدات الثقافية والاجتماعية التي تقيد وتحد من حرية الطالب في اتخاذ قراره المهني والتعليمي. فقد بدا واضحًا من عينة البحث أن ضغط الأب أو غيابه هو سبب رئيسي يحول دون اتخاذ الطالب لقرار مهني واضح. كما تبين من البحث أن ضغط الأب في حالة الابن متجه للأعلى، لأنه يطالبه بأعلى مما يمكنه تحقيقه، أما في حالة الابنة، فقد بينت عينة البحث أن ضغط الأب متجه للأسفل لأنه يقيدها بمعايير ثقافية واجتماعية تُحد من تطلعاتها وتتنافى مع حريتها في اتخاذ قرارها المهني. من الضروري توعية بعض الآباء القطريين بضرورة التوقف عن دفع أبنائهم الذكور إلى طموحات تتجاوز قدراتهم، والكف عن تحميلهم الأعباء الأسرية في سن مبكرة، لأن ذلك يتعارض مع حريتهم في اتخاذ القرارات المهنية المناسبة لهم، والتي قد لا تتوافق بالضرورة مع تطلعات الآباء. في الوقت نفسه، يجب توعية بعض الآباء القطريين بضرورة الكف عن تثبيط طموحات بناتهم بحجة القيود الثقافية والاجتماعية. وفي النهاية، فإن ضغط الأب أيًا كان اتجاهه يتعارض مع حرية الطالب، ذكرًا كان أم أنثى، في اختيار قراره التعليمي والمهني.

الكثير من الحملات التي تتطرق للقرارات المهنية المناسبة للطلاب تكون موجهة للطالب، فهل هذا يكفي؟

دعت الدراسة إلى إطلاق حملة محاضرات توعوية لآباء الطلاب والطالبات، كل على حدة، لأن مضمون الرسالة سيختلف من فريق لآخر. ومن الممكن أن تكون المدارس الثانوية للبنات والبنين هي المكان الأمثل لانطلاق مثل هذه الحملات. وستكون الفكرة الأساسية لحملات التوعية هي تحرير الشاب القطري – والرجال عمومًا – من الالتزامات القبلية التي قد تكون عائقًا نفسيًا يجبر الطالب على اختيارات مهنية تتوافق ومنطق القوة، وتجعله يميل إلى اختيارات مهنية ذكورية تتعارض مع حرية الاختيار المهني. وعليه وجب تكوين خارطة طريق لتغيير الهوية القبلية إلى هوية قومية للوصول إلى الفردية. 
ومن الأفكار التي دعت لها الدراسة تقديم نماذج مهنية خارج نطاق المهن التقليدية لكل من الإناث والذكور، إلى جانب عمل ورش تدريبية للطلاب على سبل ومناهج اتخاذ القرارات، وتعزيز الثقة بالنفس، وأهمية بناء علاقات اجتماعية والحفاظ عليها لتكوين رأس مال اجتماعي.
هل يقتصر التوجيه المهني على الطلاب المتفوقين فقط.. أو يكون التركيز عليهم بصورة أكبر؟
لا.. فبدلًا من التركيز على الطلاب المتفوقين دراسيًا الذين ينحدرون عمومًا من أسر داعمة، يجدر بالمدارس الوصول إلى الطلاب الذين هم في أمس الحاجة إلى الإرشاد المهني مثل المتعثرين دراسيًا، والطفل الأول في الأسرة، وغيرهم من الفئات التي تفتقر إلى الثقة بالنفس.
وقد شملت توصيات أطروحة الدكتوراه كذلك ضرورة إعادة النظر في التوجيه المهني المقدم للطلاب بالمدارس الثانوية الحكومية، وضرورة الاستفادة من تطبيقات التواصل الاجتماعي - التي تحظى بانتشار واسع بين الطلاب وأولياء الأمور - في تسهيل الوصول للمعلومات حول المنح الدراسية والمهن واحتياجات سوق العمل.
وفي الختام، أتمنى لجميع الطالبات والطلاب في قطر التوفيق والسداد في اختيار ما يلائمهم من مسارات أكاديمية ومهنية، وما فيه خيرهم وخير عائلاتهم ومن قبل ذلك ومن بعد خير بلادنا الحبيبة قطر.

اقرأ ايضا

_
_
  • الفجر

    04:37 ص
...