بعد سبعة وخمسين عامًا على جريمة إحراقه.. مخططات تهويد الأقصى مستمرة ومتصاعدة

alarab
حول العالم 24 أغسطس 2026 , 02:58م
قنا

بعد سبعة وخمسين عاماً على جريمة إحراق المسجد الأقصى، أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين ومسرى النبي محمد صلى الله عليه وسلم، لم تعد ذكرى تلك الجريمة، مجرد استعادة ليوم أسود في تاريخ القدس، بل تحولت إلى مناسبة تقرع فيها أجراس الإنذار محذرة من المخططات الإسرائيلية التي تحاك سرا وعلانية، لتغيير الوضع التاريخي والهوية الإسلامية للأقصى، والسيطرة عليه وعلى المناطق المحيطة به بكافة السبل والوسائل.

فالنار التي أشعلها المتطرف "مايكل دينيس روهان" في المصلى القبلي عام 1969، وأتت على منبر صلاح الدين الأيوبي وأجزاء واسعة من المصلى، شكلت جرحاً عميقا أيقظ الأمة، فعمّ الغضب والتظاهرات شوارع المدن من المغرب إلى إندونيسيا، وصدر قرار مجلس الأمن رقم 271 الذي أدان الجرم ودعا إسرائيل إلى احترام وضع القدس وإلغاء جميع الإجراءات التي تهدف إلى تغيير وضع المدينة، ومن رحم تلك الصدمة ولدت منظمة المؤتمر الإسلامي (وهي منظمة التعاون الإسلامي حالياً) في القمة الإسلامية الأولى في الرباط في سبتمبر لعام 1969، رمزاً لوحدة إسلامية شاملة حول المقدسات.

وإذا كان قد أمكن إخماد تلك النار، وإعادة إعمار ما دمرته في الأقصى، إلا أن الخطر الذي يواجه المسجد حاليا، هو أكثر تعقيداً وخطورة، لأنه لا يأتي في صورة حريق واحد يمكن إطفاؤه، وإنما في صورة مخططات وبرامج صهيونية خطيرة، تتراكم وفق جداول زمنية واستراتيجيات مبيتة، على الأرض لفرض وقائع جديدة عبر اقتحامات متكررة، وطقوس دينية جديدة داخل ساحاته، وقيود على المصلين المسلمين، وضغوط على صلاحيات الأوقاف الإسلامية، ومشروعات وحفريات في محيط البلدة القديمة، ومحاولات متواصلة لإعادة تعريف الوضع القائم، وتكريس التقسيم الزماني والمكاني لأكثر بقاع القدس حساسية وأهمية.

ففي يونيو الماضي تم رصد 26 اقتحاماً شارك فيها 4212 مستوطناً، وفي يوليو الذي تلاه ارتفع العدد إلى 27 اقتحاماً، شارك فيها أكثر من 9670 مستوطناً، منهم 4288 في يوم واحد .

ولم تعد الاقتحامات مجرد زيارات، بل باتت تتضمن طقوساً ومسيرات رفع أعلام إسرائيلية، يشارك في بعضها مسؤولون إسرائيليون، وعلى رأسهم وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير وأعضاء كنيست وقادة جماعات متطرفة تدعو علانية لإعادة بناء ما يسمى الهيكل الثالث.

ولا تكمن خطورة هذه الأرقام في طابعها العددي فحسب، فالمسجد عرف الاقتحامات منذ سنوات طويلة، لكن دخول شخصيات سياسية وحكومية إسرائيلية إلى المشهد يمنح القضية بعداً مختلفاً، إذ يصبح الفاصل أقل وضوحاً بين نشاط الجماعات الدينية المتطرفة وبين المواقف التي يتبناها مسؤولون داخل مؤسسات الكيان المحتل.

ويحمل الاقتحام الكبير للمسجد الأقصى، في يوليو الماضي رسالة إنذار مبكرة لما سيكون عليه الحال في الأعياد اليهودية خلال شهري سبتمبر وأكتوبر المقبلين، وتستحضر المخاوف الفلسطينية هنا تجربة الحرم الإبراهيمي في الخليل، حيث أفضت التطورات التي أعقبت مجزرة عام 1994 إلى ترتيبات فصل وتقسيم في المكان وأوقات العبادة بين المسلمين واليهود، وترى أن الممارسات الإسرائيلية غير القانونية في الأقصى يمكن أن تتحول إلى مقدمة لمسار مشابه.

وفي السياق، دعا رئيس الهيئة الإسلامية العليا وخطيب المسجد الأقصى المبارك الشيخ عكرمة صبري إلى شد الرحال والمرابطة في المسجد الأقصى يوم غد الثلاثاء، بالتزامن مع ذكرى إحراقه الأليمة.

وطالب خطيب الأقصى الأمة العربية والإسلامية بتوحيد جهودها الجادة لحماية المسجد الأقصى كافة والمقدسات والأملاك الوقفية في مدينة القدس وعموم فلسطين.. مبيّنا أن ذكرى إحراق الأقصى تبقى محطة حزينة ومستفزة في تاريخ الأمة، حيث يتوجب إحياؤها لتذكير الأجيال الصاعدة بما تعرض له المسجد من اعتداء غاشم، وللتنبيه الدائم إلى الأخطار المحدقة به.

كما اعتبر إحياء هذه الذكرى فرصة سانحة لتأكيد الحقوق الإسلامية الثابتة في المسجد وإيصال صوت القدس للعالم أجمع، مشدداً على أن هذه الحقوق لا تقبل التنازل أو المساومة تحت أي ظرف.

واختتم الشيخ صبري تصريحاته بالتأكيد على أن ذكرى الحريق ستظل حية في وجدان الأمة ولن تُنسى ما دام المسجد الأقصى يخوض مواجهة يومية ضد مخاطر متواصلة تتمثل في الاقتحامات والحفريات المتواصلة وغيرها من الاعتداءات.

وجدد الإشادة بثبات أهل بيت المقدس والأمة والتمسك بالمسجد الأقصى المبارك، داعياً إلى مواصلة الدفاع عن هذه الأمانة العظيمة والحفاظ على مكانتها الدينية والتاريخية الخالدة.

ويقول محللون فلسطينيون إن إسرائيل لا تعلن بشكل رسمي إنهاء الوضع القائم في الأقصى، لكنها تغيره على أرض الواقع من خلال السماح للمستوطنين باقتحامه بصورة شبه يومية وبأعداد متصاعدة وأرقام غير مسبوقة، وتقييد وصول المصلين المسلمين إليه، وإغلاقه وفتحه وقتما تشاء، وتحويل سيطرتها الأمنية على المسجد إلى سيادة دائمة.


وأضافوا أن ما يجري في المسجد الأقصى لا يمكن تفسيره على أنه سلسلة من الإجراءات الأمنية المنفصلة التي تفرضها إسرائيل في أوقات التوتر، وإنما باعتباره مساراً متراكماً لإعادة تشكيل "الوضع القائم" في المسجد، تستخدم فيه حالات الحرب والطوارئ لتسريع تحولات بدأت منذ سنوات وتتقدم على مستويات أمنية ودينية وسياسية وتشريعية ومؤسسية متوازية.

ويؤكد المحللون أن سلطات الاحتلال تتعامل مع المسجد، عندما تبلغ الأزمات الأمنية ذروتها، باعتباره جزءًا من منظومة الأمن والسيادة التي تستطيع إخضاعها لقرارها، وليس مكانًا دينيًا تحكمه ترتيبات تاريخية وقانونية تحول دون تعليق وظيفته الدينية الإسلامية. فالشرطة الإسرائيلية لم تعد مجرد قوة موجودة خارج المسجد لمنع الاحتكاك، وإنما أصبحت فاعلًا داخل منظومة إدارته، من خلال الأبواب والإبعادات والتفتيش والحركة وتنظيم الاقتحامات والتعامل مع مظاهر العبادة، على أمل أن يتحول الاستثناء الذي يتكرر، تدريجيًا إلى أسلوب إدارة، وأمر شبه اعتيادي.

وتقول مؤسسة القدس الدولية إن الفعل الشعبي والمقاومة بكل أشكالها هي ما يمكن التعويل عليه في هذه المرحلة لاستعادة معادلة ردع تحمي الأقصى.

يذكر أن إدارة الأقصى تتولى أوقاف القدس وشؤون المسجد الأقصى، وهي مؤسسة إسلامية عامة تعمل بحكم الوصاية الأردنية الهاشمية عليه، وتتبع الدائرة لوزارة الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية الأردنية.

وتتمتع الدائرة بسلطاتها بموجب القانون الدولي الإنساني، وهي المخوّلة بالإشراف على شؤون المسجد بوصفها آخر سلطة دينية إدارية كانت تشرف على المسجد قبل وقوعه تحت الاحتلال الإسرائيلي عام 1967، ويقع ضمن مسؤولياتها موظفو وسدنة المسجد وحراسه وأعمال الترميم وفتح الأبواب وإغلاقها، إضافة إلى رعاية سائر مساجد ومقدسات القدس والأملاك الوقفية التي تشكل 50% من عقارات المدينة والمحاكم الشرعية، بعدد موظفين يتجاوز 800 موظف.

ويقصد بالوضع التاريخي، الاتفاق التاريخي لإدارة الأماكن المقدسة في القدس، والذي وقع إبان الدولة العثمانية خلال القرن التاسع عشر، ثم تم الاعتراف به دوليا، ومما ينص عليه أنه "لا يمكن إدخال أي تعديلات على الوضع الراهن في الأماكن المقدسة" بما فيها الإسلامية والمسيحية.