كاتبة بريطانية: لست مسلمة.. لكن صوم رمضان غيرني!
حول العالم
24 أغسطس 2012 , 12:00ص
هافينجتون بوست
ترجمة: ياسر إدريس
تحدثت الكاتبة البريطانية والناشطة في مجال الأديان شارلوت داندو عن تجربتها الخاصة بمشاركة المسلمين في صيام بعض أيام شهر رمضان الماضي، رغم كونها ليست مسلمة، وذكرت تلك التجربة وما تعلمته من دروس في مقال نشرته صحيفة «هافينجتون بوست» الأميركية الإلكترونية.
وفيما يلي نص المقال:
«تقع شقتي بين ثلاث من أكثر الحانات شهرة في المنطقة. في الساعة الثالثة صباح أحد الأيام سمعت أصوات ما تبقى من المحتفلين أثناء مرورهم من أمام نافذتي وهم يغنون ويصرخون تحت أضواء الشوارع. وجلست على طاولة مطبخي في هذا الوقت المبكر أتناول الطعام في الظلام، والسبب أن شهر رمضان الخاص بي قد بدأ.
لست مسلمة، ولم أحتفل بالعيد خلال الأسبوع الماضي، لكن كانت لي تجربة خاصة خلال شهر رمضان الذي يقدسه المسلمون، وأعترف أنني تعلمت منه الكثير. لم يسبق لي أن خضت تجربة الصيام من قبل، فقد نشأت على الديانة الكاثوليكية، وعندما كنت طفلة لم أكن مستعدة أبدا للتخلي عن طعامي المفضل رقائق البطاطس أو البسكويت كبادرة رمزية للصيام.
اليوم أنا ليبرالية، وليس هناك ما يجبرني على الصوم كجزء من التجربة الدينية لمجتمعي. وكناشطة في الأديان تعرفت على أصدقاء من مختلف الأديان كانوا يمتنعون بهدوء وبتواضع عن الطعام والشراب.
وحين كنت أشاهد أصدقائي المسلمين يصومون في أوقات العمل وفي كثير من الأحيان خلال أيام الصيف الطويلة، كانت تعتريني مشاعر مختلطة من الإعجاب والتشوش أيضا، حيث وجدت صعوبة في تصور أن فكرة الامتناع عن الطعام يمكن أن تجعلني أقرب إلى الله، واعتقدت أن ذلك بالتأكيد من شأنه أن يجعلني مشتتة وجائعة وحادة الطباع.
قررت في رمضان الماضي أن أخوض تجربة الصوم التي طال انتظارها. ربما شعرت أن بإمكاني -أنا الإنسانة غير المسلمة والمحبة للطعام- أن أتعلم شيئا من المشاركة في هذا الشهر الإسلامي المهم. بالطبع لم أستطع صيام 30 يوما، لكنني عزمت على محاولة صيام 3 أيام على الأقل. ظننت في أول الأمر أن الصوم يمكن أن يسبب للإنسان شعورا بالانزعاج باعتباره وسيلة اتصال بمعاناة الأجداد وأناس في أزمنة سابقة، لكن عرفت فيما بعد أن البعد عن الطعام لفترة سبب من أسباب تسامي الروح. استمتعت بالتجربة باهتمام حقيقي وحاولت أن أفهم، وفهمت. ففي نهاية ذلك اليوم أدركت أن عدم الراحة والشعور بالجوع جعلني أشعر بالقرب من الله، وأن نفسي الجائعة الواعية لم تعرف مشاعر التشتت اللاوعي، بل أظهرت مشاعر من الامتنان والسعادة.
بقيت مع إحدى صديقاتي المسلمات ليومين، وحاولت أن أنسجم مع هذا الروتين، وذهبت إلى المسجد كل مساء، وجلست في الخلف أتأمل بهدوء وفي نظرات عابرة المسلمات وهن يركعن ويسجدن، ويستمعن لآيات من القرآن الكريم باللغة العربية، لم أفهم سوى القليل لكن ما زلت أتذكر جمالها حتى الآن.
إن الذي أحببته عن الإسلام هو أنه دين متجذر بعمق ومرتكز على الصلاة التي تكثر خلال شهر رمضان ويزداد هذا الإعجاب حين أرى المسلمين يحرصون على قضاء مزيد من الوقت داخل المساجد، وينضمون معا كمجتمع متكامل في صلوات القيام بالليل. إن تعزيز فكرة ترابط المجتمع بالتأكيد هي أحد فوائد شهر رمضان التي أثارت إعجابي، فالمشاركة في الصيام مع صديقتي وعائلتها جعلتني أشعر بسرعة أنني جزء من هذا المجتمع الصغير، ناهيك من الرحلات التي قطعناها لمنازل الأسرة الممتدة وتقاسم الطعام في المسجد في آخر أيام الصيام.
أيضا أحد الأسباب التي جعلتني أختار الصوم خلال شهر رمضان على وجه الخصوص، هو أنه ومن خلال تجربتي بجميع الأديان في العالم، فإن الإسلام ربما هو أكثر الأديان التي يساء فهمها في كثير من الأحيان. فمثلا في الخريف الماضي، حضرت نقاشا حول التعددية الثقافية لكنه تحول بسرعة كبيرة إلى خطبة مسهبة وعنيفة ضد الإسلام. وتعجب أحدهم من حرمان أطفال المدارس من الماء في أشد أيام السنة حرا. لكن من خلال تجربتي أنا وجدت أن الأطفال الأصغر سنا كانوا متحمسين للصوم، شعرت كما لو أنهم أدركوا أن الصيام هو الاشتراك في شيء أكبر، شيء هدفه توحيد الأسرة والمجتمع ككل.
بالتأكيد شعرت بذلك من خلال تلك الخبرات المشتركة. وغني عن القول أنني استُقبلت بترحيب حار عندما علموا أنني غير مسلمة وأصوم معهم في شهر رمضان. ورغم أنني صمت ثلاثة أيام فقط فإن ذكرى التجربة ظلت بداخلي، وحتى الآن وبعد مرور أسابيع ما زلت أفكر في ذلك الوقت.
هناك الكثير يمكن تعلمه من رمضان، ليس فقط عن المجتمع المسلم وتحسين محو الأمية الدينية، بل تعلمت الكثير عن نفسي، لم أكن أعلم أن بداخلي مثل تلك الإرادة القوية. ومن واقع خبرتي، تحسنت وجهة نظري تجاه الأكل والطعام. وربما أيضا من الدروس الواضحة لهذا الشهر هو تأكيد ضبط النفس وتطوير التعاطف المتزايد مع أولئك الذين ليس أمامهم سوى الصبر على الجوع.
رمضان شهر خاص جدا ويساهم في تغير الطباع وسمو الروح بسبب الجهد المتواصل وفكرة التركيز على هدف واحد. ربما يجب أن نصوم لنشعر بإيماننا، ولنعبر عن معتقداتنا بقدر ما نستطيع من خلال روتين يومي. إن الشيء الرائع عن رمضان -كما أعتقد- هو أنه شهر كامل من أصل 12 شهر يمكن من خلاله أن يصبح المرء بالغ التأمل في ذاته، وأن ينظر إلى الوراء إلى ما قام به العام في الماضي ومن ثم يتطلع إلى تطوير نفسه العام المقبل. بالطبع يمكن أن نكون متأملين لذاتنا في أي وقت آخر من العام، لكن ربما الصيام والإحساس بالانتماء للمجتمع وتقاسم الخبرات وضبط النفس خلال هذا الشهر هو ما يقدم لنا يد المساعدة التي تشتد الحاجة إليها».