د. العيد يدعو المسلمين إلى التواد والتراحم ومراعاة حرمة الدم

alarab
محليات 24 أغسطس 2013 , 12:00ص
الدوحة - ياسر محمد
دعا فضيلة الشيخ د. عمر سعود العيد جموع المسلمين إلى التواد والتراحم ونزع البغضاء والعداوة فيما بينهم، مطالبا إياهم بالدعوة إلى دين الله تعالى سلوكا وعملا، مؤكداً حرمة الدماء والأعراض الأموال، وموضحا أن هذه هي حقوق المسلمين على بعضهم البعض. وقال فضيلته، خلال خطبة الجمعة أمس بمسجد الإمام محمد بن عبدالوهاب: إن الله تعالى وصف أمة محمد صلى الله عليه وسلم بأنها خير الأمم، مصداقا لقول الله تعالى: «كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ»، لافتا إلى أن هذه الخيرية ما كانت إلا لما تحمله هذه الأمة من الصفات العظيمة التي تكون سببا لهداية الأمة وسببا لصلاح العالم كله، وسببا لنقل الناس من النار إلى الجنة ومن الشرك والكفر والإلحاد إلى التوحيد والإيمان. وأضاف أن هذه الصفات لا تزال باقية في هذه الأمة إلى قيام الساعة، مؤكداً أنه يجب علينا أن نبحث عن هذه الصفات وأن نعتز بها ونفتخر، وأن نطبق هذه الصفات سلوكا عمليا في واقعنا. أمة السلام وأشار خطيب الجمعة إلى أنه عندما ننظر بعين البصر والبصيرة نرى ما كانت عليه الأمة سابقا من العزة والقمة والحضارة والتمكين والسلام، وقال: لقد كانت الأمة سابقا هي القائدة للعالم كله في جميع شؤونها كبيرها وصغيرها، وتساءل: كيف وصلت الحضارة إلى أمة الغرب ألم تكن ورثتها من الحضارة التي كانت في الأندلس؟ وكيف وصل السلام إلى العالم كله أليس بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم؟ وأوضح أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما بعث في مجتمع كان يعيش على القوة والقهر والغلبة، جاء صلى الله عليه وسلم ودعا الناس إلى «لا إله إلا الله» وإلى التوحيد والإيمان، وألف الله بين قلوب المؤمنين وامتن الله على رسوله صلى الله عليه وسلم وألف بين قلوبهم «لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ». وأشار إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث وكان العرب في الجاهلية ينادون «انصر أخاك ظالما أو مظلوما»، وكان شاعرهم ينادي «وهل أنا إلا من غزية إن غوت غويت وإن ترشد غزية أرشد»، وكان أحدهم يقول: «أنا وأخي على ابن عمي، وأنا وابن عمي على البعيد»، ثم أصبح الناس بنعمة الله إخوانا، وألف الله بين قلوب أهل الإيمان وجمعهم على الحق المبين، فاستقامت قلوبهم وجوارحهم واستقاموا على دين الله عز وجل. وقال فضيلة الشيخ عمر سعود العيد: عندما ينظر الإنسان إلى ما كانت عليه الأمة سابقا، كانت الأمة يربى أفرادها على تحقيق العبودية لله عز وجل، وهي العبودية الشاملة لكل جوانب حياة الأمة، موضحا أنها عبودية في كل زمان وليس في شهر رمضان الكريم وحده، عبودية في كل مكان، ليس في المسجد والجامع بل في البيت وفي بلد المسلم وسفره وحضره وفي أحواله كلها، عبودية في ماله وفي تجارته، عبودية لله عز وجل في أخلاقه، عبودية لله عز وجل في مظهره وتعامله. تآخي المسلمين وأشار خطيب الجمعة إلى أن الإسلام كان يغرس في نفوس الناس الحرص على الجماعة والاجتماع، والتآلف والتواد لا حياة الأنانية، ولا الانتماءات، ولا الحزبية ولا التفرق، إنما أصبح الناس بنعمة الله إخوانا، كما يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا، وشبك النبي صلى الله عليه وسلم بين أصابعه». وأضاف أن المسلم كان يصبح ويمسي وهمه أن ينشر دينه، وأن يوصله للناس بسلوكه وأخلاقه بتعاونه وأدبه بحرصه على هداية الناس، وليس كواقع الناس اليوم، وتعجب من حال المسلم الذي عجز عن هداية خادمة في بيته، أو سائق في منزله، أو ممرض في مستشفى يمر عليه، قائلا: أصبح الإنسان همه نفسه ولم يكن حرصه على عبادة ودعوة وهداية غيره. واستغرب واقع المسلمين وأهل الإسلام في هذا الزمن، فقد أصبحوا منظارا للعالم كله في الحروب والتفرق والإرهاب والإبادة والقتل والتشريد، بل يلجأ الناس إلى العالم كله ليصلحوا فيما بينهم. وتساءل: أين نحن من واقع الأمة سابقا؟ قائلا: كان الناس يربطهم الدين، ومرجعهم الكتاب والسنة ولدى الناس علماء يعزون إليهم، كما تساءل: أين نحن من اهتمام الأمة بدينها سلوكا عمليا، أين الأمة التي تصبح وتمسي وهمها نشر العقيدة والتوحيد الذي رفرف على أمة الإسلام من قبل؟ وأشار إلى أن الكثير من المسلمين ينادون «لا إله إلا الله» ولو تقلب طرفك في سلوك أحدهم ترى عجبا يطوف بالقبور ويدعوها من دون الله، فلربما حلف بغير الله، بالنبي والأمانة وغيرها، ولربما علق تميمة على قلبه، متسائلا: أين نحن من الأمة التي كانت تصبح وتمسي وهمها «لا إله إلا الله»، بالسلوك قبل أن تنقلها للناس، ترى أخلاقا وعملا وعلما؟ أين نحن من الأمة المسلمة، الأمة اعتزت بعبادها وصلاتها ودينها؟ وقال خطيب الجمعة: الأمة اليوم تستحي من مظهرها فيستحي المسلم أن يصلي أمام الناس عندما يسافر هنا وهناك، ويستحي الإنسان من مظاهر الإسلام، وتستحي المرأة من الحجاب، وأن تعتز بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، والناس يعيشون اليوم لذاتهم وأحوالهم. الرحمة والهداية وأوضح أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء ليغرس في الناس التآخي والتآلف، فقد حرص صلى الله عليه وسلم على هداية البشرية جمعاء أخذا بقول الله تعالى: «وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ». وأضاف: كان النبي صلى الله عليه وسلم رحمة مهداة لكل البشرية على اختلافات دياناتها؛ مصداقا لقول الله تعالى في وصفه لرسوله صلى الله عليه وسلم: «وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ»، فقد هدى الله محمدا صلى الله عليه وسلم بهذا الدين؛ مصداقا لقوله تعالى: «وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى»، ثم انطلق النبي صلى الله عليه وسلم لهداية الناس على اختلافهم. وأشار إلى أن الله تعالى أرسل النبي صلى الله عليه وسلم في أمة أمية لم يكن عندها حضارة، ولم يكن عندها تقدم، ولكن جاءت بـ «لا إله إلا الله»، تطبقها سلوكا وعملا، وقال: كلنا في المسجد الآن أقدامنا تصف في صف واحد، وأكتافنا تلتصق ونحرص على رص الصفوف، لكن الله أعلم بمن تلاصق قلبه بقلب أخيه، الله أعلم من يعيش بحياة الجسد الواحد، كما يقول الله تعالى: «وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ»، وتساءل: أين الذي يكظم غيظه؟ وأين الذي يعفو عن أخيه؟ وأين الذي يحب الإحسان إلى أمة الإسلام؟ وتابع قائلا: إننا في حاجة لأن نتذكر ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم: «لن تتدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولن تؤمنوا حتى تحابوا، أفلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم»، وأضاف: إننا نرى واقعا ينظر المسلم إلى أخيه بعينه، ثم إذا كان يعرفه سلم عليه، وإذا لم يعرفه طأطأ رأسه كأن الأمر لا يعنيه، ونبينا صلى الله عليه وسلم جعل من حق المسلم على المسلم إذا لاقيته فسلم عليه، لقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن أفضل الناس، فأوضح أنه التقي النقي، الذي لا أثم ولا بغى ولا غل ولا حسد. سلامة القلوب وتساءل: أين اليوم من واقعنا هؤلاء الناس، فكم من الناس ينتمون لانتماءات ويعادون بعضهم بعضا ويقاتلون بعضهم بعضا، والله أمرنا بأن تكون قلوبنا سليمة في الحياة الدنيا، فسلامة القلب في الدنيا سبب لسلامة القلوب يوم القيامة، وسبب لدخول جنات عرضها الأرض والسماوات، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، فالنبي صلى الله عليه وسلم حث أمته على صفاء القلوب والنفوس فيقول كما روي عنه: «يطلع عليكم رجل من أهل الجنة»، فجعل الصحابة ينظرون من الذي شهد له الرسول بجنة عرضها السماوات والأرض وإذ يخرج صحابي تنطف لحيته وتتقاطر من الوضوء، ثم ينتهي النبي من مجلسه فيتذاكر الصحابة ما الذي جعل النبي يشهد له، فما وجدوا عليه كثير صيام أو صلاة وإنما وجدوه مثلهم، ثم يكرر الرسول صلى الله عليه وسلم شهادته له بالجنة لثاني وثالث يوم، فقال أحد الصحابة: أنا آتيكم بخبره ثم بات عنده ثلاث ليال فما وجد عليه كثير صيام أو صلاة، وإنما وجد عنده كسائر الصحابة ثم سأله فقال: أخبرني ما الذي كنت تعمل فرسول الله شهد لك بالجنة ثلاث مرات، فقال: لم يكن إلا الذي رأيت، ولكني لا أضع رأسي على وسادي وفي قلبي حسد ولا غل ولا شحناء ولا بغضاء على أحد من المسلمين. وأضاف أن شيخ الإسلام ابن تيمية قال: «وهذا هو الذي بلغ به»، فإن خلو القلب وسلامته من أنواع الحسد والحقد والغل هو سبب لدخول جنة عرضها السماوات والأرض، فقد صدق النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: «ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح سائر الجسد كله، وإذا فسدت فسد سائر الجسد كله». وأشار إلى أننا نأتي إلى يوم الجمعة نغتسل ونتطيب ونلبس أفضل الثياب، لكن الله أعلم بمن كان قلبه نظيفا وليس به حقد ولا شحناء ولا بغضاء، فأقصر الطرق إلى الجنة هو سلامة القلب، فسليم القلب من أفضل الناس عبادة وهو على أخلاق الأبرار، وجعلها من صفات عباد الله الذين يدخلون الجنة مصداقا لقوله تعالى: « وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ»، وكما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «بأبي وأمي من كظم غيظا وهو يقدر على أن ينفذه دعاه الله يوم القيامة أن يخيره بين حور العين من شاء»، كما يقول: «والذي نفسي بيده لا يؤمن عبد حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»، فأين نحن من هذه المحبة، فقد صار الناس انتماؤهم إما لتراب أو لبلد أو للون أو للغة أو لغيرها لا يحب إلا من كان منتميا لذلك. وأعاد إلى الأذهان إحدى القصص من زمن الصحابة بعد أن وقع خلاف بين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وطلحة بن عبيدالله رضي الله عنه في واقعة الجبل، فلما انتهت المعركة بانتصار علي بن أبي طالب رضي الله عنه خرج يجوب أرض المعركة ليرى من قتل من الصحابة وسائر المؤمنين، فإذا به ينظر لطلحة بن عبيدالله رضي الله عنه أحد المبشرين بالجنة يخضب في دمائه، فنزل عن فرسه ثم حمله وقبل ما بين عينيه، ثم بكى بكاء مرا وهو يقول: وددت أني مت قبل عشرين سنة ولم أر مثل هذا المشهد»، ثم قال: «أسأل الله أن يجعلني وإياك ممن قال الله فيهم: « وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ»، متسائلا: أين نحن من هذا الصفاء ومن هذه القلوب المؤمنة التي ارتبطت بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم؟ وأضاف: لنتذكر قصة صحابي من الصحابة قال عنه الرسول صلى الله عليه وسلم: «أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم، فقال الصحابة: ومن أبوضمضم (رضي الله عنه)؟ قال: رجل كان إذا أصبح يقول: اللهم إني وهبت نفسي وعرضي فلا يشتمني أحد ولا يظلمني من يظلمني ولا يظلمني أحد إلا ابتليت وراء ذلك أجرا وثوابا من عند الله عز وجل فهو في حل مما أصابني، قال النبي صلى الله عليه وسلم: من يستطيع أن يكون كأبي ذمذم». وأوضح أن النبي صلى الله عليه وسلم عاش في مكة 13 سنة ووجد من قريش ما وجد، فوضع في طريقه الحجارة والشوك، وسمع من المشركين ما سمع، فكان يقال عنه الساحر والشاعر والمجنون، فسمع صلى الله عليه وسلم هذه الكلمات حتى وصل إلى المدينة، ثم عاد إلى مكة فاتحا فقال: «ماذا تظنون أنني فاعل بكم، فقالوا: أخ كريم وابن أخ أكريم، فقال: اذهبوا فأنتم الطلقاء». وأكد أنه واجب علينا أن تكون نفوسنا صافية كنبينا صلى الله عليه وسلم، واليوم تغرس في القلوب الشحناء والعداوة والبغضاء والتنافر، وكل واحد منا يتمنى زوال أخيه واستباحة دمه. حرمة الدماء وقال خطيب الجمعة: إننا نشاهد واقع الأمة ومشاهد الدم، فلقد جاءت الأديان السماوية بالاتفاق على حرمة الدم وأمر الإسلام بحفظ الدماء وجعل ذلك أمرا عظيما، موضحا أن إقامة الحدود بين المسلمين أمر واجب، ولكن قتل النفس المعصومة أمر عظيم عند أهل الإسلام، مصداقا لقول الله تعالى: «وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا»، كما يقول النبي صلى الله وسلم: «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله إلا بإحدى ثلاث: التارك لدينه المفارق للجماعة، والسيب الزاني، والنفس بالنفس»، كما يقول صلى الله عليه وسلم: «لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل مؤمن بغير حق». وأكد الخطيب أن جرائم القتل من أشد المآثم في يوم القيامة، فحق المسلم على المسلم محفوظ في ماله ودمه وعرضه، كما يجب علينا أن نتواصى ونحفظ حقوق المسلمين في كل مكان ودمائهم وأعراضهم وأموالهم. ودعا فضيلة الشيخ عمر سعود العيد، في نهاية خطبة الجمعة، الله تعالى إلى أن يعز الإسلام والمسلمين، ويجعل هذا البلد آمنا وسائر بلاد المسلمين وينصر دينه، ويولي أمر المسلمين خيارهم وأتقاهم.