

لم تعد العمارة في قطر مجرد مشهد عمراني يواكب مسيرة التنمية والتحديث، بل أصبحت جزءًا من الذاكرة البصرية للمكان، تختزن ملامح الهوية وتحولات المجتمع، وتكشف عن حوار متواصل بين التراث والحداثة.
ومن هنا يتجاوز التصوير المعماري مهمة توثيق المباني إلى كونه ممارسة فنية تعيد قراءة المكان عبر الضوء والظل والزاوية والتكوين والتوقيت.
ومن خلف العدسة تبدو الدوحة بصورة مختلفة؛ فالمبنى الذي يراه المارَّة كتلة ثابتة، يتحول في عين المصور إلى خطوط وكتل وفراغات وتفاصيل تحمل دلالات جمالية وإنسانية.
وفي الحلقة الثالثة من ملف «العرب» «التصوير في قطر بين الفن والتوثيق والهوية» نبحث في تجارب اثنين من أهم المصورين القطريين، وهما تجربتا المصورين محمد الحاصل اليافعي وخالد المسلماني، وقد ارتبطت أعمالهما بالعمارة القطرية، وكيف رصدت العدسة تحولات المدينة ووثَّقت تراثها، ما يمنح العمارة القطرية قراءة بصرية تجمع بين الفن والذاكرة والهوية.

خالد المسلماني: احترام التصميم.. وإظهار المبنى كما أراده مبدعه
أكد المصور الفوتوغرافي خالد المسلماني أن علاقته بالتصوير المعماري بدأت من تجربة عامة شملت موضوعات مختلفة، قبل أن يكتشف أن العمارة هي الأقرب إلى عينه وطريقته في رؤية الأشياء، لما تتضمنه من نظام وخطوط وهندسة وعلاقة متغيرة بين الضوء والمكان.
وأوضح أن المبنى بالنسبة إليه ليس مجرد كتلة ثابتة، وإنما موضوع بصري يتغير وفق الضوء والزاوية والتوقيت، مشيرًا إلى أن عين المصور المعماري تختلف عن عين الشخص العادي؛ فبينما يرى الشخص المبنى ككل، يبدأ المصور بتفكيكه بصريًا، بحثًا عن الخطوط والتكرار والفراغ والضوء والظل، وقد يركز على تفصيلة صغيرة يراها أكثر أهمية من المبنى بأكمله.
وقال: قد أمر بالمكان أكثر من مرة ولا أصوره، لأنني أنتظر اللحظة التي يظهر فيها شيء مختلف. بالنسبة لي، المبنى موجود طوال الوقت، لكن الصورة ليست موجودة طوال الوقت.
وحول ما إذا كان المصور يوثق ما صممه المعماري أم يعيد تفسيره، أوضح أن الأمر يعتمد على هدف الصورة؛ فإذا كان العمل توثيقيًا لصالح المعماري، فمن المهم احترام التصميم وإظهار المبنى كما أراده مصممه، أما في العمل الفني فيقدم المصور قراءته الخاصة. وأضاف: المعماري يصمم المكان، لكن المصور يختار ماذا يرى منه وماذا يضع داخل الإطار، وهنا تظهر شخصية المصور.
وأشار إلى أنه لا يبدأ التصوير مباشرة، بل يتجول حول المكان ويراقبه، ويرى كيفية تغير الخطوط والكتل مع الحركة، وقد تأتي الزاوية سريعًا أو تتطلب العودة في توقيت مختلف. وأكد أن التوقيت عنصر بالغ الأهمية، لأن الضوء يمكن أن يحول زاوية عادية إلى مشهد قوي، لافتًا إلى أنه يحاول الجمع بين التكوين والضوء والتوقيت، وأحيانًا ينتظر دخول شخص إلى المشهد لإعطاء إحساس بالحجم والحياة داخل العمارة.
وفي تجربته مع التصوير بالأبيض والأسود، خصوصًا في تصوير التراث، قال الفنان خالد المسلماني إن الأبيض والأسود ليس مجرد تحويل الصورة إلى الرمادي، وإنما وسيلة للتركيز على الضوء والخطوط والملمس والكتلة والتفاصيل. ويرى أنه يمنح تصوير التراث هدوءًا وعمقًا ويبعد الصورة عن عامل الزمن، بحيث يصعب أحيانًا معرفة متى التقطت.
وأكد أن الضوء جزء أساسي من العمارة في الصورة، قائلًا: «أنا لا أصور المبنى فقط، بل أصور ما يفعله الضوء بالمبنى». فالضوء الجانبي يكشف الملمس والتفاصيل، بينما قد تخفي الظلال أجزاء من المبنى وتدفع المشاهد إلى تخيلها، فيما يمكن للمكان نفسه أن يقدم صورتين مختلفتين تمامًا في الصباح والمساء.
وفي قراءته للتحول العمراني في قطر، اعتبر أن هذا التحول مادة بصرية ثرية، مع وجود حوار واضح بين القديم والحديث، مشيرًا إلى مشاريع معمارية حديثة تحاول الجمع بين المعاصرة والإشارات إلى البيئة والثقافة والهوية المحلية. وأكد أن ما يبحث عنه المصور ليس مجرد مبنى جميل، وإنما مبنى يشعر المشاهد بأن له علاقة بالمكان الذي ينتمي إليه.
وحول كتابه «لمسات معمارية» ومشاريعه، أكد أن الصورة أصبحت جزءًا من المعرفة المعمارية، ولم تعد مجرد وسيلة للتوثيق، إذ يتعرف كثير من الناس على مبانٍ ومدن من خلال الصور قبل زيارتها.
وفي ختام حديثه، أكد المسلماني أن الصورة المعمارية تستطيع أن تقول عن المكان والإنسان والهوية ما لا يستطيع المبنى وحده قوله، لأنها تختار لحظة من حياته وتحفظها، وتجمع العمارة والضوء والإنسان والزمن في إطار واحد.

محمد الحاصل اليافعي:الضوء والظل أهم عناصر الصورة المعمارية
أكد المصور الفوتوغرافي والكاتب القطري محمد الحاصل اليافعي أن علاقته بتصوير العمارة القطرية بدأت منذ انطلاق رحلته مع التصوير عام 1985، مشيرًا إلى أن الأمر بدأ بالنسبة إليه كتدريب وتعليم، قبل أن يدرك بعد نحو عشر سنوات أن تصوير العمارة يتجاوز التوثيق إلى كونه فنًا قائمًا بذاته، له مواصفاته ومعاييره الفنية، ويتطلب دقة في الرؤية وحسًا جماليًا لا يقل أهمية عن فطنة المهندس المعماري وذوقه وخبرته.وأوضح اليافعي أن الفارق بين تصوير العمارة باعتباره توثيقًا وتصويرها باعتبارها فنًا يكمن بدرجة كبيرة في اختيار الوقت والزاوية والموسم، مبينًا أن صفاء الأجواء في فصل الشتاء يوفر ظروفًا أفضل للتصوير، فيما يمنح التصوير في بداية المساء المباني منظورًا فنيًا مختلفًا، ويبرز تفاصيلها وإضاءاتها بصورة أكثر جمالًا.
وأشار إلى أن الضوء والظل يمثلان عنصرين أساسيين في الصورة المعمارية، موضحًا أن منهجه في تصوير العمارة، ولا سيما في كتابه «مسيّان الدوحة»، يقوم على دراسة المبنى قبل تصويره، من خلال زيارته ومراقبة الإضاءة المحيطة به واختيار الزاوية والمكان والتوقيت والموسم المناسب.وأضاف أنه يعود إلى الموقع في المساء، عند أذان المغرب مباشرة، لأن الفارق الزمني ولو كان دقيقة واحدة يمكن أن يؤثر في منظور الصورة وشكلها وقيمتها الفنية، لافتًا إلى أنه يستخدم الحامل الثلاثي للكاميرا، ويلجأ إلى التصوير البطيء والتقاط عدة صور على مدى 10 إلى 15 دقيقة، للوصول إلى صورة تجمع بين التوثيق والفن والإبهار.وحول كتابه «مسيّان الدوحة»، قال اليافعي إنه تعامل مع المشروع باعتباره عملًا فنيًا ووثيقة بصرية فريدة، موضحًا أنه اعتمد أسلوب التصوير المسائي في جميع صور الكتاب، بحيث تظهر السماء باللون الأزرق الداكن، من الغلاف إلى الغلاف، وهو ما منح العمل خصوصيته البصرية.وأكد أن الكتاب وثق كذلك جانبًا من التحولات العمرانية الكبرى التي شهدتها الدوحة خلال العقود الماضية، مشيرًا إلى أن العمل عليه استمر عدة سنوات، وشمل تصوير عدد من المواقع قبل النهضة العمرانية وبعدها.
ولفت إلى أنه أعاد تصوير بعض المواقع بعد نحو 20 عامًا من تصويرها للمرة الأولى، ومن الزاوية نفسها، بما يتيح مقارنة التحولات التي طرأت على المشهد العمراني، مستشهدًا بصور كورنيش الدوحة بوصفها مثالًا واضحًا على هذا التحول، إلى جانب صور أخرى موثقة في الكتاب.وفيما يتعلق بالعمارة القطرية الحديثة، رأى اليافعي أنها نجحت بدرجة كبيرة في تحقيق التوازن بين الحداثة والهوية المحلية، خصوصًا في المشاريع التي استلهمت عناصر من البيئة والتراث القطري، مع توظيف التقنيات والمواد المعمارية الحديثة.وأوضح أن المصور يستطيع إبراز هذا التوازن من خلال اختيار الزاوية والإضاءة والتوقيت المناسب، بحيث تظهر العناصر الحديثة إلى جانب التفاصيل المستوحاة من التراث، مؤكدًا أن الصورة المعمارية يمكن أن تتجاوز توثيق المبنى لتصبح وسيلة بصرية لإظهار الحوار بين الماضي والحاضر، وكيفية الحفاظ على الهوية الثقافية مع التوجه نحو المستقبل.
وحول مدى حاجة المصور المعماري إلى معرفة بالعمارة والهندسة، أكد اليافعي أن المصور ليس بالضرورة بحاجة إلى تخصص هندسي، وإنما يحتاج إلى عين ثاقبة وخبرة فوتوغرافية وقدرة على اكتشاف التفاصيل واختيار الزاوية المناسبة.
وفي حديثه عن المعالجة الرقمية والذكاء الاصطناعي، أشار إلى أن التكنولوجيا الحديثة أسهمت في تسهيل عملية التصوير والمعالجة، لكنها، في رأيه، لا تغير من جوهر العمل لدى المصور المحترف.واستشهد بالمصور العالمي أنسل آدامز، الذي حققت أعماله انتشارًا واسعًا رغم اعتماده على تقنيات تصوير قديمة مقارنة بما هو متاح اليوم، مؤكدًا أن قيمة الصورة لا ترتبط بالتكنولوجيا وحدها، وإنما برؤية المصور وقدرته الفنية.وحذر اليافعي من الإفراط في المعالجة الرقمية، خصوصًا عندما تؤدي إلى تغيير ألوان المبنى أو شكله أو تفاصيله بصورة تبتعد عن الحقيقة، معتبرًا أن ذلك يفقد الصورة قيمتها الفنية ومصداقيتها، حتى لو حققت قبولًا مؤقتًا لدى بعض الجمهور.كما اعتبر أن استخدام الذكاء الاصطناعي لتغيير حقيقة المبنى أو إضافة عناصر غير موجودة يمثل حدًا فاصلًا بين تطوير الصورة وتزييفها، مؤكدًا أن العمل المعماري يفقد قيمته ومصداقيته عندما تتحول التقنية من وسيلة لخدمة الرؤية الفنية إلى أداة لتضليل المتلقي.وشدد على أن الصورة المعمارية الناجحة هي التي تجمع بين الدقة في التوثيق، والوعي الجمالي، والقدرة على قراءة المكان وتحويله إلى عمل بصري يحمل ذاكرة المدينة وهويتها.