الصفحات المتخصصة
24 أغسطس 2012 , 12:00ص
حلقات يعدها للنشر: محمد صبره
الأحاديث النبوية تقول: إن نار الدنيا جزء من سبعين جزءاً من نار الآخرة
تنفرد «العرب» بنشر تفسير (جزء عم) آخر ما كتبه العلامة د. يوسف القرضاوي حول معاني القرآن الكريم. ونسبح في هذه الحلقات مع بيان معاني ودلالات الجزء الثلاثين من كلام رب العالمين.
التفسير الذي نقدمه لقرائنا حصرياً لم ينشر ولم يذع من قبل، ويأتي استكمالاً لانفرادنا في العام الماضي بنشر تفسير القرضاوي لسورتي إبراهيم والحجر.
وتم الاتفاق مع فضيلته على نشر التفسير على حلقات حصرياً في «العرب». ويتميز التفسير -الذي ينشر لأول مرة- بالموسوعية والعصرية في شرح آيات القرآن، حيث يوضح المعاني ودلالاتها والعبر والعظات والأحكام المستفادة منها، بأسلوب سهل مبسط.
ويبدأ فضيلته في هذه الحلقات بتفسير سورة «النبأ» ثم «النازعات» و«عبس»، ويستكمل تفسير باقي سور الجزء الثلاثين حتى سورة «الناس» آخر سور المصحف الشريف في الترتيب.
سورة الهمزة
بسم الله الرحمن الرحيم
{وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (1) الذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (2) يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (3) كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الحُطَمَةِ (4) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الحُطَمَةُ (5) نَارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ (6) التِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ (7) إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (8) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (9)}
سورة الهمزة مكية.
نزلت في ذم أحد كفار قريش، ووصفته بهذه الأوصاف السيئة المذمومة، عند الله وعند الناس، وبينت سائر خصاله الأخرى، التي تثبت حقيقة شخصيته، وما يستحقه من جزاء وعقاب شديد، يدخره الله له يوم القيامة، {فِي الحُطَمَةِ (4) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الحُطَمَةُ (5) نَارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ}.
وقيل: نزلت في الأخنس بن شريق، وقيل غيره. وقال مجاهد: هي عامة.
{وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ }
الويل: الهلاك والعذاب، أعده الله لكل همزة لمزة. والهمزة واللمزة: صيغة مبالغة على وزن (فُعلة) من الهمز واللمز، وكل منهما إساءة إلى الناس بالإزدراء والتحقير. الهمز بالقول، ويسمى (الهماز) أيضا، كما في قوله تعالى: {هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ} [القلم:11]. والمراد النَّيل من أعراض الناس، والغض منهم، والطعن فيهم.
واللمز: بالفعل. وعن ابن عباس: همزة لمزة: طعان معياب. وبعضهم قال: الهمزة يهمزه في وجهه. واللمزة من خلفه، وقيل: الهمزة واللُّمزة: بلسانه وعينه. وقال بعضهم: الهمزة باليدين والعين، واللمزة باللسان.
وكلها متقاربة ومتداخلة، المهم أن هذا الشخص لا يأتي الناس منه إلا شر، من قوله وفعله، من لسانه وعينه ويده، من وجهه ومن خلفه، قال تعالى: {وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ} [الحجرات:11]. وبناء (فُعَلة) يدل على أن ذلك عادة منه قد جرى بها، ونحوها: اللُّعبة والضُّحَكة.
{ الذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ }
هذا الشخص الهمزة اللمزة الطعان العياب، المؤذي للناس، ليس هذا عيبه الوحيد، بل له عيوب أخرى، تتعلق بالمال، {الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ}، أي: جمعه بعضه على بعض، وأحصى عدده، كقوله تعالى: {وَجَمَعَ فَأَوْعَى} [المعارج:18]. أي: أنه دائما مشغول بالمال وتعديده، وجمعه هذا إلى هذا، فإذا كان الليل نام وهمد كأنه جيفة.
{يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ }
ومن غفلته وبلادته أن شدة حبه للمال جعلته يظن أن هذا المال وجمعه، وكسبه يخلده في هذه الدار.
{كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الحُطَمَةِ }
(كلا) أي: ليس الأمر كما زعم، ولا كما حسب. فالمال لا ينفع صاحبه في الآخرة، ولا يشفع له، وكما قال سيدنا إبراهيم في دعائه لربه: {وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيم} [الشعراء:87-89]. ومن هنا قال: {كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الحُطَمَةِ} أي: لينبذن هذا الذي جمع المال وعدَّده في الحطمة.
{وَمَا أَدْرَاكَ مَا الحُطَمَةُ }
وهل تدري ما الحطمة، وما معناها ومفهومها إذا ذكرت.
{ نَارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ }
الحطمة: نار الله الموقدة، فهي اسم من أسماء جهنم، نار الآخرة، وهو على وزن (فُعَلة) من الحطم، وهو الكسر، فهي تحطم وتكسر كل من يلقى فيها. إنها {نَارُ اللَّهِ} منسوبة إلى الله، ومعناها: أنها ليست كنار الدنيا، بل جاءت الأحاديث تقول: إن نار الدنيا جزء من سبعين جزءا من نار الآخرة. فهي نار الله، ليست نار عبد من عباده، ومن أوصافها اللازمة لها: أنها (الموقدة): المشتعلة المتوهجة، لا تنطفئ ولا تضعف هي دائما موقدة.
{الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ }
هذه النار ليست كالنيران، التي لا تأكل إلا ظاهر الأجساد، ولا تتغلغل في الداخل، إلى الأفئدة والقلوب، بل أول ما تهتم به وتطلع عليه هي الأفئدة، أي: القلوب المكنونة في صدور الناس. يقال: طلع الجبل، واطَّلع عليه إذا علاه.
قال الفخر الرازي: في تفسير الآية وجهان: الأول: أن النار تدخل في أجوافهم حتى تصل إلى صدورهم، وتطلع على أفئدتهم، ولا شيء في بدن الإنسان الطف من الفؤاد، ولا أشد تألما منه بأدنى أذى يماسه، فكيف إذا أطلقت نار جهنم فاستولت عليه. ثم إن الفؤاد - مع استيلاء النار عليه- لا يحترق، إذ لو احترق لمات، وهذا هو المراد من قوله تعالى: {فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى} [طه:74]. ومعنى (الاطلاع): أن النار تنزل من اللحم إلى الفؤاد.
والثاني: أن سبب تخصيص الأفئدة بذلك، هو أنها مواطن الكفر والعقائد الخبيثة، والنيات الفاسدة .
{إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ }
مؤصدة: مغلقة مطبقة، وهذه زيادة في العقاب والإيلام؛ لأن من يعيش في مكان مغلق، يزداد الما وكمدا، ويشعر بالحرارة والاختناق، فكيف إذا كان في النار؟
{ فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ }
عمد من حديد، ممدودة عليهم. قال ابن عباس: أدخلهم في عمد، فمدت عليهم بعماد، وفي أعناقهم السلاسل، فسدت بها الأبواب. وقال قتادة: كنا نحدِّث أنهم يعذبون بعمد في النار. واختاره ابن جرير. وقال أبو صالح: في عمد ممددة: يعني القيود الثقال.
خذ ما شئت من هذه التفاسير، فليس هناك إلا العذاب الغليظ، من أي وجه طلبته، ومن أي جهة أثبته، فلا حول ولا قوة إلا بالله. اللهم قنا عذاب النار.
سورة الفيل
بسم الله الرحمن الرحيم
{أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الفِيلِ (1) المْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (2) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (3) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (4) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (5)}
السورة الكريمة مكية بالإجماع، وهي تتضمن التذكير بحادث كبير، وقع عند مولد محمد بن عبد الله العربي القرشي الهاشمي المطَّلبي، الذي بعثه الله – بعد ذلك بأربعين سنة- برسالة عظيمة للعرب خاصة، وللناس كافة. فكانت هذه الحادثة التي هزت العرب عامة، وخصت قريشا حماة الكعبة بالحماية: إرهاصا لنبوة محمد، الذي كانت البشائر تبشر به، وكان العرب يؤرخون حوادثهم بعام الفيل، يقال: هذا وقع بعد عام الفيل بخمس سنوات، أو بعشر سنين..وهكذا.
{أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الفِيلِ }
إلخطاب في هذه الآية وما بعدها، لمن أنزل عليه القرآن وخوطب به، وهو محمد صلى الله عليه وسلم، الذي خوطب بكثير من السور التي فاتت والتي ستأتي، مثل سورة الماعون، وسورة الكوثر، وسورة الكافرون، وسورة النصر، وسورة الإخلاص، وسورتي المعوذتين. وهي هنا خطاب كذلك لكل من يتأتى خطابه من أمته.
لِمَ قال: {أَلَمْ تَرَ} مع أن هذه الواقعة، وقعت قبل البعثة النبوية بزمن طويل؟ والجواب: إن المراد من الرؤية في قوله: {أَلَمْ تَرَ}: العلم والتذكير، وهو إشارة إلى أن الخبر به متواتر، فكان العلم الحاصل به ضروريا مساويا في الوضوح والجلاء للرؤية.
ولِمَ كان الاستفهام عن الكيفية: {كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ}؟ لأن الأشياء لها ذوات، ولها كيفيات، باعتبارها يدل على مقاومتها، وهذه الكيفية هي التي يسميها المتكلمون وجه الدليل، واستحقاق المدح إنما يحصل برؤية هذه الكيفيات لا برؤية الذوات. ولهذا قال تعالى: {أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إلى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ} ، ولا شك أن هذه الواقعة كانت دالة على قدرة الصانع وعلمه وحكمته، وكانت دالة على شرف محمد صلى الله عليه وسلم فيما بعد، لأن مذهبنا – كما قال الإمام الرازي- أنه يجوز تقديم المعجزات على زمان بعثة الرسل، تأسيسا لنبوتهم وإرهاصا لها.
وإنما قال: {كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ}؛ ليكون ذلك في معرض التعجب، فهو تعجب من الله ربه، الذي يرشده ويربيه ويرقيه في مدارج الكمال، واختار هذا الاسم (ربك) بدلا من لفظ الجلالة (الله)؛ ليكون أدل على الحضور والشهود.
{بِأَصْحَابِ الفِيلِ} اختار لهم اسم (الأصحاب)، ولم يقل ملاَّك الفيل، أو أربابه، قال الرازي: لأن الصاحب يكون من الجنس، فكأنه يدل على أن أولئك الأقوام كانوا من جنس الفيل، في البهيمية وعدم العقل والفهم. بل القرآن قال عن أمثالهم: {أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ} [الأعراف:179].
والفيل هو أضخم حيوان عرفه الناس من ذوات الأربع. ومعروفة للجميع قوته وقدراته.
{أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ }
الاستفهام للتقرير. يعني أنه جعل كيدهم الذي كادوه، ومكرهم الذي دبروه في تضليل، أي: في إبطال وتضييع، فلم يفلح ولم يغن عنهم شيئا.
كما هو شأن الكافرين والظالمين، الذين يقفون في وجه دعوة التوحيد ضد الشرك، وفي وجه العدل ضد الظلم، وفي وجه الحق ضد الباطل، يحبط الله مكرهم، ويدرأ شرهم، كما قال تعالى: {إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا * فَمَهِّلِ الكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا} [الطارق:15-17]، وقال تعالى: {فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ * فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [النمل:51-52].
وقد كان من كيد هؤلاء تدبير الجيش المقاتل بجنوده وضباطه وأسلحته وأدواته، ومن أعظمها الفيل؛ الذي لم يكن العرب يعرفونه، ولعله كان على رأسه فيل معين، أو هو ومعه أفيال أخرى. فلم تغن عنهم شيئا، فإن الفيل الأكبر الذي يركبه القائد، كلما وجهوه إلى مكة نكص وتمرد، وكلما وجهوه إلى جهة أخرى سار وركض.
{وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ }
أرسل الله على هذا الجيش اليمني، الذي يقوده أبرهة الحبشي، مدججا بالفيل وما معه من الوان الأسلحة، وأدوات التدبير طيرًا أبابيل، والأبابيل: الفرق والجماعات يتبع بعضها بعضا، كثيرة شتى متتابعة مجتمعة. وقال بعضهم: مختلفة، تأتي من هاهنا ومن هاهنا، أتتهم من كل مكان.
والأبابيل قال الجمهور: لا واحد له من لفظه، وقال آخرون: جمع إبيل، أو إبالة، ومما ورد: (ضغث على إبّالة).
كانت هذه الجماعات الكثيرة من الطير صفوف منتظمة في جيش مجهز، كامل العدد والعُدة.
{تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ }
سجيل: شديد صُلب، أي: طين متحجر، وأصل الكلمة فارسية دخلت العربية، وهي في أصلها كلمتان (سنك و كل) والكاف هنا جيم قاهرية، والسنك يعني: الحجر، والكِل يعني: الطين، ويقول: الحجارة من هذين الجنسين.
وكل طير منها يضرب ويرمي بالحجارة التي يحملها، بعض هؤلاء الجنود، الذين جاءوا من بلادهم البعيدة، لهدم الكعبة البيت الحرام، فيصيبه الحجر فيقتله، فهي جند الله، المحمل بعذاب الله، ولن ينجو منه أحد من الظالمين.
{فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٌ }
فحوَّل الله هؤلاء الجنود، المهيئين للقتال، المعدين للنزال، إلى مادة أشبه بورق الزرع الذي يقضم، شبهوه بالتبن الذي تأكله الدواب، أو القصيل الذي يجز للدواب، وجاء عن ابن عباس: العصف: القشرة التي على الحبة، كالغلاف على الحنطة.
ما أغنى عنهم الفيل، ولا أغنى عنهم السلاح الثقيل، ولا أغنى عنهم الجيش الخطير، ولا أغنى عنهم العدد الكثير؛ لأنه لم تكن هناك جيوش دولة تحاربهم، وتقاومهم، إنما كانوا يحاربون الله وحده، فأعد لهم جندًا من جنده، {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلا هُوَ} [المدثر:31]، وما كان لجند الله أن يُهزم، بل لا بد له أن ينتصر، وحُق له أن ينتصر، {إِنَّهُمْ لَهُمُ المَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الغَالِبُونَ} [الصافات:172-173].
كان أبرز رجل في مكة عبد المطلب بن هاشم جد محمد بن عبد الله، وقد أخذ أبرهة عددًا كبيرا من إبله، فأقبل عليه يطلب أن يرد إليه إبله، فعجب الرجل أن يسأله عن الإبل، ولا يسأله عن البيت، فقال له: أما الإبل فأنا ربها، وأما البيت فله رب يحميه.
ورجع من عنده يدعو على هذا المتجبر الظالم، ومن الأبيات التي كان يدعو بها، كما رووها:
يارب إن العبد يمـــنع رحله فامنع رحالك
وانصر على آل الصليب وعابديه اليوم آلك
لا يغلبن صليبــهم ومحـالهم أبدا محالك
سورة قريش
بسم الله الرحمن الرحيم
{لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (1) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (2) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا البَيْتِ (3) الذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (4)}
السورة مكية، وهي سورة مستقلة، بحكم تسميتها، وبحكم موضوعها، وبحكم صياغتها وأسلوبها.
{لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (1) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (2)}
اللام في الآية الكريمة للتعليل، أي: من أجل إيلاف قريش لرحلة الشتاء والصيف، أي: من أجل جعلهم يألفون هاتين الرحلتين الكبيرتين العالميتين، إحداهما في الشتاء إلى اليمن، والأخرى في الصيف إلى الشام.
وكانت هاتان الرحلتان في غاية الأهمية، لسكان هذه المنطقة الحجازية، وقضاء كثير من حاجاتهم التي تهمهم، ويحتاجون إليه ا من الخارج، ولكل واحدة من هاتين الرحلتين مصالح وأهداف تحققها، لا تحققها الرحلة الأخرى، لاختلاف طبائع البلاد ومنتجاتها وصناعاتها، وما اعتاده أهلها في مختلف الشؤون مما يؤكل وما يلبس وما يصنع، وما يصدر إلى الآخرين، وما يستورد منهم.
وقد القى الله في قلوب قريش حب هاتين الرحلتين، والاعتياد عليهما، وتآلف سائر الناس من حولهما معهم عليها.
وكان هذا مما هيأ الله لقريش ومن حولها، ومن كان على مثل حالها من العرب، فقريش أبناء وذرية فهر بن مالك بن النضر بن كنانة.. هم قبيلة رسول الله صلى الله عليه وسلم وجماعته، الذين حاربه منهم من حاربه، كعمه أبي لهب، وآمن به من آمن، وناصره من ناصره عصبية له، وحفاظا عليه.
وهاتان الآيتان هما جزء من الآيتين الكريمتين، اللتين بهما تكتمل السورة الكريمة، فالسورة بآياتها الأربع جملة واحدة، بما يكملها.
{فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا البَيْتِ (3) الذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (4)}
من أجل إيلاف قريش رحلتهم، فهم مطالبون مأمورين من الله تبارك وتعالى، رب هذا البيت العتيق، البيت الحرام بمكة المكرمة، التي هيأهم الله ليعيشوا فيها، ويقيموا بها، كما قال تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} [آل عمران:96-97].
هم مطالبون أن يعبدوا رب هذا البلد، ويوحدوه ويفردوه بالعبادة والطاعة، ولا يشركون به ولا معه الها آخر. كما فعل الكثير من العرب، ممن أفسدوا هذه العبادة، فلم تَعْدُ لله وحده، ولم يعبد ربهم الذي خلقهم وسوَّاهم ورزقهم، هو الذي تعنو له وحده الوجوه، وتسجد له الجباه، وتركع له الظهور.
ثم يبين الله تعالى لهم جدارته بأن يعبدوه، وحده لا شريك له، فقال: {الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (4)} هذا الإله العظيم رب البيت، هو الذي تميَّز بأمرين أو بنعمتين عظيمتين، ليس لأحد سواه فضل فيهما.
النعمة الأولى: نعمة إطعامهم من جوع، فقد خلق الإنسان بطبيعته محتاجا إلى الطعام، لا يستغني عنه، كما قال تعالى: {وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ} [الأنبياء:8].
لهذا هيأ الله للناس الأطعمة المختلفة من البر والبحر، وأسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة، بل هيَّأ (أم الإنسان) لتطعمه من ثديها قبل أن تظهر له أسنان تستطيع أن تقطع، ومن هنا كان على كل قادر أن يطلب الطعام الملائم له ليأكله، ومن لم يجد فعلى من عنده طعام أن يؤتيه، وليس منا من بات شبعان، وجاره إلى جنبه جائع.
{ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ }
ذكر الله النعمة الثانية بعد ذكر النعمة الأولىن وهي الإطعام من جوع.
والثانية: الأمن من الخوف، فدلنا هذا الجزء من الآية على أن نعمة الأمن من الخوف، نعمة كبيرة، من هيأها الله له، كان أهلا أن يشكر الله تعالى، وأن يسأله المزيد منها، والحفاظ عليها.
وبهاتين النعمتين: الإطعام من جوع، والأمن من خوف، تتكامل على الإنسان نعم الله، التي لا بد للإنسان منها.
الأولى: نعمة الكفاية من العيش. والثانية: نعمة الأمن من الخوف.
ويجب على المجتمع المسلم أن يسعى بكل قوة، مع الآخرين من جيرانه وأعوانه وخلطائه، أن يوفر هاتين النعمتين بالقدر المناسب لكل مسلم: الطعام أو الكفاية، والأمن.
ولهذا اعتبر الرسول صلى الله عليه وسلم الأمن من العناصر الأساسية لكل فرد في حياته، كما قال: «من أصبح آمنا في سربه، معافى في بدنه، عنده قوت يومه، فكأنماحيزت له الدنيا بحذافيرها».
واعتبر القرآن شر المجتمعات من ابتلي بالمصيبتين معا: الجوع وإلخوف، فقال تعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الجُوعِ وَإلخوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [النحل:112].
ولهذا كانت نعمة الله على قريش أن أنعم عليهم، بالرخاء من العيش، وبالأمن من الخوف، بفضل سدانتهم ورعايتهم للبيت الحرام، الذي جعلهم الله خدمًا له، وقوّامًا بأمره وأمر حجاجه ومعتمريه، بإطعامهم وسقايتهم، وخدمتهم طوال حجهم وعمرتهم، فوفر الله - بوساطة ما يقومون به للبيت- الأمن في سفرهم وسياحتهم في طول البلاد وعرضها، والأمن في بلدهم، كما قال تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ} [العنكبوت:67].
{وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إليه ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [القصص:57].
(يتبع الجمعة القادمة إن شاء الله )