الأمير يطالب الفلسطينيين بإنهاء الانقسام بين الضفة وغزة
محليات
24 أكتوبر 2012 , 12:00ص
غزة - قنا
حيا حضرة صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أمير البلاد المفدى صمود أهل غزة في وجه العدوان، مؤكداً أنه كان مثار عزة لكل العرب.
وقال سموه في كلمة ألقاها في حفل أقيم بالجامعة الإسلامية مساء أمس بغزة «نحن نشاهدكم تدفعون الغزاة بصدوركم العارية وجباهكم المرفوعة، لا تخيفكم طائرات العدو ولا أسلحته المحرمة دولياً ولا أرتال دباباته الثقيلة».. مشدداً سموه في الوقت نفسه على أن القضية الفلسطينية ما زالت بكل تشعباتها وهمومها الجرح النازف منذ عقود في الجسد العربي.
وأضاف سموه أن إسرائيل تمعن كل يوم في تغيير وجه الأرض الفلسطينية عبر ممارسات الاستيطان والتهويد في الضفة الغربية المحتلة وفي القدس بصورة خاصة، بسبب عجز المحيط العربي من حولها عن فعل المواجهة، نتيجة لفرقة أهله وتشتت مواقفهم، وبسبب عجز المجتمع الدولي عن حماية الشرعية الدولية عبر قرارات ملزمة أقرتها الأمم المتحدة، وفي أحيان كثيرة بسبب الكيل المزدوج وفق ما يخدم مصالحها ويحرم الفلسطينيين من حقهم في العودة وإقامة دولتهم المستقلة على ترابهم الوطني.
وطالب سموه الفلسطينيين بإنهاء الانقسام بين الضفة الغربية وغزة.. مؤكداً سموه أن هذا الانقسام هو مصدر الضرر للقضية الفلسطينية قضية العرب جميعاً.. داعياً سموه إلى طي صفحة الخلاف، وفتح فصل واسع للمصالحة والاتفاق وفق الأسس التي اتفقوا عليها في الدوحة والقاهرة بجهود صادقة.. مشدداً على أنه إن لم يحصن أهل الدار دارهم أولاً بأنفسهم فلن تكون منيعة بأيدي الآخرين.
وقال سمو أمير البلاد المفدى إن وقوف العرب معكم ليس معروفاً يسدى أو جميلاً يحفظ بل هو الحق والواجب.. مشدداً على أن قطر كانت وستكون دائماً من أول المبادرين، ولن نضن على أهلنا في غزة وفي فلسطين بما نستطيع من عون، انطلاقاً من واجبنا القومي والإنساني.
وفيما يلي نص الكلمة التي ألقاها حضرة صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أمير البلاد المفدى في الجامعة الإسلامية بغزة...
بسم الله الرحمن الرحيم
أيها الإخوة والأخوات،
أيها الأهل والأحبة في قطاع غزة وفي فلسطين،
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
إنها والله للحظة تمتزج فيها المشاعر أن أقف بينكم اليوم على ثرى غزة الحرة الصامدة والمحاصرة في آن واحد، فهذه المدينة كانت عبر التاريخ جسراً يربط بين جناحي الوطن العربي ويعبر منه العرب من أهل الجزيرة والعراق وبلاد الشام إلى ديار أشقائهم في مصر وحوض النيل وشمال إفريقيا.
وإنها والله للحظة لا بد للعربي أن يشعر معها اليوم بالحزن، إذ لم يعد هذا الجسر الواصل بين بلاد العرب قائماً وفاعلاً كما كان، إذ إن الظلم التاريخي الذي حل بالأشقاء في فلسطين منذ ستة عقود ونيف ما زال نكبة إنسانية لم يستطع المجتمع الدولي أن يضع حداً لها حتى الآن.
أيها الإخوة،
ما تزال القضية الفلسطينية بكل تشعباتها وهمومها، الجرح النازف منذ عقود في الجسد العربي، فإسرائيل تمعن كل يوم في تغيير وجه الأرض الفلسطينية عبر ممارسات الاستيطان والتهويد في الضفة الغربية المحتلة وفي القدس بصورة خاصة، بسبب عجز المحيط العربي من حولها عن فعل المواجهة، نتيجة لفرقة أهله وتشتت مواقفهم، وبسبب عجز المجتمع الدولي عن حماية الشرعية الدولية عبر قرارات ملزمة أقرتها الأمم المتحدة.
وفي أحيان كثيرة بسبب انحياز الدول الكبرى لجانب إسرائيل، واتباع سياسة الكيل المزدوج وفق ما يخدم مصالحها، ويحرم الفلسطينيين من حقهم في العودة وإقامة دولتهم المستقلة على ترابهم الوطني.
ولعل قطاع غزة هو اليوم الأكثر وجعاً ومعاناة، إذ ما زال منذ العدوان الغاشم الذي شنته عليه إسرائيل عام 2008، يرزح تحت الحصار الخانق، ليزيد ذلك من ألم المواطنين الفلسطينيين، الذين دمر العدوان بيوتهم ومدارسهم ومؤسساتهم الصحية ووسائل عيشهم، وألحق ضرراً فادحاً بالبنية الهيكلية للقطاع مع ضعفها أصلاً.
أيها الإخوة
لقد كان صمودكم في وجه العدوان مثار عزة لكل العرب، ونحن نشاهدكم تدفعون الغزاة بصدوركم العارية وجباهكم المرفوعة، لا تخيفكم طائراته ولا أسلحته المحرمة دولياً ولا أرتال دباباته الثقيلة. لقد كنا معكم على الدوام ولو بأضعف الإيمان، قبل العدوان وبعده. وكنا حريصين على أن يكون تواصلنا مع أهلنا في فلسطين مباشراً من فوق أرضهم، ففتحنا سفارة لدولة قطر في غزة بعد إقامة السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية والقطاع. وحين وقع العدوان على القطاع أواخر عام 2008 دعونا لعقد قمة غزة العربية، لعلنا نستطيع أن ندفع عن أهلنا بعض العدوان ونقدم لهم ما نستطيع.
غير أن صمود غزة كان هو العامل الحاسم، وكان درساً عرّى التخاذل بصمود المخذولين، ولقن الواهمين عبرةً بثبات الموقنين بالحق، وكشف زيف دعاة التسليم بالواقع العربي، بما فيه من بؤس وضعف.
وإنني على يقين أن ما شهدته الجماهير العربية وهي تتابع فصول صمود غزة أثناء العدوان، كان من أهم الدواعي التي أثارت رياح الربيع العربي، التي تحمل لنا هذه الأيام بشائر غد أكثر إشراقاً وخيراً بإذن الله. فصمود أهل فلسطين وتضحياتهم ستظل خير حافز للشعوب العربية كي تسترد كرامتها المهدورة، وتستعيد حقوقها في الحرية والحياة الكريمة والتنمية والازدهار.
أيها الإخوة، لا أريد اليوم وأنا أقف بينكم على جزء حر من أرض فلسطين، أن أعظكم أو أعطيكم دروسا في توحيد المواقف، ولكن الواقع الفلسطيني الراهن بما يعتريه من انقسام بين الضفة الغربية وغزة، يحتم عليكم -أنتم الفلسطينيين أنفسكم- أن تتفكروا في واقعكم. وأنتم تدركون بكل تأكيد أن انقسامكم هو مصدر الضرر الأكبر لقضيتكم وقضية العرب جميعاً.
خاصة أن رياح التغيير القوية التي تعصف بالوطن العربي هذه الأيام ربما همشت الاهتمام بالقضية الفلسطينية إعلامياً وسياسياً، فقد آن الأوان كي يطوي الفلسطينيون صفحة الخلاف، ويفتحوا فصلاً واسعاً للمصالحة والاتفاق وفق الأسس التي اتفقوا عليها في الدوحة والقاهرة، بجهود صادقة من الرئيس الفلسطيني الأخ محمود عباس ورئيس المكتب السياسي لحركة حماس الأخ خالد مشعل. فإن لم يحصن أهل الدار دارهم أولاً بأنفسهم فلن تكون منيعة بأيدي الآخرين.
ونحن نعلم أن الإخوة في فلسطين يدركون هذه الحقيقة التي تحتم على كل الأطراف العاملة في الساحة الفلسطينية، أن تجعل العمل من أجل تكريس عدالة القضية الفلسطينية شغلها الشاغل وهدفها الأسمى الذي يتجاوز كل هدف فئوي ضيق. فمن منا لم يعد يؤمن إيماناً يقينياً بأن الفرقة بين الفلسطينيين أولاً والعرب ثانياً، كانت أشد ضرراً بالقضية الفلسطينية من العدوان الإسرائيلي المتكرر. فلا هناك اليوم مفاوضات سلام، ولا هناك كما يبدو استراتيجية واضحة للمقاومة والتحرير. فعلام الانقسام؟ ولم لا يجلس الفلسطينيون معاً، ويوحدون مواقفهم ويضعون العالم أمام استحقاق طال انتظاره: إما سلام عادل تقبل به إسرائيل أو تجبر عليه.
أيها الإخوة،
إن وقوف أشقائكم العرب معكم في كل الظروف والأوقات ليس معروفاً يسدى، أو جميلاً يحفظ، بل هو الحق والواجب، ونحن في قطر كنا وسنكون من أول المبادرين، ولن نضن على أهلنا في غزة وفي فلسطين بما نستطيع من عون. انطلاقاً من واجبنا القومي والإنساني.. فمساعدة أهل غزة وفلسطين ليست منة ولا هي وعود لفظية، بل هي واجب من الأخ نحو أخيه.
ومن هنا فإن إعادة إعمار غزة ينبغي أن تعطى أولوية بتنفيذ القرارات العربية والدولية التي اتخذت إثر العدوان وما تزال تنتظر التنفيذ بعد مضي خمس سنوات.
ولقد تعهدت دول عدة عربية وغير عربية إثر العدوان بتقديم مساعدات لغزة لرفع بعض المعاناة عن أشقائنا الذين أدمت الحروب أجسادهم، وما زال الحصار يضيق عليهم سبل الحياة الكريمة، ويحرمهم من أبسط حقوقهم الإنسانية.
وما زال أهل غزة ينتظرون أن يفي من قطعوا تلك التعهدات بوعودهم، كي يتسنى إعادة إعمار القطاع، وترتفع بعض المعاناة عن أهله الذين آثروا الصمود في وجه آلة الحرب الجبارة وتحمّل ويلاتها على التسليم والرضوخ لصلف الاحتلال وغطرسته، حتى وإن خذلهم من خذلهم من ذوي القربى ومن أدعياء الديمقراطية والمتشدقين بحقوق الإنسان.
أيها الإخوة والأحبة في فلسطين وغزة.
إن وجودنا اليوم على أرض فلسطين في غزة العزة لأمر مختلف: فمن هنا يبدو الحلم الذي نهلنا مفرداته منذ الصغر أقرب كلما طرفت العين في الأفق صوب المتوسط، أو كلما تذكر المرء قوافل الأجداد تعبر من غزة بين حنايا القلب العربي الواحد. الذي تتوسطه فلسطين في الجغرافيا وفي التاريخ على حد سواء.
وإذ نلتقي اليوم على أرض فلسطين، فإننا على يقين بأن الأماني والأحلام لا تبرح وجودنا على الدوام، في أن تنال فلسطين وأهلها الصامدون الصابرون الحرية والاستقلال، وستصبح حقيقة عما قريب بإذن الله تعالى.
واليوم أيضاً وجب الشكر لشعب مصر العظيم وثورته المجيدة، ولفخامة الرئيس الدكتور محمد مرسي، الذي لولاهم لم نكن بينكم اليوم.
ولكم جمعيا يا أهلنا في فلسطين تحية الرجال التي تستحقون.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وقد منح مجلس أمناء الجامعة الإسلامية في غزة درجة الدكتوراة الفخرية لكل من سمو أمير البلاد المفدى وصاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر تقديراً لدعم سموهما للشعب الفلسطيني وقضيته العادلة.
كما أهدى رئيس الجامعة سمو الأمير مفاتيح بيوت من هجروا من أهل فلسطين منذ عام 48 ودرع الجامعة، وزجاجة بها زيت زيتون من أرض الجامعة، وأخرى بها تراب من غزة ودرع الجامعة.
ومنح رئيس الجامعة كذلك صاحبة السمو حجارة من غزة، وزجاجة بها زيت زيتون من أرض الجامعة ودرع الجامعة.
ثم منح الدكتور إسماعيل هنية رئيس الحكومة الفلسطينية المقالة وسام «وفاء فلسطين وغزة» لسمو الأمير المفدى تقديراً لمواقف سموه في دعم الشعب الفلسطيني.. كما منحت السيدة آمال محمد هنية حرم الدكتور هنية صاحبة السمو وسام «وفاء فلسطين وغزة» تقديراً لدور سموها وجهودها في دعم الشعب الفلسطيني.
ومنح الدكتور إسماعيل هنية معالي الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية وسام «وفاء فلسطين وغزة» لجهوده في دعم الشعب الفلسطيني.
وعقب ذلك التقى سمو أمير البلاد المفدى وصاحبة السمو عدداً من أبناء الشهداء الفلسطينيين.
ورافق سموه أصحاب السعادة أعضاء الوفد المرافق لسمو الأمير.
الجدير بالذكر أن الجامعة الإسلامية بقطاع غزة تعتبر من أكبر الجامعات الفلسطينية على امتداد سنواتها الخمسة والثلاثين، وتضم إحدى عشرة كلية، منها الطب والهندسة والعلوم والشريعة والقانون والأدب.. وتقوم الجامعة بتنظيم برامج وأنشطة متعددة تخدم المجتمع الفلسطيني.