

ناقش السفير فهد العطية العلاقة بين المبادئ الإسلامية والاستدامة والتراث، خلال محاضرة استضافتها جامعة جورجتاون في قطر، مستندًا إلى تجربته في مشروع «حينة سلمى» ومؤسسة «كارافان إيرث».
وجاءت المحاضرة بعنوان «من الرؤية إلى التطبيق: حينة سلمى، الاستدامة والتراث»، وتناولت الكيفية التي يمكن من خلالها للمعارف والممارسات المتجذرة في الحضارة الإسلامية أن تسهم في صياغة مقاربات معاصرة للزراعة والعمارة والحِرف اليدوية وإدارة الموارد الطبيعية.
وأكد سعادته أن الاستدامة تبدأ من الطريقة التي تنظر بها المجتمعات إلى مسؤولياتها تجاه الطبيعة في كافة أرجاء الكون. وقال: «الكون ليس مجموعة عشوائية من الموارد التي تنتظر أن يستغلها الإنسان، بل هو نظام مخلوق يحمل معنى وغاية وتوازنًا.»
وانطلاقًا من مفهومي التوحيد، أي وحدانية الإله، وخلافة الإنسان على الأرض، التي تشير إلى دور الإنسان في عمارة الأرض ورعايتها، أوضح العطية أن المسؤولية البيئية تتجاوز حدود التكنولوجيا والسياسات العامة، لتمتد إلى الكيفية التي يزرع بها الناس الأرض، ويشيّدون المباني، وينتجون السلع، وينظمون اقتصاداتهم.
كما تساءل عن جدوى نهجٍ في التنمية يتعامل مع الكفاءة والسرعة والنمو باعتبارها مقاييس للتقدم في حد ذاتها. وقال: «يمكن للعلم أن يخبرنا كيف نستخرج المياه الجوفية، لكنه لا يستطيع بمفرده أن يحدد ما إذا كان من حقنا أخلاقيًا استنزاف طبقة مائية جوفية ستحتاج إليها الأجيال القادمة.»
وتطرق سعادته كذلك إلى مكانة التراث في الحياة المعاصرة، موضحًا أن المباني التقليدية والحِرف اليدوية والممارسات الزراعية لم تُنشأ أصلًا باعتبارها «تراثًا»، بل كانت جزءًا من الحياة اليومية، وتعكس المواد المحلية والظروف البيئية ومعارف تراكمت عبر أجيال متعاقبة.
وأضاف: «لذلك لا يكمن التحدي في مجرد الحفاظ على التراث، وإنما في استعادة الظروف التي يصبح فيها التراث ممارسة معتادة معاصرة.»
وفي مزرعة «حينة سلمى»، التي تمتد على مساحة 50 فدانًا، يعمل العطية على استكشاف سبل تطبيق هذه المعارف في الحاضر من خلال الزراعة العضوية، والعمارة والتخطيط العمراني التقليديين، والمنسوجات الطبيعية المصنوعة يدويًا، إلى جانب الأنشطة الإبداعية والفكرية.
وأشار إلى أن قطر تمثل بيئة ذات صلة خاصة بهذا النوع من العمل، بالنظر إلى محدودية موارد المياه العذبة والتربة الصالحة للإنتاج، في مقابل ما تتمتع به من موارد كبيرة للطاقة. ورأى أن تعزيز القدرة على الصمود على المدى الطويل يتطلب تطوير إمكانات تتلاءم مع هذه الظروف.
وقال سعادته: «لا يمكن أن تعني الاستدامة مجرد جعل أسلوب حياة غير مستدام أكثر كفاءة بدرجة طفيفة، بل ينبغي أن تعني استعادة فهمٍ للحدود والكفاية والمسؤولية والغاية.»
وافتتح الفعالية العميد بالإنابة كلايد ويلكوكس، فيما أدار الحوار باتريك لود، أستاذ علم الأديان في جامعة جورجتاون في قطر. وحضر المحاضرة نحو 150 شخصًا، من بينهم سفراء ألبانيا واليابان والفلبين وليبيريا.