منوعات
24 أغسطس 2013 , 12:00ص
إعداد: الدكتور العربي عطاء الله
واحة النفس.. صفحة لجميع القراء
تعمل على توفير التواصل السريع المستمر ، ومساعدة أصحاب المشكلات على تجاوز هذه الصعوبات .
كما أنها تهدف إلى زيادة الوعي النفسي والاجتماعي والتربوي من خلال تقديم المعلومات الصحيحة والحديثة والمتنوعة .
وتتشرف صفحة واحة النفس بالاستفادة من ملاحظات وآراء القراء الكرام في دعم رسالتها ونجاحها .
أخلاقيات العفو والتسامح
لقد أعطى ديننا الإسلامي للعفو عن الآخرين معنى خاصا، وجعل له هدفا ودعا إليه وشجع عليه، وهو يتضمن التسامح والرحمة والأخوة، قال تعالى: {وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم}.
وكل منا قد يتعرض في تفاعله الاجتماعي للإساءة والظلم والجهالة والإفك والبهتان من الآخرين، أو يتعرض للصد والمنع والإحباط فتتولد مشاعر التوتر والقلق، وتثير فينا ردود فعل غاضبة، وهنا يأتي دور ترك الانتقام وكظم الغيظ، والعفو عمن ظلمنا، ونصفح عمن أساء إلينا، ونتسامح مع من اعتدى علينا، قال تعالى: {وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين*الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين} آل عمران 134، وهذه الأخلاقيات (العفو والصفح والتسامح) تفيد وترفع صاحبها من درجاته قبل أن تفيد من عفا عنه، وهذا ما أكده الرسول صلى الله عليه وسلم: (ما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا) ففي العفو طمأنينة ومودة وشرف للنفس ورفعة لها عن ذل الانتقام، فالخبرة الدارجة في الحياة اليومية تثبت لنا أن ما انتقم أحد لنفسه إلا ذل.
والإيمان كما وصفه الشيخ محمد الغزالي رحمه الله تعالى يقوم على السماحة والحلم وترك طلب الهلاك للمخطئين والتخلي عن السعي للانتقام، لأن الإيمان ينزع من النفوس الغل والحقد ويجعلها هينة لينة رقيقة يسبق حلمها غضبها، وتغلب حكمتها انفعالاتها، وهذا ما أكده قول النبي صلى الله عليه وسلم حينما خاطب صحابته رضوان الله عليهم، قال: (ألا أنبئكم بما يشرف البنيان ويرفع الدرجات؟ قالوا نعم يا رسول الله، قال: تحلم عمن جهل عليك وتعفو عمن ظلمك وتعطي من حرمك وتصل من قطعك).
ويتم العفو عن الناس على ثلاثة مستويات:
1- كظم الغيظ: حاول أن تعمل على تحويل مشاعر الغيظ إلى مشاعر تقبل وتحمل، وتصريفها ابتغاء مرضاة الله، وعدم حبسها في النفس ولا تلجأ إلى الانتقام من الشخص الذي أساء إليك، وهذا يعطيك قوة الإرادة وثقة بالنفس عالية، قال صلى الله عليه وسلم: (ليس الشديد بالصرعة ولكن الشديد من يملك نفسه عند الغضب).
2- الصفح عن الإساءة: لا بد أن نتحمل إساءة المسيء ونتقبلها ولا نغضب منها ونحاول أن نصفح عنه ونسامحه دون قلق أو توتر، والصفح أعلى مرتبة من كظم الغيظ، قال تعالى: {ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم} فصلت 34.
3- الإحسان إلى المسيء: ثم تأتي مرحلة الإحسان إلى المسيء وهي أعلى درجة الصفح يكون فيها عطاء ومودة وحبة للمسيء وإحسان إليه والدعاء له، وهذه العملية لا يقدر عليها إلا من قوي إيمانه. ونحاول أن نحب من يكرهنا ونحسن إلى من أساء لنا ونصفح عمن ظلمنا ونصل من قطعنا وندفع بالتي هي أحسن حتى نال رضا الله تبارك وتعالى.
...............................................
مشكلة إساءة الظن بالأصدقاء
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
عندي مشكلة إساءة الظن بالأصدقاء، ولا أعلم إن كنت صادق الظن فإني لا أعلم ما بينهم ونفسي تشعرني بأني أحب من حولي لله.
وجزاكم الله خيرا. أخوكم/ أبوأحمد.
الإجابة:
أخي السائل أبوأحمد حفظك الله ورعاك كما نشكرك على تواصلك معنا.
حاول أن توجه اهتمامك إلى الأصل العظيم والشجرة
المباركة شجرة الإيمان ومنها ستتفرع الفروع
وتقطف الثمرات في كل الاتجاهات وعلى مدار الأوقات
مصداقاً لقوله تعالى {ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء * تؤتي أكلها
كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون}، وأنصحك يا أخي أن تترك المعاصي وتعاهد الله على أنك لا تعود إلى هذه المعاصي، وتتوب إلى الله توبة نصوحاً حتى يوفقك الله في حياتك.
أما عن مشكلتك عن سوء الظن بالناس فهذا يا أخي مدخل من مداخل الشيطان يقول الرسول الله صلى
الله عليه وسلم (إن إبليس قد يئس أن يعبده الصالحون،
ولكنه يسعى بينهم في التحريش) أي: يسعى بينهم بالخصومات والشحناء والفتن وسوء الظن.
وسوء الظن يكون عادة من الشيطان، ويجعلك دائماً
تسمع الكلمة فتفسرها بالتفسير السلبي، وهنا ما عليك
إلا أن تغلق باب الشيطان.
وتتعوذ من الشيطان الرجيم فقد قال سليمان بن صرد رضي الله عنه، كنت جالساً مع النبي صلى الله عليه وسلم ورجلان يستابان أي يشتم بعضهما بعضاً، فاحمر وجه أحدهما فقال النبي صلى الله
عليه وسلم (إني لأعلم كلمة لو قالها ذهب عنه ما يجد لو قال
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ذهب عنه ما يجد) حاول أن تحسن الظن بالناس.
وبالله التوفيق
...............................................
تقييم الذات
من الأهمية بمكان أن تقيم نفسك، فإن تقييمك لنفسك يساعدك على بناء حياتك على أساس آمن، أنك ستفوز بالكثير إن عاملت نفسك باحترام مثل الشخص الذي يتمتع بقيمته الداخلية.
وتقييم نفسك يختلف عن حبك لنفسك، ونحن قد نحترم ونعجب بشخص ما ولكننا لا نحبه، وقد نقبل بفكرة أن الشخص الذي نحبه له قيمته الداخلية.
هل لديك معيار تقيس به الأمور مع الآخرين ومعيار آخر أرقى عند قياسك لنفسك؟
إنك لو طبقت هذه المعايير المزدوجة فإنك تعمل على تقويض -أي هدم- نفسك باستمرار. إن هذا الأمر بمثابة محاولة لبناء منزل فوق الماء أو الطين يقوم ثم يسقط.
إذا نظرنا إلى سير التابعين وإلى العظماء من علماء المسلمين والقادة والمجاهدين ثم نظرنا إلى أنفسنا فإذا هو لا شيء بالنسبة لهؤلاء، ونسينا أن إعجابنا بهؤلاء لا يمكن أن يمحي أن لكل منا قيمة في هذه الحياة، وأن الله خلقنا وكرمنا وحملنا في البر والبحر وسخر لنا الدواب والماء والرياح، وأسجد لنا الملائكة وأقسم بنفوسنا فقال: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا} [الشمس:7].
والتعالي هو النظر إلى النفس والآراء وتقييمها بصورة أكبر مما تقوم بها مع الآخرين، وإذا قمت بالحط من قيمة نفسك فإنك بذلك تقوم بنفس الخطأ الذي يرتكبه الشخص المتعجرف المتعالي، لكن بالعكس إنك بذلك لا تكون عادلاً مع نفسك.
وهنا يفهم خطأ مفهوم التواضع ومقت النفس الذي يحثنا عليه الشرع.
فالشرع دائما يخاطب النفس بخطاب مزدوج ليحقق لها التوازن، فدائما هناك الخوف وهناك الرجاء، هناك المغفرة وهناك العقاب، فأنت قد أعطاك الله المواهب وجعل لك قيمة في هذه الحياة، ولكن للعمل وللخلافة في الأرض وليس للكبر والبطر والغرور والاستبداد.
فأعطاك الله ما أعطاك منَّة منه وفضلا يستوجب الشكر.
فهذا رسولنا الكريم يثني على أصحابه بما هم أهله ومع ذلك كانوا أكثر الناس تواضعا وإنصافا.
فهذا هو الصديق وهذا الفاروق الذي فرق الله به بين الحق والباطل، وهذا أمين هذه الأمة، وهذا أسد الله، وهذا سيف أسله الله على الكافرين وهذا وهذا، لقد عرف صلى الله عليه وسلم قيمة أصحابه وعرفوا قيمة أنفسهم وقيمة الآخرين، وبعد ذلك تواضعوا ولكن لله عز وجل، وخضعوا الجناح للمؤمنين، ولا يخفض الجناح إلا من شعر بالقوة والثقة.
أحيانا ما نقلل من تقييم أنفسنا، ليس لأننا قد منينا بخيبة الأمل في إنجازاتنا، بل لأننا أصبنا بخيبة الأمل والرجاء في أنفسنا وفي شخصيتنا المعنوية وأننا لم نرتق إلى مستوى معاييرنا الشخصية في السلوك، لذا نقوم بجلد أنفسنا بلا رحمة.
والأخطاء مما لا شك فيه سبب في إعادة النظر إلى كثير من الأمور، ولكن لا يجب أن نجعل لكل الأخطاء وسيلة لكي نهدم بها ذواتنا، بل الواجب أن نصحح الخطأ بسرعة، وأن نعتبر أن الإنسان دائما يخطئ، لكن الإنسان المحترم يسارع إلى تلافي الأخطاء وتحويلها إلى خبرات ومهارات يمكن الاستفادة منها في المستقبل، وهذا هو المنهج الرباني في التعامل مع الأخطاء، فها هم الصحابة في غزوة أحد يخطئون ويخالفون أمر النبي صلى الله عليه وسلم وها هو القرآن ينزل بقرعهم على فعلتهم ويوبخهم على أخطائهم، ولكن يربت على ظهورهم ويقول لهم: {وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران:139].
فالإنسان يحاسب نفسه ولكن يحاسبها الحساب الإيجابي الذي يولد العمل والإنجاز والثقة بالذات، وليس المقت السلبي الذي يورث القلق والفزع واحتقار الذات والصراع معها.