مسرح قرطاج.. وجهة ثقافية وسياحية ومتنفس سياسي
منوعات
24 أغسطس 2013 , 12:00ص
تونس – د.ب.أ
ازدانت السيارات بالأعلام الوطنية بينما كانت تشق الطريق السريع باتجاه ضاحية قرطاج التاريخية شمال العاصمة التونسية. لم يكن الهدف حضور مباراة رياضية أو تجمع حزبي وإنما حفل فني بالمسرح الروماني الشهير.
وفوق هضبة مطلة على ضفاف البحر ينتصب المسرح العريق بمدارجه الشاهقة منذ نحو ألفي عام، بينما تمتد بقايا مدينة قرطاج التي كانت في العصور الغابرة تنبض بالحياة وتشع على حوض البحر الأبيض المتوسط، على جانبي الطرق المؤدية إلى المسرح والمحيطة به.
وأمام الأبواب الحديدية للمسرح اصطفت طوابير من الجماهير ومن بينهم الكثير من الفتيات والنساء ملتحفات بالعلم التونسي لتمرير بطاقاتهم على الآلات المغناطيسية قبل الدخول إلى المدارج.
كانت حالة من الحماسة والغضب طاغية على وجوه الوافدين وسط عائلات ومجموعات وهم يستعدون لمتابعة حفل الفنانة اللبنانية الشهيرة ماجدة الرومي.
والسبب في ذلك أن الحفل في تلك الليلة توافق مع ذكرى مرور ستة أشهر من اغتيال السياسي المعارض في تونس شكري بلعيد، ويأتي بعد أيام قليلة من اغتيال النائب البرلماني محمد البراهمي إلى جانب سقوط ثمانية جنود من الجيش في كمين نصبه مسلحون نكلوا بجثثهم في جبال الشعانبي غرب البلاد.
وأغلب الحاضرين في المسرح الروماني في تلك الليلة كانوا يخططون للتوجه بعد الحفل إلى ساحة باردو أمام مقر المجلس الوطني التأسيسي للمشاركة في تظاهرة شعبية إحياء لذكرى اغتيال بلعيد.
كان الحفل يدور في أجواء مشحونة وسياسية بامتياز جاملت خلالها الفنانة اللبنانية التونسيين بتقبيلها العلم التونسي وأدائها لأغنية وطنية تونسية قديمة إلى جانب أغاني أخرى من التراث التونسي.
واضطرت ماجدة عند صعودها إلى الركح أن تذكر بمعاناة لبنان في زمن الحرب الأهلية ووقوفها إلى جانب التونسيين في محنته السياسية.
لم يتعود مسرح قرطاج الذي شيد منذ القرن الثاني ميلاديا على أيدي الرومان وكان يعتبر أحد أكبر المدرجات في الإمبراطورية الرومانية في ذلك العهد، على أجواء السياسية خلال حكم الرئيس السابق زين العابدين بن علي.
لكنه اليوم وعلاوة على كونه معلما تاريخيا ووجهة ثقافية وسياحية فإنه بات أيضا متنفسا سياسيا.
وقال الإعلامي المختص في الشؤون الثقافية والفنية عبدالمجيد دقنيش لوكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ): «الوضع السياسي الاستثنائي بتونس انعكس على كل مجالات الحياة. ومهرجان قرطاج لم يكن بمعزل عن ذلك التأثير».
يتكون المسرح من ركح ومدرج نصف دائري يفصل بينهما فضاء لمتفرجي الدرجة الأولى ومن خصائصه استناده إلى ربوة دون الاعتماد عليها، ذلك أن مدارجه تقوم على منظومة معقدة من الأقبية تجعله في مأمن من الرجات الأرضية.
وفي وسط ساحته يمكن ملاحظة ما تبقى من حلبة بيضاوية الشكل وفي طرفيها البوابات التي تأتي منها السباع الضارية. ويذكر المؤرخون أن من أشهر من تعرض للتعذيب والقتل بهذه الطريقة، القديسة بربيتو والقديسة فليستي وذلك في سنة 203 ميلادي.
وشكل المسرح الذي يبلغ طاقة استيعابه نحو 12 ألف متفرج فضاء ثقافيا هاما في تلك الفترة لسكان قرطاج الذين كانوا مولعين بالعروض المسرحية والموسيقية وفن المحاكاة والفلسفة.
لكن خلال القرن الخامس هدمه الونداليون ولم يخرج إلى النور إلا في أواخر القرن التاسع عشر، حيث رمم جزئيا وأعيد استعماله لتقديم روايات مسرحية وحفلات موسيقية.
ومنذ عام 1964 انطلق مهرجان قرطاج الدولي في دورته الأولى بعد أن تم إعادة بناء المسرح كليا. ويعد المهرجان الذي يقدم بشكل موسمي عروضا موسيقية وسينمائية، أحد أهم المهرجانات في المنطقة العربية على الإطلاق اليوم ويتمتع بشهرة عالمية واسعة.
ولطالما كان المهرجان محل طموح أغلب الفنانين ليس لهيبته التاريخية فقط لكن لكونه أيضا محطة مهمة للباحثين عن الشهرة والإشعاع الإقليمي والدولي.
وعلى ركح هذا المسرح غنى الفنان الإسباني الشهير خوليو أجليسياس والفرنسي شارل أزنافور والإيطالي إيروس رامازوتي.
وقبل صعوده على المسرح التاريخي في الدورة 49 لمهرجان قرطاج هذا العام قال نجم الموسيقى الإلكترونية جون ميشال جار في مؤتمر صحافي «الوقوف على ركح مسرح قرطاج الأثري حلم استهواني».
وأضاف جار «قرطاج تبقى عنوانا للأمجاد الضاربة في التاريخ وهي عنوان لحضارة لطالما أشعت على الإنسانية وهي أيضا قرطاج القائد حنبعل والبطولات والأساطير الملحمية».
ومنذ انطلاقه لم يسبق أن توقفت عروض المهرجان باستثناء مرة واحدة بسبب مذابح مخيم صبرا وشاتيلا للاجئين الفلسطينيين عام 1982 على أيدي الجيش الإسرائيلي والكتائب اللبنانية المتحالفة معها.
وكان نفس المصير يتهدد المهرجان في دورته الـ49 لهذا العام، لكن تم الاكتفاء بتعليق العروض فقط ثم استئنافها بعد فترات الحداد إثر اغتيال البراهمي ومقتل الجنود في الشعانبي.
ومع انطلاق موسم المهرجانات الصيفية لهذا العام رسخت أغلب الحفلات التي تم عرضها على المسرح الروماني ومسارح أخرى في مختلف البلاد سلوك التونسيين المحب للحياة والفن رغم فاجعة الاغتيالات.
وقال وسام بن نصير «43 عاما» الذي كانت ترافقه زوجته المحجبة وابنته عقب حفل الشاب خالد لوكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ): «يخطئ من يفكر في تغيير نمط عيش التونسيين.. التونسيون مقبلون على الحياة ويعشقون الفن.. اليوم الرسالة كانت واضحة في حفل خالد».
وفي الواقع تعكس الحركية المجاورة لمسرح قرطاج التحول الذي يشهده المجتمع التونسي منذ الإطاحة بحكم بن علي.
والجامع نفسه الذي بناه بن علي عام 2003 إلى جوار مسرح قرطاج وحمل اسمه قبل أن يصبح جامع مالك ابن أنس بعد الثورة، يعد اليوم أحد الفضاءات التي تعكس ذلك التحول.
فالجامع الذي يطل بمئذنته على المسرح أصبح خلال ليالي رمضان التي تزامنت مع ليالي مهرجان قرطاج هذا العام ينافس العروض الثقافية من حيث نسبة الإقبال في أثناء أداء صلاة التراويح.
وقالت ندى المسلماني «21 عاما» وهي طالبة في كلية الحقوق بعد أن أوقفت سيارتها في المرآب المشترك بين الجامع والمسرح «التونسيون ملتزمون دينيا لكنهم أيضاً محبون للحياة. وعبر التاريخ عرفوا بالتسامح والاعتدال أما التزمت فليس له مكان في هذه الأرض».