دعاة وتربيون للشباب: اطلبوا العلم واحترموا المعلم
تحقيقات
24 أغسطس 2015 , 07:33ص
عامر غرايبه
وقل متحدثون لـ»العرب» إن أمانة التعليم أمانة عظيمة، ومسؤولية كبيرة لمن عقلها، وأدى حقها، وأخلص لله فيها، فقام بها خير قيام، والمعلم والمعلمة من ذوي الصلاح والتقى يحرص كل منهما على غرس الفضائل في قلوب الأبناء والبنات، وغرس العقيدة السليمة، والأخلاق الكريمة، والسلوك الحسن والسيرة النبيلة.. المعلم أسامة محمد خالد (مدرس العلوم الشرعية) قال إنه لو قيل لك إن العالم الفلاني يدعو لك في ظهر الغيب لسرك ذلك، ودعاك إلى مضاعفة العمل، وبذل الجهد، فما ظنك إذن بمن يدعو له ملايين الخلق؟ فعن أبي أمامة الباهلي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرضين، حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت، ليصلون على معلم الناس الخير»، والصلاة من المخلوق هي الدعاء، (رواه الترمذي والدرامي). وأي منزلة عالية تلك التي يبلغها المعلم؟ أن يصلي عليه الله سبحانه وتعالى وملائكته الكرام الذين لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، بل وسائر أهل السماء والأرض.
ولا شك في أن كل واحد منا يبذل جهده من أجل أن ينجح ابنه، ويفرح به متعلما مجتهدا، وعالماً مرموقاً، ويناله الكمد والحزن، إن لم يسعفه القدر، ولفظته مقاعد الدرس، وهذا أمر طبيعي، وتصرف راشد، لكن كان ينبغي أن نبدأ من البداية، حتى نوفر بإذن الله للنهاية السعيدة أسبابها المعقولة، وأول ما ينبغي تعويد التلاميذ والأبناء عليه احترام معلمهم، وتوقيره والقيام بحقه، لاسيَّما إذا كان هذا المعلم صالحاً فاضلاً، هذا السلوك مبدأ إسلامي ثابت أكده نص الشرع وثبته، وقد جاء في الحديث الشريف الذي رواه الطبراني: «تعلموا العلم، وتعلموا للعلم السكينة والوقار، وتواضعوا لمن تتعلمون منه»، فالتكبر على المعلم خلق لئيم، لا يمكن للمتعلم معه أن ينجح، أو يفلح، والاستخفاف بالمعلم والاستهزاء به، واحتقاره من خصال المنافقين والعياذ بالله، جاء في الحديث الذي رواه الطبراني كذلك: «ثلاث لا يَستخف بهم إلا منافق: ذو الشيبة في الإسلام، وذو العلم، وإمام مقسط».
وإن التواضع للمعلم باب من أبواب الفلاح، وسبب من أسباب التحصيل، هكذا يربينا الإسلام، وهكذا يرشدنا، وهو حق من حقوق المعلم على المتعلم، وتأمل معي تواضع سيدنا موسى -وهو نبي من أولي العزم عليهم السلام- مع معلمه الخضر عليه السلام كما قص القرآن الكريم علينا في سورة «الكهف» (69): «قال ستجدني إن شاء الله صابراً ولا أعصي لك أمراً»، وهذا هو سمت المتعلم، أن يعلم أن ذُله لمعلمه هو عز له، وأن خضوعه فخر، وأن تواضعه رفعة، قال أبو حامد الغزالي رحمه الله: «لا يُنال العلم إلا بالتواضع».
وعلى هذا فقد قرر العلماء آداباً، للمتعلم منها ألا ينادي معلماً إلا نداء مقروناً، بما يشعر بالاحترام والإجلال: كنداء سيدي، أو يا معلمي، أو يا شيخي، أو يا أستاذي، ورحم الله شوقي حين قال:
أعَلِمتَ أشرف أو أجلَّ من الذي .. يبني وينشئ أنفساً وعقولا
وقديما قال الشاعر:
إن المعلم والطبيب كلاهـما .. لا ينصحان إذا هما لم يُكرما
فاصبر لدائك إن جفوت طبيبه .. واصبر لجهلك إن جوفت معلما
ومما قاله الإمام علي رضي الله عنه وكرم وجهه في تبيان حق العالم على المتعلم، في وصية جامعة مانعة: «ومن حق العالم عليك أن تسلم على القوم عامة وتخصه بالتحية، وأن تجلس أمامه، ولا تشيرن عنده بيديك، ولا تغمز بعينيك غيره، ولا تقولن قال فلانٌ خلاف قوله، ولا تغتابن عنده أحداً، ولا تطلبن عثرته، وإن زل قبلت معذرته، عليك أن توقره لله تعالى، وإن كانت له حاجة سَبَقت القوم إلى خدمته، ولا تسارر أحداً في مجلسه، ولا تأخذه بثوبه، ولا تلح عليه إذا كسل، ولا تشبع من طول صحبته، فإنما هو كالنخلة ينتظر أن يسقط عليك منها شيء».
العلم مفتاح الخير
الداعية جاسم بن محمد الجابر أكد أهمية فضل العلم والعلماء، وقال إن العلم مفتاح الخير والعلم سبيل النجاة والخشية من الله تعالى، وصدق الله إذ يقول «قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون»، وقال سبحانه: «إنما يخشى الله من عباده العلماء»، فالله تعالى في كتابه أثنى على العلماء وفضلهم، فقال: «يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات»، والنبي علمه ربه وأمره بالثناء على أهل العلم وتفضيلهم ووعد طالب العلم بالخير والثواب الجزيل فقال في الحديث: «من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة»، وبين لنا في حديثه النبوي أن فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم، كذلك صح عنه أنه قال: «إن الله تعالى وملائكته وأهل السماء وأهل الأرض، حتى النملة في جحرها والحوت في البحر ، ليستغفرون لمعلم الناس الخير».
وبين الجابر أهمية طلب العلم والنفع الذي يعود به العلم على الفرد والمجتمع ولذا نجد أن المجتمع المثقف المتعلم متقدم متحضر يعلي القيم النبيلة والخصال الحميدة ويحارب الجهل ويترك الصفات الذميمة لأنه اكتسى بكساء العلم وهو كساء الخشية والمهابة ورجاحة العقل وحفظ الدين. وأوضح الجابر أن دور أولياء الأمور في هذا الأمر كبير خاصة الأمهات فعليهن مسؤولية عظيمة من منطلق حديث النبي: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» وفيه: «والمرأة راعية في بيت زوجها وولده وهي مسؤولة عنهم»، وأعظم شيء تقدمه الأم أو يقدمه مسؤول لرعيته هو العلم، وهل ورث الأنبياء للأمة من بعدهم غير العلم فلم يرث الناس من الحكماء والأنبياء والعلماء دينارا ولا درهما إنما ورثوا العلم والذي به تسعد البشرية في دينها ومعاشها وآخرتها فهذا هو ميراث الأنبياء والعلماء الحقيقي.
وذكر الجابر قصة واحد من أئمة أهل السنة وهو الإمام أحمد بن حنبل الذي ربته أمه صغيرا على طلب العلم، ومثله في ذلك الإمام الشافعي رحمهما الله تعالى، فقد كانت أمه توقظه من نومه مبكرا قبل الفجر، وتجهزه وتذهب به للجامع الكبير، وتجلسه بين أيدي الحفاظ والعلماء، وتكفيه الطعام والشراب ليطلب العلم ويشتغل به، حتى صار إمام أهل السنة، موضحا أهمية توقير أهل العلم ومحبتهم، والجلوس بين أيديهم وملازمتهم، لأن في ذلك كله شرف الإنسان وعزه ورفعته في الدنيا والآخرة.
لماذا فقد المعلم احترامه؟
ونوه الداعية إلى الجابر إلى أهمية احترام المعلم وقال: نسمع آباءنا يقولون إن المعلم عندما كان يدخل الفصل الدراسي كنت تكاد تسمع دبة النملة، وكان الطلبة يقفون له إجلالا وتقديرا واحتراما، كانوا يهابونه ويحترمونه ويقدرونه حق تقديره، وكان سلطاته واسعة على التلاميذ يحاسبهم ويعاقبهم كما يشاء، ولم يكن أحد يجرؤ على حسابه أو معاتبته أو حتى مراجعته سواء من الطلبة أو من أهاليهم.
أما اليوم فقد انعكست الصورة تماما، فقد أصبح المدرس يخاف أن يستثير غضب أحد طلابه حتى لا يكون نصيبه منه «علقة ساخنة» عقابا على تطاوله على التلميذ! وصار كثير من المعلمين يشترون ود الطلاب سعيا وراء استقطاب أكبر عدد منهم للدروس الخصوصية، فيتقرب إليهم ويطلب ودهم ورضاهم، ولكن هل هذه الصورة الممسوخة للعلاقة بين المعلم وتلميذه جديرة بإخراج جيل ناجح مثقف؟ وهل يمكن للطالب أن يحقق تقدما وتفوقا مع وجود مثل هذه العلاقة التي تفتقر إلى احترام المعلم، الذي يفترض أن يكون مثلا أعلى وقدوة للتلاميذ والمجتمع؟
من المذنب في هذا التردي الشديد؟ المدرس الذي تراجعت مكانته وأهميته في المجتمع وتراجع دخله حتى صار يسعى بالليل والنهار لتأمين الحياة الكريمة لأهل بيته، أم هم أولياء الأمور الذين شجع بعضهم أبناءه على التطاول دون ردع أو توجيه، أم هو ضعف التربية وتراجع التعليم كأحد أهم أولويات المجتمع، أم كل ما سبق ذكره مجتمعا؟حض دعاة وتربوين الطلبة والشباب على الاستعداد لعام دراسي جديد يستزيدون فيه من العلم، ويراكمون فيه رصيدهم المعرفي مما ينعكس على مجتمعاتهم بالرقي والتقدم.. ونوهوا إلى أن احترام المعلم من مقومات الطالب المجد المجتهد الذي ينفع أمته ووطنه ومجتمعه، وأن التكاسل عن طلب العلم والميل إلى المكسب المادي المريح لا يتسق مع خصائص الدين الإسلامي الذي دعا للجد والاجتهاد بطلب العلم وتحمل المشاق في الدراسة والبحث والإبداع، وكانت أول كلمة نزلت من القرآن الكريم أمرا بالقراءة..