كل الناس يقعون ضحايا لوساوس الشيطان ويمكنهم أن يغلبوه بالتوبة

alarab
باب الريان 24 أغسطس 2011 , 12:00ص
قُدرة الشيطان على إغْواء بني آدم الإغواء أي: القدرة على إغوائهم، وإبعادهم عن صراط الحقِّ والهدى، وإبعادهم عن صراط الحقِّ والهدى، ولعلَّ هذا معنى يُؤيِّده قول الله تعالى في سورة النحل: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ* إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ} [النحل98-100]، فله سُلطانٌ إذن على مَنْ يتولَّونه: {إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ}، اللهُ سبحانه وتعالى قال: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ}، فعبادُ الله، أو المُخْلِصون، ليس للشيطان عليهم سبيلٌ، كاد لهم، ولكنهم نَجَوا من كَيْده بذكر الله عزَّ وجلَّ، بالاستعاذة بالله من شرِّ الشيطان وهمزه ونفخه: {وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ} [المؤمنون:97، 98]، {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ} [الناس:1-6]. آخر سورة في القرآن سورة الناس، كلُّها قائمهٌ على الاستعاذة من هذا الوسواس الخنَّاس. خنَّاس أي: يخنس ويختفي ويهرب. إذا ذُكر اللهُ عزَّ وجلَّ خَنَس الشيطان، ولذلك هو يستحوذ على الناس بأنْ ينسيهم ذكرَ الله: {اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [المجادلة:19]، إنما حزب الرحمن حزب الله: {أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [المجادلة:22]، هؤلاء لا يقدر عليهم الشيطان. قال النَّبيُّ عليه الصلاة والسلام: «ما منكم من أحدٍ إلا وقد وُكِّل به قرينُه من الجنّ». قالوا: وإيَّاك، يا رسولَ الله؟ قال: «وإيَّاي، إلا أنَّ الله أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير». حتى الشيطان يمكن أن يُسْلِم. لم يخلق الله تعالى مخلوقاً شرّاً محضاً وربنا لم يخلق مخلوقاً شرّاً محضاً يستحيل أن يخلق الله شرّاً محضاً، الشرُّ المحض ليس من صُنع الله عزَّ وجلَّ، الأصل كما قال الله تعالى: {بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران:26]، وكما قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «الخير كلُّه في يديك، والشرُّ ليس إليك». فما نراه من شرٍّ فهو شرٌّ جزئيٌّ، وإضافي ونسبي، وهو ضروريٌ لأشياء أخرى، فالمطر ينزل أحياناً يصيب بعض الأشياء، ويضرُّ بعض الأشياء، إنما هذا ليس مقصودًا، المقصود إحياء الأرض بعد موتها واستفادة الناس، فالله لم يخلق شرّاً محضاً، فكلُّ ما خلقه الله تعالى لحكمةٍ عظيمةٍ، ولا تعجب - أيها القارئ الكريم - إذا علمت أنَّ الشيطان، حتى الشيطان فيه خير، وحتى إبليس نجد أنه في خطاب الله عزَّ وجلَّ، نجد فيه بعض الأدب، { رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي}، اعتراف بالربوبية، ـوهذه الأشياء فيها دليل على أن الله لم يخلقه شرًّا، فقد ظلَّ آلاف السنين يتعبَّد مع الملائكة، ثم أصابته هذه النكسة المهلكة. سبب إيقاع إبليس لآدم وذريته في الزلل هنا سؤال قد يُقال؟ إذا كان الشيطان ليس له سلطانٌ على عباد الله المُخْلِصين كيف أزلَّ آدم وزوجه؟ {فأزلَّهما الشَّيطان}، أزلَّهما حتى أكلا من الشجرة، حتى حدث ما حدث. وكيف أزلَّ الصحابة في غزوة أحد؟ قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [آل عمران:155]. وحتى الأنبياء، سيدنا موسى لما وَكَز الرجل فقضى عليه: {قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ} [القصص:15]، وقد كان وقع هذا قبل البعثة؟ نقول: إنَّ الشيطان، ليس له سلطانٌ على المُخْلِصين، أي: ليس له سلطان على قلوبهم، إذا استولى على قلوبهم يصرِّفها كيف يشاء، أو ليس له سلطان بحيث يوقعهم في ذنب لا يُرجى العفو منه، لا يستطيع أن يوقعهم في الشرك والعياذ بالله، أو شيء من هذا، إنما الوقوع في بعض الذنوب التي تُمحى بالتوبة وبالاستغفار هذا قد يقع من المخلصين. سيدنا موسى قال: {هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ * قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ} [القصص: 15- 17]. وسيدنا آدم: {وَعَصَى آَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى* ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى} [طه:122-121]. وسيدنا نوح قال: {قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [هود:47]. وسيدنا يونس قال: {لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء:87]. فالإنسان يمكن أن يغلب الشيطان بالتوبة، كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد وغيره، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنَّ إبليس قال لربِّه عزَّ وجلَّ: وعزَّتك وجَلالك لا أبرح أُغْوي بني آدم ما دامت الأرواح فيهم. فقال له ربُّه عزَّ وجلَّ: فبعزَّتي وَجَلالي، لا أبرح أغفر لهم ما استغفروني». أنت تُهلكهم بالذنوب، وهم يهلكونك بالاستغفار، أغفر لهم ما استغفروني. موعد الغاوين في جهنم {وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ} هؤلاء الغاوون الذين اتَّبعوا غَواية الشيطان، وتزيين الشيطان، وساروا في رَكْب الشيطان مصيرُهم إلى جهنَّم، كما قال عزَّ وجلَّ: {لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ} [ص:85]، مصيرُهم إلى جهنَّم، إنَّ جهنَّم لموعدهم، مكان لقائهم، الموعد هنا وقت التقائهم في جهنم: {وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ} أي: كلهم مجتمعين لا يتخلَّف منهم أحد. أبواب جهنَّم وأبواب الجنَّة {لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ} جهنَّم لها سبعة أبواب، كلُّ باب له طائفة سوف تدخل منه، وأما الجنَّة ففيها ثمانية أبواب، كما جاء في الصحيح: «ما منكم من أحدٍ يتوضَّأ فيبلغ -أو فيسبغ- الوضوء، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبدالله ورسوله إلا فُتِحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل مِنْ أيِّها شاء». وجاء في الصحيح: «في الجنة ثمانية أبواب، فيها باب يُسمَّى الريَّان، لا يدخله إلا الصَّائمون». فالجنَّة فيها أبواب، والنار فيها أبواب، وكلُّ باب له نصيبه، كم مليون، أو كم مليار، أو كم تريليون، أو كم دشيليون؟ لا نعرف أعداد الذين سيدخلون إلى جهنَّم، إنما كلُّ باب له جزءٌ مقسوم. طبقات جهنم وبعضُ السَّلف فسَّر الأبواب بأنها أطباق، في كلِّ باب، أي: في كلِّ طبقة، فالنار طبقات بعضها فوق بعض متوالية في المراتب، أو دركات كما جاء في سورة النساء {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا} [النساء:145]. دَرَكات الكفَّار في جهنَّم إذن يوجد درك أسفل، ودرك أعلى، وأدراك متوسطة بين الأسفل والأعلى، وهذا معقول؛ لأنَّ النَّاس ليسوا سواءً فيها، ففيها الكافر، وفيها الكافر الظالم من الذين كفروا وظلموا، أو الذين كفروا وصدُّوا عن سبيل الله، كما قال عزَّوجلَّ: {الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ} [النحل:88]، هذا فاسد في نفسه وأفسد غيره، الإنسان الظالم الذي ذبح من البشر ما ذبح، ذبح آلافاً من الناس، أو ملايين من الناس، هل هذا الكافر يتساوى مع الفاسق الذي فسق في نفسه، وشرب الخمر، وارتكب الزنى، وعمل المعاصي، دفعته شهواته إلى مثل هذا، هل هذا مثل ذاك؟ اختلاف أنواع العذاب في جهنم ولذلك يقول الله تعالى عن آل فرعون: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} [غافر:46]، فجماعة فرعون في أشدِّ العذاب، وجماعات أخرى في عذاب شديد. هدَّد الله سبحانه الذين طلبوا من سيدنا عيسى المائدة، فقال تعالى: {إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ} [المائدة:115]، بعدما طلبتم المائدة وجاءتكم من السماء، ثم تكفرون!! {فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ}، فأنواع العذاب لا تتساوى، كما أنَّ درجات النعيم لا تتساوى. درجات النَّعيم في الجنَّة القرآن ذكر لنا في سورة الرحمن: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} [الرحمن:46]، وذكر لنا ما في الجنَّتين من نعيم، ثم قال: {وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ} [الرحمن:62]، النبيُّ عليه الصلاة والسلام قال: «فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنّة، وأعلى الجنة، فوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة». فالجنَّة تتفاوت في درجاتها، والنَّار تتفاوت في دركاتها. المقابلة بين أهل النار وأهل الجنة {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ * وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ * لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ * نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ} {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ}، بعد أن ذكر الله أهل النار ذكر أهل الجنَّة على طريقة القرآن، إنه يقرن الوعيد بالوعد، والترهيب بالترغيب، والنِّذارة والبشارة، وهكذا. فبعد أن تحدَّث عن أهل جهنَّم لِيُخوِّفنا من مصيرهم، ذكر أهلَ الجنَّة لِيُحَبِّبنا في عملهم وسلوكهم، لنسلك مَسْلَكهم ونقتدي بهم. أساس التقوى وثمرتُها ومراتُبها من هم المتقون؟ المتَّقون هم الموصوفون بتقوى الله عزَّوجلَّ. وأساس التَّقوى: خشية الله. ولذلك أشار النبيّ عليه الصلاة والسلام إلى صدره، وقال ثلاث مرات: «التقوى ها هنا». التقوى كما ذكر القرآن أصلها في القلب، وثمرتها على الجوارح بأداء الفرائض والنوافل، واجْتناب المحرَّمات، {وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج:32]، ويرتقي الإنسان بتقواه، كما جاء في بعض الأحاديث: «لا يبلغ العبدُ أن يكون من المتقين، حتى يَدَعَ ما لا بأس به، حذرًا لما به البأس». فالجنة لا يدخلها إلا المتقون. من أوصاف المتقين وقد ذكر الله سبحانه المتقين في آيات كثيرة، في أوائل القرآن، في أوائل سورة البقرة: {الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [البقرة:1-3]. وفي سورة آل عمران يقول: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} مّنْ هم؟ {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران:133-135]. المتَّقون ليسوا معصومين المتَّقون ليسوا معصومين من الخطأ والخطيئة، ليسوا أنبياء مقرَّبين، ولا ملائكة مُطَهَّرين، هم بشرٌ من البشر، وقد يقع المتَّقي في المعصية، والفرق بينه وبين غيره: أنه سريعُ اليقظة، وسريعُ الأوْبَة إلى الله عزَّوجلَّ، كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ وَإِخْوَانُهُمُ}، أي: إخوان الشياطين {يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ} [الأعراف:202]، ثم يتذكَّر جلال الله، ويتذكَّر اطِّلاعَ الله عليه، ويتذكَّر حسابَ الله، ويذكر الجنة والنار، {تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ}، أبصر الغاية، وأبصرَ الطريق، فامتنع عن الحرام، وامتنع من الكسل عن الفرائض. المتَّقون ليسوا معصومين، ولكن كما قال الله تعالى: {إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ...} [آل عمران:135]. هل هناك أحدٌ يغفر الذنوبَ إلا الله؟ مَنْ يغفر الذنوب إلا الله؟ {وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} [آل عمران:135-136]. جنَّات المتقين {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} يوجد أكثر من جنَّة، سورة الرحمن ذكرت لنا أربع جنَّات: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ... وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ} [الرحمن:46-62]، والرسول صلى الله عليه وسلم قال لأم حارثة: «أو جنة واحدة هي؟! إنها جنان كثيرة». حينما ولدها في غزوة بدر، جاءه سَهمٌ طائشٌ من مشرك فقتله، فجاءت أمُّه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله، قد عرَفتَ منزلة حارثة منِّي، فإن يكن في الجنة أصبر وأحتسب، وإن تكُ الأخرى ترى ما أصنع. فقال: «ويحك، أوَ هَبُلْتِ، أَوَ جنَّة واحدة هي؟! إنها جنان كثيرة، وإنَّه في الفردوس الأعلى». إنَّ ابنك أصاب الفردوس الأعلى، فهو من أهل بدر. العيون والظلال للمتَّقين ولذلك يقول الله تعالى: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ}، ذكر العيون بالذات؛ لأنَّ العرب كانت المياه عندهم قليلة، فالقرآنُ عربيٌّ ويُراعي هذا اللسان العربي، ويراعي البيئة العربية، وفي آية أخرى: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ} [المرسلات:41]، والظلال يحتاج إليها في البلاد الحارَّة، هذه الظلال تحت الشجرة، كأن الجنَّة في ظلال وعيون، وهنا يقول: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ}، عيون تتفجَّر من الجنَّة، كما ذكر في سورة الرحمن: {فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ} [الرحمن:50]، أي: في الجنَّتين العُلويتين، والجنَّتان اللتان هما أدنى: {فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ} [الرحمن:66]. وفي سورة الإنسان: {إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا} [الإنسان:6]. وفي سورة المطفِّفين: {وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ} [المطففين:27، 28]. عيونٌ في الجنَّة يتمتَّعون بها: {وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا * عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا} [الإنسان:17،18]، غير الأنهار الأخرى: {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آَسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ} [محمد:15]. استقبال الملائكة للمتَّقين عند دخول الجنَّة {ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آَمِنِينَ} مَن الذي يقول لهم: ادخلوها؟ الغالب أن القائل الملائكة: {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [النحل:32]. {وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} [الزمر:73]، فالذين يستقبلون أهل الجنَّة هم الملائكة، ويستقبلونهم مُرحِّبين. سلام الملائكة على أهل الجنَّة فدخول الجنة ليس دخولاً فقط، ولكن دخول مع استقبال وترحيب، يُرحِّبون بهم: {ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آَمِنِينَ}، {وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} [الرعد:24]. الملائكة حَوْلَ الإنسان قبل أن يدخل، وبعد أن يدخل، يُرَحِّبون بداخلي الجنة، بأهل الجنة: {ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ}، لأنهم حين يدخلون الجنَّة، يُحَيَّون: {سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ} [يس:58]، سلامٌ من الله، وسلامٌ من الملائكة: {سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} [الرعد: 24]، {لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا} [مريم:62]، {لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا} [الواقعة:25-26]. دخول الجنَّة بسلام وأمن فهم يدخلونها بسلام، سلام أيْ: من الآفات، أو سلام التحيَّة، هذا وذاك، يحيون وهم سالمون من كلِّ آفة وآمنون. {ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آَمِنِينَ}، لا خوف بعد اليوم. أشدُّ ما ينكِّد على الإنسان حياته الخوف، ولذلك لمَّا امتنَّ ربُّنا على قريش قال: {الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ} [قريش:4]، وشرُّ ما تبتلى به الجماعات الجوع والخوف: {فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [النحل:112]. أما الأمن، فهو نعمةٌ عظيمة: {سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آَمِنِينَ} [سبأ:18]، حينما تلقَّى يوسُف أبويه وإخوته قال لهم: {ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ} [يوسف:99]. الجنَّة يدخلها مَنْ يدخلها آمنًا من كلِّ سوء، كما قال تعالى: {لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}، لا يحزنون على ما مَضَى، ولا يخافون من مستقبل، لا يوجَدُ شيءٌ يُخَوِّفهم، علامَ يخافون؟ فعن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «ينادي مُنَادٍ: إن لكم أن تصحُّوا فلا تسقموا أبدًا، وإنَّ لكم أن تحيَوا فلا تموتوا أبدًا، وإنَّ لكم أن تشبُّوا فلا تهرَموا أبدًا، وإنَّ لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدًا، فذلك قوله عزَّوجل: {وَنُودُوا أَنْ تِلْكُم الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الأعراف:43]». فليس في الجنَّة شيءٌ مخوف. ادخلوها بسلام آمنين، ولذلك تُسمَّي الجنة دار السَّلام، كما قال تعالى: {لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأنعام:127]، فهي أمن وسلام من كلِّ شيء. سلامة صدور أهل الجنة من الغلِّ {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ} من خصائص الجنَّة ومزاياها: أنه ليس فيها غلٌّ ولا حسد ولا كراهية ولا أحقاد ولا ضغائن، مَنْ دخل الجنة صُفِّيَ قلبه من كلِّ شيء، طهَّره الله من كلِّ غِلٍّ، حتى الذين تعادوا في الدنيا إذا دخلوا الجنة انتهت هذه العداوات، كما قال تعالى: {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ} [الزخرف:67]، المتَّقون لا عداوات بينهم أبدًا، وأما الآخرون يُعادي بعضهم بعضًا، ويكفِّر بعضهم بعضًا، ويلعن بعضهم بعضًا، وأمَّا المتَّقون فهم أحباء، أخلاء، أصدقاء، لا يزال حبُّهم مستمرًّا إلى يوم القيامة، ويدخل معهم الجنَّة، وإذا كان أحدهم له مع أخيه شيء في الدنيا، شيء من الخصومة أو من النزاع، تجد صدره يوم القيامة صافيًا تمامًا، ولذلك قال: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ}. والغل: الحقد والبغضاء، نُزع هذا من صدره، كما قال في سورة الأعراف: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ} [الأعراف:43]، فهؤلاء الذين دَخَلوا الجنَّة يشعرون بالحُبِّ الخالص. الجنَّة دارُ حُبٍّ، ليس فيها مجالٌ لبغض، ليس فيها مجالٌ لِمُنَافَسَة، والجنَّة طبعًا درجات، هل الذي في الدرجة الدنيا يحسد الذي في درجة أعلى منه، لو كان يحسده ستكون الحياة نَكِدة، لأنَّ هناك مَن هو أعلى منه بكثير، ولكن لا يوجد غَيْرة ولا منافسة ولا حسد في الجنة بحمد الله تعالى: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ}. سلامة صدور الصحابة رضي الله عنهم يدخل أهل الجنَّة الجنَّة إخوانًا، لما بينهم من محبة وألفة وصفاء قلوب، انتهت العداوات، وهذا من فضل الله تبارك وتعالى على أهل الجنة، حتى لا يكدِّرها شيء من مكدِّرات الدنيا، وأول مَن ينطبق عليهم هذا هم الصحابة رضوان الله عليهم، وما شَجَرَ بينهم من خلاف، حتى قاتل بعضهم بعضًا، يدخلون الجنة إخوانا على سُرُرٍ متقابلين. دخل أحد أبناء طلحة بن عبيدالله، وهو أحد العشرة المُبَشَّرين بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشُّورى، دخل على عليّ